مجلة الرسالة/العدد 132/النقد

مجلة الرسالة/العدد 132/النقد

ملاحظات: بتاريخ: 13 - 01 - 1936



رد على نقد

2 - كتاب تاريخ الإسلام السياسي

للدكتور حسن إبراهيم حسن

مؤلف الكتاب

ص398 - يزعم حضرة الناقد أننا قد اتبعنا رأى نيكلسون في أمر انتصار معاوية، وفي أن المسلمين اعتبروه انتصاراً للأرستقراطية الوثنية التي ناصبت الإسلام العداء.

وهذا الزعم غير صحيح، فإننا بنينا هذا الرأي على مقدمات صحيحة رواها ثقاة المؤرخين عن جمهرة المسلمين في القرن الأول الهجري. وهذا علي بن أبي طالب يقول في معاوية مخاطباً أصحابه: (انظروا إلى من يقول كذب الله ورسوله. إنما تقاتلون ابن رأس الأحزاب وابن آكلة الأكباد من قتلى أحد. وإنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء ممن أسلم كرها وكان للرسول حربا وكان عن الدين منحرفاً). ربما تقول إن كلام علي لا ينهض حجة في رأي جمهور المسلمين حيال معاوية وشيعته، وإن التنافس في الحكم يدعو إلى أكثر من ذلك، فإن هذا القول في معاوية لم ينفرد به عليّ، فهؤلاء كبار الصحابة والتابعين يرددون هذا القول بل أشد منه. وهذا قيس بن سعد يقول للنعمان بن بشير (انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقاً أعرابياً أو يمانياً مستدرجاً. وانظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وغير صويحبك ولستما والله بدريين ولا عقبيين ولا لكما سابقة في الإسلام ولا آية في القرآن)، وقول ابن عباس: هذه الحرب بدأها عليّ بالحق وانتهى فيها إلى الغدر؛ وبدأها معاوية بالبغي، وانتهى فيها إلى السرف)، وهذا أبو حمزة الخارجي يقول في خطبته: (معاوية لَعِين الرسول وابن لعينه، وجلف من الأعراب، وبقية من الأحزاب، مؤتلف طليق، فسفك الدم الحرام، واتخذ عباد الله خولاً، ومال الله دولاً، وبغي دينه عوجاً ودغلاً. . . الخ).

لم نذكر هذه الأقوال معتقدين بصحتها كلها في معاوية، إذ رأينا الشخصي أنه مسلم عظيم خدم الإسلام خدمات جليلة، ولكنا اضطررنا إلى ذكرها لنبرهن على أن من استندوا إلى رأي نيكلسون وجدوا في هذه الأقوال بعض المبررات لما ذهبوا إليه

وليت الناقد راجع تلك الأقوال التي تفيض بها المصادر التاريخية ليعرف أننا نعني بقولنا جمهور المسلمين، فيريح نفسه ويريحنا أيضا من هذا التعليق الطويل.

ص340 - كان خيراً للناقد ألا يرجع إلى هذه الصفحة بعد أن تركها عمدا أو سهوا - لا أدري - ويظهر أن شغفه بالتنقيب وتحميل اللفظ فوق ما يستحق، واستخراج ما توهمه مؤاخذة، هو الذي حمله على عكس الدورة ومعاودة المراجعة لهذه الصفحة بعد أن تركها في أول مرة. ولينظر القارئ إلى ما قال عنها بعد أن أرجع البصر كرتين: إنه لم يرضه إلا أن يرمينا بالخطأ لأننا وقعنا في أمر جسيم حيث تابعنا المصادر العربية التي تعين موقعة (ذات السواري) بزمانها ومكانها، ويريد أن يقسرنا على متابعة المصادر اليونانية في أن تاريخ الموقعة كان سنة 34هـ لا سنة 31 كما تثبته المصادر العربية، وأن مكان الموقعة كان قريبا من ساحل آسيا الصغرى الجنوبي لا قريباً من الإسكندرية.

ولحين اطلاعنا على السبب في ولع الناقد بتفضيل المصدر اليوناني على العربي، نقول له إن رأيك هذا فيه تحكم وترجيح بلا مرجح؛ على أن حضرته لم يذكر لنا ولو مصدراً واحداً من هذه المصادر اليونانية لنقف منها على مبلغ صحة اعتماده وأسباب ترجيحه، اللهم إلا كتاب العصور الوسطى لكمبردج، وهو عبارة عن سلسلة مقالات بالإنجليزية، كما أن حكمه علينا بأننا نتابع السير وليام ميور الذي يأخذ عن جبون هو من قبيل الرجم بالغيب، وأن قوله: (كلا هذين المؤرخين أصبح قديما ولا يصح التعويل عليه بصفة مطلقة) يحتاج إلى فك رموزه وأحاجيه. . .

ص450 - يظهر أن الناقد سريع النسيان. فبينا هو يأخذنا بلاذع اللوم والتعنيف إذا روينا آراء جمهور المسلمين في الأمويين، نجده هنا لا يعجبه أن دافعنا بحق عن أحد خلفائهم بأنه لم يرد أن يحط من شأن الكعبة، وأن رميها بالمجانيق أحدث فيها من غير قصد ما أحدث، وأن الحجاج لما نصب المجانيق على الكعبة جعل هذه الزيادة التي زادها ابن الزبير في الكعبة هدفاً، إذ كان الأمويون يعتبرونها بدعاً في الدين). وما أسرع هذا الناقد في سحب ثقته من هؤلاء المساكين، فيقول عنهم: (وبنو أمية كانوا إذا تعارضت المصلحة السياسة مع أي اعتبار آخر رجحوا جانب المصلحة السياسة كائناً ما كان ذلك الاعتبار الآخر.

وتاريخهم يشهد بذلك!!) ثم ما أدري وجه الضحك من قولنا إن الحجاج جعل الزيادة التي زادها ابن الزبير في الكعبة هدفا لمجانيقه، وإنه كان من الممكن الانتظار حتى تضع الحرب أوزارها ثم تنقض الكعبة وتبني على أسسها القديمة. فالواقع يقرر ما قلنا والتقرير غير الرد، والتفسير غير النقد، وأما هذه الزيادة فقد كانت متميزة عن سائر بنية الكعبة يمكن نقضها دون هدم الكعبة، بدليل أن الحجاج بعد أن قتل ابن الزبير عمد إلى تلك الزيادة فأزالها وأعاد الكعبة إلى ما كانت عليه زمن الرسول، وليس من الصعب على العرب، وهم مشهورون بتسديد الرماية، أن يجعلوا الزيادة هدفهم بدون أن يلحقوا بسواها ضررا؛ وقد فصلنا الكلام في ذلك مقالنا الأول. أما قول الناقد إن الهدف الحقيقي للمجانيق هو ابن الزبير نفسه ولما جعل الكعبة حائلا بينه وبين المجانيق ضربت الكعبة، فقول لم يأت الناقد فيه بجديد عن قولنا ولا يتنافى مع ما قررناه.

ص471 - يقول علماء الأصول والتشريع إن الحكم على المجموع لا على الجميع. فإذا حكمنا على الخوارج بأنهم اشتطوا بالحكم على مخالفيهم حتى ساووا بينهم وبين الكفار عبدة الأوثان، فلا يضرنا أن تشذ فرقة كالاباضية عن هذا الحكم، ولا يخفى أن هذه الفرقة لم تشترك مع الخوارج بظفر ولا يناب فيما ألحقوا بالأمة الإسلامية، فليست مقصودة في كلامنا لأنها غير معتبر من الخوارج ذوي البأس الشديد.

ويصدق هذا أيضاً على ما نقلناه عن (السيد أمير علي) على نظام الإمارة على البلدان في العصر الأموي، وبعد أن كان يفرض على ولاة الأقاليم الإقامة في حواضر ولاياتهم أصبحت الولاية في عهد الأمويين تسند إلى بعض أفراد البيت المالك وإلى كبار رجال البلاط، فكانوا يبقون في دمشق ويعينون من قبلهم رجلاً يقومون بحكم الولايات نيابةً (عنهم). وإذا رجع القارئ إلى كلامنا يلحظ أننا نقرر ذلك نظراً لما حدث أثناء حكم هذه الدولة، وأننا لم نجعل تطرق النقص منسحباً على العصر الأموي كله بدليل قولنا إن هناك نقصاً قد تطرق إلى النظام الإداري في عهد بني أمية، وجر إلى أسوأ العواقب فيما بعد، إذ لا يخفى أن التطرق أمر عارض لم يكن موجوداً ثم وجد، فكيف يحمل على التعميم والاستفاضة؟.

ص576 - من المحسنات البديعية أن يذكر الإنسان شيئاً أجنبياً عن موضوعه لمناسبة وفائدة. فإذا كنا تكلمنا عن نظام العدول في معرض الكلام على نظام القضاء في عصر الخلفاء الراشدين والأمويين، وقلنا إن سنة التقدم والارتقاء دعت إلى اتخاذ الشهود المحلفين حين فشت شهادة الزور، فقضى النظام الجديد بتعيين شهود عدول عرفوا بحسن السمعة والفقه فصاروا من هيئة المحكمة يعمل برأيهم القاضي فيما له علاقة بالمتقاضين، إذا ذكرنا هذا فليس معناه أننا نجهل تاريخ هذا النظام ونجهل أنه كان في الدولة العباسة لا الأموية. والمنصف يرى أن مثل هذا الاستطراد له شواهد كثيرة من كتاب الله وكلام رسوله وكلام العرب. وقد لاحظ العلماء فيه أنه يكسب الكلام رونقاً وجدة ويذهب بالسآمة التي يشعر بها القارئ أحياناً من موضوع استطال الكلام فيه.

يخيل إلينا أن الناقد أحس بتهافت ملحوظته هذه فعمد إلى ستر الموقف وتدعيم المأخذ بكلام أرسله إرسالا وكال فيه التهم جزافا، فأبرم حكما مقضياً بأن كلامنا لا يجلو هذا النظام على حقيقته وفيه تخليط كثير!! ويا للعجب! هو لم يقبل منا أن نستطرد بذكر نظام العدول موجزين ويريدنا أن نفصل الكلام عنه. ولا بأس أن تترك الكلام عن موضوع الكتاب بالمرة لنفسح له في الميدان ليصول ويجول ويكون لنقده حينئذ بعض القوة!

ص627 - كنا نتفكه بحكاية ذلك التركي الذي كان مغرماً بأن يأمر فيجد مأموراً، وينهي فيجد منهياً، ولما كانت مؤهلاته لم تسعفه بإشباع رغبته اقتعد غارب الطريق ووضع أمامه بعض أباريق مملوءة بالماء، حتى إذا ما أجهد أحد المارين العطش وأراد تناول إحداها ليشرب نهره ذلك التركي قائلا: دع هذا واشرب من ذاك! فإذا ذهب حضرة الناقد في غالب كلامه يلومنا بأننا نقلنا كذا عن فلان، وكان أولى بنا أن ننقله عن سواه، فانه - ولا شك - يذكرنا بهذه الحكاية المضحكة. ولقد رأينا حضرة الناقد يسلك هذا الطريق معنا في أمر موقعة ذات السواري ونفقات المسجد الأموي.

وبعد، فمن شيم العلماء وكرام النقاد ألا يلجئوا إلى التمويه والإيهام عما ينقدون ويمحصون، وإنما عملهم هو قرن الدعوة بالدليل، ووضع الصحيح إزاء العليل، وبذلك يخدم العلم، وتشكر الحقيقة مجليها. أما إذا لجأ الناقد إلى التعميم، وعبارات التفخيم، واعتذر عن الإدلاء بالحجج والبينات بقصر الوقت وبكثرة السيئات، فليس معنى هذا في نظر الناس إلا الرغبة في الهدم، وعدم القدرة على البناء.

(يتبع)

حسن إبراهيم حسن