مجلة الرسالة/العدد 122/كلمات

مجلة الرسالة/العدد 122/كلمات

مجلة الرسالة - العدد 122
كلمات
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 11 - 1935


للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي

حياةٌ ولكن الحياة تزول ... ودنيا ولكنَّ البقاء قليل

ودهرٌ طويلٌ ماله من نهاية ... ولكنَّ فيه العيشَ ليس يطول

وشمسٌ يسرّ الناظرين طلوعُها ... ولكن لها بعد الطلوع أفول

وفي كل يوم للنهار إذا أتى ... غدوٌّ ومن بعد الغدو أصيل

ربيعٌ ولكن لا يطول زمانهُ ... وزهرٌ ولكن يعتريه ذبول

وإن حياة المرء آفةُ نفسه ... فإن لم يَغُله الموت فهي تغول

وفي القبر قد تبقى من الميْت أعظم ... ومما بناه أرسمٌ وطلول

وما الموت للإنسان إلا ضرورة ... فينشأ من جيل تقاعس جيل

يواري الفتى تحت التراب صديقَه ... ويدفن في الأرض الخليلَ خليل

كأن الأسى جمرٌ له من لهيبه ... ذوائب أصلى نارَها وذيول

كأن فؤادي يستحيل بها إلي ... دموع ومن عيني الدموع تسيل

أمامي أرى ماءً نميراً وبي صدى ... ومالي إلى الماء النمير سبيل

يبيتُ ابن أرض الرافدين على الطوى ... ويشبع من خير البلاد دخيل

وما الأرض بين الرافدين شحيحةُ ... ولا الماء يسقي الرافدين قليل

تهون فلول السيف في حومة الوغى ... إذا لم تصب نفسَ الكماة فلول

أفكّر في الماضي فلا هو عائدٌ ... إليّ ولا عن ناظريّ يزول

ولو كنتُ ممن يؤثرون نفوسهم ... لملت مع الأيام حيث تميل

طريقي طريق الصدق لو كان منجياً ... فما ليَ حتى الموت عنه نكول

ولي كبدٌ أخشى عليها من الجوى ... إذا ما نأى بالظاعنين رحيل

وكم مرّة واريتُ صحبيَ للثرى ... على وجه مَن عزُّوا عليّ أهيل

يقولون ما للدهر يقسو بصرفه ... عليك ويبغي غِرَّةً ويصول

ومن أنا من دهري فيطلب غِرَّتي ... ويغريه بي بعد المشيب ذُحول

أكوّن رائي في الحياة مفكّراً ... ولكنَّ رائي في الحياة يفي ورب عويصٍ في الحياة أمامه ... يظلّ سواءً عالمٌ وجهول

من الدهر تبغي خَلْقَ ذي عبقرية ... ولكنه بالعبقريّ بخيل

من الغُرّ أما عقله فهو راجح ... يصيب وأما وجهه فجميل

ويعرف من نور السهى ما بجوفها ... على أن ما يأتيه منه ضئيل

إذا الشمس ذرّت من وراء حجابها ... فللأرض منها غرّة وحجول

أُلام على نَيْلي من الشعر شهرةً ... ومَن ذا يعاف المجدَ وهو أثيل

يجيش بصدري الشعر من سورة الأسى ... فأشدوا به مستعبراً وأقول

ورب يراع جاء في كف شاعر ... بما لم يجئه السيف وهو صقيل

إذا امتلك الذعرُ النفوسَ فجاءة ... فأوَّل ما يَلقي الضياع عقول

وإن حياة الشيخ بعد صراعه ... وخيبتِه عبءٌ عليه ثقيل

لقد حال مني كل شئ عرفته ... سوى ذكرياتٍ لا تكاد تحول