مجلة الرسالة/العدد 132/سفارة أندلسية

مجلة الرسالة/العدد 132/سفارة أندلسية

ملاحظات: بتاريخ: 13 - 01 - 1936



إلى ملك النورمانيين في القرن الثالث الهجري

للأستاذ محمد عبد الله عنان

لبث عرب الأندلس منذ الفتح زهاء قرنين في مأمن من الغزوات الخارجية، لا تزعجهم سوى الحروب والمعارك الداخلية، ولم تشعر الأندلس المسلمة بخطر الغزو الخارجي في تلك الفترة إلا من ناحية واحدة، هي ناحية مملكة الفرنج التي بلغت ذروة القوة والبأس في عصر عاهلها كارل الأكبر (شارلمان)، والتي استطاعت من قبل أن تستخلص من يد العرب رباط الثغر وكل أملاكهم في لانجدوك وما وراء جبال البرنيه، وأن تغزو إسبانيا المسلمة من الشمال أكثر من مرة؛ ولكن هذا الخطر الداهم لم يلبث أن خبا عقب انحلال المملكة الفرنجية وتوطد الدولة الأموية في الأندلس.

بيد أن الأندلس لم تلبث أن عرفت خطراً آخر لم تكن لتفطن إليه أو تتحوط لرده؛ ذلك هو خطر الغزوات البحرية النورمانية؛ وقد ظهر هذا الخطر فجأة حينما ظهرت سفن النورمانيين في مياه الأندلس لأول مرة في سنة 230هـ (843م) في عصر أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم، وعاثت في ثغور الأندلس، ووصلت إلى أشبيلية، واقتحم الغزاة بسائطها بالنار والسيف؛ ولم يك لعرب الأندلس يومئذ معرفة بتلك الأمة البحرية التي جاءت من أقاصي الشمال غازية في أقاصي الجنوب، فعرفوها وآنسوا خطرها ومنعتها؛ وعرفوها عندئذ باسم (المجوس)؛ ذلك لأن النورمانيين كانوا يومئذ أمة وثنية تعبد النار والكواكب والعناصر، ثم عرفوها فيما بعد باسم (المجوس الأردمانيين)، أعني النورمانيين؛ وكانت الأندلس حتى ذلك الحين تعني بأسباب الدفاع الداخلية والبرية، ولا تعني كثيراً بأمر الأسطول أو التحصينات البحرية، فلما شهدت جرأة أولئك الغزاة المجهولين، وشدة عيثهم بشواطئها وثغورها، عنيت بأمر الأسطول والثغور، ولم يأت عصر عبد الرحمن الناصر حتى كان للأندلس أسطول فخم يسيطر على تلك المياه، ويحمي ثغور الأندلس من كل غزو واعتداء.

وقد ترددت حملات النورمانيين على شواطئ الأندلس مراراً، في عصر عبد الرحمن بن الحكم، كما قدمنا، ثم في عصر ولده محمد (245هـ - 859م)، ثم بعد ذلك بنحو ق عصر الحكم المستنصر (355هـ - 9660م)، ثم في عهد الطوائف (457هـ - 1065م)، وكانت في كل مرة تبث الذعر والروع والخراب أينما حلت، بيد أنها كانت ترد على أعقابها بعد معارك برية وبحرية طاحنة؛ وكانت تقنع دائماً بما تحصل من الغنائم والسبي، ولا تمكن من البقاء أو الاستقرار وسير هذه الغزوات البحرية مشهورة في الروايات الإسلامية والنصرانية، وليس من موضوعنا أن نعي بتفاصيلها، وإنما نعني هنا بحادث دبلوماسي شهير، كان من بعض آثار هذه الغزوات، وهو من الحوادث الدبلوماسية الفريدة في علائق الشرق والغرب والإسلام والنصرانية.

قام النورمانيون بغزوتهم البحرية الأولى لشواطئ الأندلس في سنة 230هـ (843م) في عهد عبد الرحمن بن الحكم، وعاثوا في بسائط أشبونه وأشبيلية ولبلة؛ ولم يستطع الأندلسيون رد أولئك الغزاة الشقر إلا بعد جهود جهيدة ومعارك طاحنة، وبعد أن رأوا من جرأتهم وشجاعتهم وشدة فتكهم ما يؤذن بانتمائهم لأمة قوية عظيمة؛ عندئذ رأى أمير الأندلس عبد الرحمن ابن الحكم أن يسبر غور هذه الأمة المجهولة، وأن يسعى إلى مهادنتها وعقد أواصر الصداقة معها، في نفس الوقت الذي يعنى فيه بتقوية الأسطول وتحصين الثغور، فانتهز فرصة مقدم الرسل النورمانيين إلى قرطبة لعقد الصلح بعد هزيمة الغزاة وجلائهم عن الثغور الأندلسية، وقرر أن يوفد معهم إلى ملك النورمانيين سفارة يؤكد بها المودة والصداقة.

واختار أمير الأندلس لسفارته رجلاً جعلته صفاته الخاصة خير من يستطيع الاضطلاع بتلك المهمة هو يحيى بن الحكم المعروف بالغزال؛ وكان الغزال شاعراً رقيقاً من أهل جيان، وكان يومئذ من أكابر رجال الدول والبلاط، يصطفيه عبد الرحمن ويؤثره برعايته وتقديره لما كان يتمتع به من خلال وكفايات خاصة في الإدارة والسياسة. وكان عبد الرحمن قد اختاره قبل ذلك ببضعة أعوام ليكون سفيره لدى قيصر قسطنطينية الإمبراطور نيوفيلوس؛ وكان الإمبراطور قد بعث إليه سفارة وهدية فخمة ليخطب وده ومحالفته ويرغبه في ملك أجداده في المشرق حقداً منه على المأمون والمعتصم؛ فرحب عبد الرحمن برسل الإمبراطور، وبعث إليه يحيى الغزال بهدية فخمة (225هـ - 836م) فأدى الغزال سفارته ببراعة، واستطاع أن يخلب الباب الإمبراطور وبطانته بذلاقته وحسن بيانه ورقة شمائله؛ واستمر عبد الرحمن بعد ذلك يسند إليه مختلف المهام الدقيقة فيؤديها بكياسة وبراعة؛ وكان الغزال في الواقع رجلاً خلاباً وسيم الطلعة - ومن ثم سمى بالغزال - يتمتع بصفات السياسي البارع وخلاله ومؤثراته، ويستخدمها دائماً بفطنة ونجاح

وقد انتهت إلينا عن هذه السفارة الفريدة رواية إسلامية ضافية لكاتب أندلسي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي وهو أبو الخطاب بن دحية البلنسي في كتاب له يسمى (المطرب في أشعار أهل المغرب)؛ وفيه يسرد تفاصيل رحلة الغزال إلى بلاد النورمانيين، ويورد لنا طرفاً من خلاله وشيئاً من نظمه، بيد أن هذه الرواية الضافية تعني بالناحية الشخصية والأدبية أكثر مما تعني بالتحقيق التاريخي، ومن ثم فان كثيراً من الغموض يحيق بالمكان وبالظروف التي وقعت فيها هذه السفارة ويترك المجال واسعاً لمختلف الفروض.

تقول الرواية إن يحيى الغزال ومساعده يحيى بن حبيب خرجا من مياه الأندلس الجنوبية في سفينة أندلسية خاصة أعدت لهما، وسارت بهما إلى جانب سفينة الرسل النورمانيين؛ واتجهت السفينتان نحو الغرب حتى خرجتا إلى المحيط؛ وشهد السفير المسلم من عصف الرياح وروعة الموج أهوالاً؛ وقد ترك لنا الغزال في وصفها شعراً يقول فيه:

قال لي يحيى وصرنا ... بين موج كالجبال

وتولتنا رياح ... من دبور وشمال

شقت القلعين وانبت ... ت عرى تلك الحبال

وتمطى مل المو ... ت إلينا عن حيال

فرأينا الموت رأى العي ... ن حالا بعد حال

ولكن الركب وصل سالماً إلى (بلاد المجوس) بعد رحلة شاقة مروعة؛ وسار الغزال وزميله إلى مستقر ملك النورمانيين. أما عن مستقر مملكة النورمانيين (المجوس) فتقول لنا الرواية ما يأتي: (وهي جزيرة عظيمة في البحر المحيط فيها مياه مطردة، وجنات، وبينها وبين البر ثلث مجار، وهي ثلاثمائة ميل، وفيها من المجوس ما لا يحصى عددهم؛ وتقرب من تلك الجزيرة جزائر كثيرة منها صغار وكبار أهلها كلهم مجوس، وما يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية).

وهنا موضع الغموض والحدس. إذ ما هو ذلك القطر الذي تعنيه الرواية الإسلامية، والذي كان مستقرا لملك النورمانيين وقت مقدم الغزال؟ لقد كان للفيكنج أو النورمانيين يومئذ ملك في الشمال، في دانماركه، وكان سلطانهم منذ أوائل القرن الثامن يشمل دانماركه وقسماً من اسكندناوه، وألمانيا الشمالية حتى فريزيا؛ ويلوح لنا من تأمل الوصف الذي تقدمه لنا الرواية الإسلامية عن رحلة الغزال في بحار خطرة مروعة، وعن طبيعية القطر الجزرية، إن هذا القطر هو الدانماركه، فهو شبه جزيرة يحيط بها عدد كبير من الجزائر؛ ومن هذه الجزائر كانت تخرج حملات النورمانيين الغازية إلى البحار الغربية والجنوبية. وكان يجلس على عرش النورمانيين في ذلك الوقت (نحو سنة 844 أو 845 م) ملك يسمى (هوريك)، وكان النورمانيون يومئذ أحداثاً في النصرانية، حسبما تقول الرواية الإسلامية، لأنهم بدءوا باعتناقها قبل ذلك بنحو عشرين عاما فقط. بيد أن هناك احتمالاً آخر يمكن الأخذ به، وهو أن القطر الذي زاره السفير الإسلامي ليؤدي رسالته إلى زعيم الفيكنج ربما كان جزيرة ارلندة التي تنطبق طبيعتها وموقعها على أوصاف الرواية الإسلامية، وكان الفيكنج قد فتحوها قبل ذلك بأعوام (840م) واستقروا في شمالها، واتخذوا زعيمهم (تورجيس) أو (ترجستر) قاعدة لملكه.

وعلى أي حال فقد لقي السفير المسلم من ملك النورمانيين كل ترحاب وعطف، وأفرد لأقامته وزملائه منزلا حسناً؛ وتصف لنا الرواية بعد ذلك كيف استقبل الملك الغزال، وكيف أعجب بجرأته وذلاقته ولباقته، وكيف قدم إليه الغزال كتاب الأمير عبد الرحمن وهديته من الثياب والآنية، فوقعت لديه أحسن موقع. ولقي الغزال مثل هذا الإعجاب والعطف في البلاط النورماني كله. ثم تقدم لنا الرواية تفاصيل شائقة عن صلات الغزال بملكة النورمانيين (نود) مواقفه منها، وقد رآها الغزال لأول مرة فراعه حسنها، وصرح أمامها بأنه لم ير في حياته مثل هذا الحسن الشعري الفائق مع كثرة ما شاهد من النساء الحسان في مختلف القصور؛ وكان الغزال يومئذ قد جاوز الخمسين من عمره ولكنه كان لا يزال جذاباً وسيم الطلعة؛ فأعجبت الأميرة بروائه وظرفه وحسن بيانه، وكثيراً ما كانت تستدعيه للتمتع بحديثه الساحر؛ وكان الغزال من جانبه يهرع إلى مجلسها ويكثر من زيارتها حتى حذره أصحابه من ذلك، ولكنه لم يعبأ بذلك لما يلقاه منها من التشجيع والعطف؛ وتقص الرواية علينا بعض مواقفه ومداعباته مع تلك الأميرة الحسناء؛ ومن ذلك قوله ذات يوم في مجلسها يتغنى بحسنها:

كلفت يا قلبي هوى متعباً ... غالبت فيه الضيغم الأغلبا

أنى تعلقت مجوسية ... تأبى لشمس الحسن أن تغربا

أقصى بلاد الله في حيث لا ... يلقى إليه ذاهب مذهبا

يا نود يا رود الشباب التي ... تطلع من أزرارها الكوكبا

وقوله ذات يوم وقد أمرته الأميرة بأن يخضب شعره الأشيب ففعل، واستحسنت خضابه:

بكرت تحسن لي سواد خضابي ... فكأن ذاك أعادني لشبابي

ما الشيب عندي والخضاب لواصف ... إلا كشمس جللت بضباب

تخفى قليلاً ثم يقشعها الصبا ... فيسير ما سترت به لذهاب

لا تنكري وضح المشيب فإنما هو زهرة الإفهام والألباب

فلدي ما تهوين، ما شأن الصبى ... وطلاقة الأخلاق والآداب

وعاد الغزال إلى الأندلس بعد رحلة دامت عشرين شهراً ومعه كتاب من ملك النورمانيين إلى عبد الرحمن بن الحكم؛ وكان عوده عن طريق شنت ياقوب ثغر جليقية. وقد أدى الغزال سفارته خير الأداء بلا ريب، ولكن ماذا كان موضوع هذه السفارة وغايتها الحقيقية؟ هذا ما لم تفصح عنه الرواية، وإن كنا نعتقد أنها كانت سفارة مودة وصداقة فقط.

وعاش الغزال بعد ذلك أعواماً طويلة، وتوفى بعد الخمسين ومائتين في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وقد أربى على الثمانين؛ وكان مدى نصف قرن يتبوأ الزعامة في ميدان الشعر والأدب والحكمة، ويتبوأ في بلاط قرطبة أسمى مقام من النفوذ والثقة والتقدير.

محمد عبد الله عنان