مجلة الرسالة/العدد 132/الكذب والصدق

مجلة الرسالة/العدد 132/الكذب والصدق

ملاحظات: بتاريخ: 13 - 01 - 1936



للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي

الكذب أسعدني والصدق أشقاني ... والكذب أضحكني والصدق أبكاني

الكذب صيَّر أعدائي ذويِ مقةٍ ... والصدق أبعد عني كل أخداني

كم ورطة كاد فيها الصدق يوقعني ... وبعد ذلك منها الكذب نجَّاني

حرمتُ أكثر ما عيشي يطيب به ... والصدق قد كان من أسباب حرماني

ما كنتُ أرعى نجومَ الليل في سهري ... بل كان فيه نجومُ الليل ترعاني

لولا أكاذيبُ آمالٍ تخادعني ... من كان يذهب أشجاني وأحزاني

إن الأمانّي تسلى وهي كاذبة ... وليس في الصدق من سلوى لأَسوان

الصدق مستنقعٌ في مائه أَسَنٌ ... فليس يملك إِرواءً لظمآن

والكذب بحر خِضَمُّ لا قرار له ... يحوي جواهر من درّ ومرجان

الصدق يلقاك بالأشواك جارحةً ... والكذب يبسم عن وردٍ وريحان

وقد يفوز أخو صدق بمأربه ... وقد يؤوب أخو كذب بخسران

لكن هذا قليلٌ غير مطرّد ... فليس يبني عليه رأيه الباني

إن الحياة بدنيانا لقائمة ... على الأكاذيب من زور وبهتان

الصادق الحرّ ذو فقر ومسكنة ... والكاذب الغِرَّ ذو مال وسلطان

إذا كذبتَ فقد أصبحتَ ربَّ تقي ... وإن صدقتَ فأنت الملحد الجاني

ما كنت تلعنني لو كنت تفهمني ... أو كان عندك وجدانٌ كوجداني

وربَّ أحدوثةٍ في صدقها سببٌ ... إلى إثارة أحقادٍ وأضغان

ورب أكذوبةٍ أدّت بحكمتها ... إلى زوال حزازات وعدوان

الصدق في بثه نارٌ مؤججة ... فليس يطفئها إلا الدمُ القاني

كم دولةٍ أنشأتها ساسةٌ كذبوا ... فأصبحت ذات أبراج وأركان

ودولةٍ بعد كذْب صان بيضتَها ... أضاعها الصدق، صدقُ العاهل الواني

لا تنكروا ما به قد جئتُ أخبركم ... إني إذا قلتُ فالتاريخُ برهاني

هل السياسة إلاّ كذبُ باقعةٍ ... على جماهير من بُلهٍ وعميان هل الحياة وإن كانت مثقفةً ... سوى نفاقٍ وتدليس وإدهان

إن الحياة لسرٌّ ظلّ مختفياً ... والروح أكبرُ من عقلي وعرفاني

هل كان في الأولين السابقين لنا ... حقاً عبادةُ أصنامٍ وأوثان

الكذب بالحور والغلمان ذو هِبةٍ ... والصدق يقصيك عن حور وغلمان

نزلت في ليلة مقرورةٍ بها ... فالصدق عبّس لي والكذب حياني

الكذبُ كان بما فيه الرغادة لي ... في العيش يأمرني والصدق ينهاني

إذا صدقتُ فان الناس تمقتني ... وإن كذبت فان الناس تهواني

يصحّح الكذبُ ما للصدق من الخطأ ... والكذب والصدق في الإنسان صنوان

وأعذب الشعر ما قد كان أكذبه ... قد قال هذا قديماً كل إنسان

وطالب المثل الأعلى وإن عجزت ... منه اليراع على هذا هو الباني

للنابغين شياطينٌ تساعدهم ... وما شياطينهم أشباه شيطاني

إبليس أنجبَ شيطاني وأدّبه ... وبالأكاذيب أوصاه وأوصاني

جميع ما فيّ أمسى تحت سلطته ... إلاّ ضميري وأخلاقي وإيماني

إما مفارقةُ الشيطان لي فكما ... يفارق الروحُ عند الموت جثماني

ولا يفارقني إلاّ غداة يرمي ... سيري إلى العالم الباقي من الفاني

الشعرُ أنِشدُه كالشعر يقرضه ... على لساني فأنّا فيه سيان

يبكي ويضحك شعري حين أرسله ... إلى الجماهير من أنسٍ وجنّان

لقد جرى الشعر شوطاً في تطوّره ... وظل يُبدل ألواناً بألوان

لم يكبر الشعرُ معتزاً بقوته ... حتى تربيتُه طفلاً بأحضاني

ولست أرضى بسلطانٍ على أدبي ... إن لم يكن ذلك السلطان سلطان

وربّ شعرٍ جميل بعد قائله ... يشدو به الناس من قاص ومن دان

الشعر باللفظ والمعنى يفوق كما ... يطير في الجوّ الجناحان

وأفتنُ الشعر ما قد هز سامعَهُ ... بما به بثّ من وجد وأشجان

وسوف يبقى جديداً في رسالته ... إلى الجماعات ما كَرّ الجديدان

بغداد جميل صدقي الزهاوي