مجلة الرسالة/العدد 134/قصة المكروب كيف كشفه رجاله

مجلة الرسالة/العدد 134/قصة المكروب كيف كشفه رجاله

ملاحظات: بتاريخ: 27 - 01 - 1936



ترجمة الدكتور احمد زكي

وكيل كلية العلوم

بستور والكلب المسعور

وأخذ بستور ورجاله الخلصاء يصوبون مجاهرهم على مواد يستخرجونها من أجسام موتى من الإنسان والحيوان. ماتت بأمراض مختلفة الأجناس بلغت العشرات عداً، وقضوا في هذا ما بين عام 1878 وعام 1880. كان بحثهم في هذه الفترة به شيء من التخليط، وتحسسهم فيها على غير هدى. ثم شاء القدر أو إرادة الله أن تضع تحت أنف بستور طريقة رائعة للتحصين من الأدواء، ذلك التحصين الذي حلم به طويلاً. ليس في استطاعتي أن أؤدي قصة ما جرى في ذلك بالضبط، لأن الذين كتبوا عن بستور اختلفت رواياتهم فيها، ولأن بستور نفسه لم يشر في كتاباته العلمية إلى الذي حدث، ولم يقل قط إن الذي جرى له في ذلك كان حظاً واتفاقاً. ومع هذا فأنا أقصها على أحسن ما أستطيع، وأسد خللها على قدر الإمكان

ففي عام 1880 كان بستور يلهو بتلك المكروبة الصغيرة البالغة الصغر التي تصيب الدجاج فتميته بالداء المعروف بكوليرا الدجاج، وكان الدكتور بيروُنسيتو اكتشفها فوجدها ضئيلة بالغة في الضآلة فلا تُرى المكروسكوب منها غير نقطة صغيرة ترتعد تحت أقوى العدسات، وكان بستور أول باحث استطاع تربيتها نقية، وذلك في حساء صنعه لها من لحم الدجاج، وبعد أن راقب هذه النقطة الراقصة، وهي تتكاثر في هذا الحساء فتبلغ الملايين الكثيرة في الساعات القليلة، قام فأخذ من الحساء قُطيرة فأسقطها على فُتيتة خبز ألقمها دجاجة، فلم تمض ساعات حتى انتهت وقوقة هذا الطائر المنكود ورفض الطعام وانتفش ريشه واستدار فكان ككرة من العِهن. فلما أصبح الصباح جاءه بستور فألفاه يترنح على رجلين ضعيفتين، وعيناه في اغتماض من نوم غامض انقلب سريعاً إلى نوم أبديّ عميق

وقام رو وشمبرلاند على هذه المكروبات الصغيرة يربيانها ويرعيانها تربية الحاضن ورعايتها. فكانا يغمسان عوداً من البلاتين في حساء يعجّ بها، ثم يغمسانه بما حمل من ويحركانه في حساء جديد خال من الأحياء، فلا يلبث أن يعجّ هذا بالخلائف الجديدة من ذلك المكروب. وقاما على هذا يوماً من بعد يوم، ويكثرون من القليل الذي على العود البليل العدد الهائل الكبير من هذه المكروبات، حتى ازدحمت مناضد المعمل بزريعات متروكة قديمة بلغت أعمار بعضها أسابيع كثيرة، وتفكر بستور فيها فقال: (غداً نُنحّي كل هذا الركام وننظف المناضد)

وهنا جاء الحظ يهمس في إذن بستور، فما كان من صاحبنا أن غيّر رأيه، فقال لرو: (نحن نعرف أن مكروب كوليرا الدجاج لا يزال حياً في هذه القبابة. . . نعم إنه قديم، فقد تركناه في مكانه بضعة أسابيع. . . ولكن برغم هذا أرى أن تحقن قطرات قليلة منه في بعض الدجاج. . .)

وأنفذ رو ما سأله بستور، وإذا بالدجاجات يجيئها المرض فيذهب عنها المرح والخفة والنشاط، وتهوّم كأنها تطلب النعاس. وأصبح الصباح فأتى بستور يطلبها في المعمل لتشريحها وفحصها مؤقتاً أنها لاشك ماتت كالعادة، فإذا بها تجري على عينه هنيئة سعيدة. قال بستور: (هذا عجيب إن المكروب من زريعاتنا كان قبل الآن يحقن في العشرين دجاجة فتموت العشرون كلها، أما هذه. . .!) على إنه لم يكن قدّر لبستور في هذا اليوم أن يكشف كشفه الخطير المنظور؛ ففي الغد قام هو وأسرته ورو وشمبرلاند لقضاء عطلة الصيف، وقبل سفره أودع الدجاجات التي برِئت ذمة حارس المعمل ونسي أمرها

وعاد بستور من سفره. وذات يوم طلب إلى خادم المعمل أن يحمل إليه بعض الدجاج الصحيح الجديد، وأن يجهزه للحقن، قال الخادم: (ولكن يا سيد بستور لم يبق من دجاجنا الجديد الذي لم يحقن غير زوج أو زوجين، أما البقية فأنت تذكر إنك حقنتها قبل سفرك بمكروب من زريعات قديمة فمرضت ولكنها لم تمت). فتسخط بستور على الخدم الذين يهملون فلا يحتفظون بوفرة من الدجاج لتكون دائماً كافية حاضرة، ثم قال: (إذن فأحضر ما عندك من دجاج جديد، وزوّدنا كذلك بزوج أو اثنين من الذي حقناه فأبى أن يموت. . .)

وأحضرت الدجاجات وهي تملأ الجو صياحاً، فضرب أحد الأعوان محقنه في عضلات صدورها بملايين المكروب في صدور تلك التي كانت حقنت من قبل، وكذلك في صدور الجديدات، ومضى النهار؛ وأصبح صباح الغد، فأقبل رو وشمبرلاند إلى المعمل، وبينما هما يدخلان سمعا صوت بستور خافتاً يأتي من تحت السلم من بيت الدجاج وهو يصيح بهما: (رو! شمبرلاند! انزلا إليّ وأسرعا!) وكان بستور يسبقهما دائماً إلى المعمل بساعة أو نحوها

ونزلا إليه فوجدا أمام الأقفاص يذرع الأرض بخطواته. فقال لهما: (انظرا! إن الدجاج الجديد الذي حقناه أمس مات. وكان يجب أن يموت. ثم انظرا إلى هذا الدجاج القديم الذي كنا حقناه من شهر مضى، فمرض ثم طاب، هذا الدجاج أخذ بالأمس نفس الحقنة القاتلة التي أخذها ذلك الدجاج الجديد، ولكنه لم يمت. . . لقد قاوم فعل الحقنة أتمّ مقاومة، إنه فرح مرح. . . إنه يأكل!)

فاختبل رو وشمبرلاند، وانبهم عليهما الأمر حيناً. فقال بستور: (ألا تدركان مغزى هذا؟ مغزاه أني وجدت كل ما أردت! لقد وجدت الآن كيف أعطي الداء قليلاً إلى الحيوان - قليلاً بحيث يمرضه ولا يميته فيشفى وشيكاً. . وكل الذي علينا أن نعمله هو أن ندع هذه المكروبات الحادة القاسية تشيخ في زجاجاتها. بدل أن نستخرج منها بالزرع أنسالاً كل يوم. . . إن المكروبات تَقدُم فتشيخ فتهدأ حدتها، وتضعف ثورتها، فإذا أنت حقنتها في الحيوان أعطته مرض الكوليرا، ولكن بعضاً قليلاً منه لا كله، فإذا طاب استطاع بعد ذلك أن يصمد لأخبث مكروب في العالم. . . فإنما تريان أن فرصتنا في هذا عظيمة؛ وأن هذا أخطر اكتشافاتي، هذا اللقاح الذي كشفت، وهو أكثر تأكدا من لقاح الجُدري وأكثر منه حظاً من العلم، فالجدري لم ير أحد له جرثومة. . . فهيا بنا نطبق هذا على داء الجمرة. . . وعلى كل الأدواء الخبيثة. . . ونخلّص حياة الإنسان والحيوان!)

- 3 -

لقد كان الذي وجده بستور مصادفة واتفاقاً، فلم يكن من تدبير العقل الإنساني. ومع هذا فلو أن رجلاً دون بستور قدراً وقع على الذي وقع عليه لقضى السنين الطويلة يحاول تفسير هذه الظاهرة الخفية لنفسه دون أن يأتي أمراً مذكوراً، أما بستور فما كاد يقع اتفاقاً على حماية دجاجتين حقيرتين من جرثومة قتالة حتى رأى في هذا فرصة سانحة عظمى لحماية بني الإنسان من الموت، فابتدع عقله الوثاب طريقة جديدة يختل بها الطبيعة التي شاءت أن يستسلم بنو الناس كلما هبت عليهم تلك بالعداء أحياؤها الصغيرة كان بستور بلغ الثامنة والخمسين من عمره، فلم يبق فيه من الشباب بقية. ولكن هذا اللقاح الجديد الذي اكتشفه بغير قصد فنجا به الدجاج من الكوليرا، هذا اللقاح نفخ في جمرة حياته فاستعرت، فعاش من بعد ذلك ست سنوات هي أملأ سنواته بالحركة وأشدها احتداماً بالحياة، سنوات امتلأت بحجاج شنيع، وانخذال فظيع، ونصر غير منظور. في هذه السنوات الست صب بستور من الطاقة ما يصبه مائة رجل، وأحدث فيها من الحوادث ما يحدثه هذا العدد من الرجال متظاهرين

وقام بستور وصاحباه يؤكدون أمر هذا اللقاح، فتركوا مكروباً للكوليرا يقدُم في حسائه وزجاجته، فلما ضعفت شرته حقنوه في عشرات من الدجاج الصحيح، فمرضت سريعاً، واشتفت سريعاً؛ وبعد أيام قلائل حقنوها بذريعة خبيثة من المكروب نفسه تكفي لقتل العدد الوفير من الدجاج الصحيح الذي لم يحقن بعد، وأخذ ثلاثتهم يرقبون هذا الدجاج تياهين معجبين باحتماله تلك الملايين من المكروبات وصموده الغريب لها

هكذا أغرى بستور بذكائه مكروباً بمكروب. بدأ بتأنيسه، فلما تم له ذلك حشده وسلطه بأسلوبه الغريب على مكروب من جنسه

ولو أنه لم يكن عندئذ فعل ذلك في غير مكروب كوليرا الدجاج، فقد اندفع على عهده في غطرسته وتعجرفه على الأطباء، وفي حملته على آرائهم العتيقة، وهزئ برطانتهم اللاتينية، وسخر بوصفات جرّت بها أقلامهم على الورق سريعة كالبرق الخاطف، وانعقدت الجمعية الطبية فقام يخبر الأطباء في أدب جم أن لقاح الدجاج الذي كشفه يفوق كثيراً لقاح الجدري الخالد الذي كشفه يينار قال لهم: (فأنا الآن قد دللت على لم يكن يينار ليستطيع التدليل عليه، وذلك أن المكروب الذي يقتل الحيوان هو نفسه الذي يقيه من الموت!)

وضجر الأطباء ذوو الآراء القديمة والأزرّة الزرقاء ببستور أن نصّب نفسه إماماً ليينار العظيم. وقام الدكتور جول جيران يسخر من بستور أن أثار هذه الثائرة كلها من أجل تخبيص في دجاج - واستمرت الحرب في استعارها. وقام بستور في غضبة ثائرة، وأعلن على رؤوس الأشهاد رأيه في سخافة إحدى العمليات الجراحية التي يقوم بها جيران ويُعجب ويُغرم بها. فتلا ذلك منظر من أقبح المناظر وأفضحها يسوؤني أن أصفه وتضيق نفسي لاضطراري لذكره. نهض جيران من مقعده، وكان شيخاً في الثمانين من عمره، وأراد أن ينقض على بستور ذي الستين، وما كاد يفعل حتى صوب إليه لكمة، ولكن تدخل بينهما الأصحاب فمنعوا اشتباك هذين الشيخين اللذين حسبا أن الحقيقة تظهر باللكم والرفس وبكسر العظام وخمش الوجوه

وفي الغد أرسل جيران العتيق شاهديه إلى بستور يتحداه إلى المبارزة. ولكن يظهر أن بستور لم يشأ أن يخاطر بحياته وأن يموت على هذا النحو، فأعطى صديقَي جيران رسالة يحملانها إلى كاتب الأكاديمية، وقال فيها: (لم يبق لي الواجب من سبيل أسلكها إلا أن أعرب عن استعدادي إلى تغيير كل ما قلته فيما يرى المحررون أني خرجت به عن حدود النقد المباح والدفاع المعقول عن النفس). وبذلك هرب بستور من النزال فأثبت مرة أخرى أنه إنسان ولو فاته أن يكون ما نسميه في العادة رجلاً

(يتبع)

احمد زكي لفكتور هوجو

ترجمة السيد فؤاد نور الدين

وا حسرتاه! ما أكثر ما رأيت من غادات هصرتهن يد المنون!

هذه سنة القدر! الفريسة ينتظرها الهلاك،

والعشب تنتظره المناجل المشحوذة القاطعة،

والزهور توطأ تحت أقدام الراقصين الناعمين في الحفلات،

والماء ينفد من وديانه، والبرق لا يومض إلا قليلاً،

وأبريل الحسود يحرق بصقيعه أشجار التفاح المزهوة ذات الأزاهير الفواحة، التي تتساقط كأنها ثلج الربيع.

نعم، هذه سنة الحياة. يعقب الليل الشاحب النهار الضاحك. وتعقب اليقظة كل شئ، إما في النعيم وإما في الجحيم.

ويلتف المدعوون الجشعون حول المائدة الكبيرة،

إلا أن كثيراً منهم يهجرونها قبل نهاية الطعام

- 2 -

ما أكثر ما رأيت من غادات يمُتن! إحداهن وردية اللون بيضاء البشرة؛ وأخرى كأنها لم تنصت إلا للألحان السماوية؛ وأخرى ناحلة قد أسندت جبينها المحنّى على ذراعها؛ ثم فارقتها الروح كما يفارق العصفور غصن الدّوح وفنن الروض

إحداهن شاحبة ضالة، استولى عليها الهذيان فما تنطق إلا اسماً لا يدّ كره أحد، وثانية تفنى كما يفنى النشيد على الأوتار، وثالثة كانت تحتفظ بابتسامة الملاك الجميل الرحيم، لما لفظت نفسها الأخير

فما أشبههن جميعاً بالزهور المرتجفة التي أعجلها القدر إلى الموت!

وبالطيور الحائمة التي غمرتها الأمواه مع أعشاشها الطافية!

وبالحمائم الوديعة اللطيفة التي وهبها الله العالم! فوا لهف نفسي عليهن! طواهن الثرى في غياهبه، وما قضيْن بعد من العمر لبانة!

دعوني أتيه في ظلمات الغاب الدامسة، وأطأ بأقدامي أوراق الشجر اليابسة، فأنا لا أصدق أن جميع هؤلاء الفتيات الساحرات قد متن، وذوت نضرتهن وخمدت أصواتهن؛ ولا أكاد أصدق أن هذه المشاعل البراقة قد خبت أنوارها، وتلك الورود الزاهية قد هصرت أعوادها

ما نفسي إلا أخت لهذه الطيوف الجميلة، أما الحياة والموت فلا يفصلهما فاصل ولا قانون

فأنا طوراً أساعد خطواتهن وطوراً آخذ أجنحتهن فأموت مثلهن أو يعشن مثلي في رؤى عجيبة لا توصف

وتلبس أفكاري أشكالهن وصورهن ويخاطبنني قائلات: تعال!

ثم يتراقصن متشابكات مترابطات حول رموسهن ويتوارين عن عياني بهوادة، لا يخلفن لي غير الحلم والذكرى

- 3 -

إنما أذكر منهن واحدة أسبانية: ملاك غض الصبى؛ أبيض اليدين. قد رفعت النهدين وعقدتهما زفرات بريئة. العين حوراء تلمع فيها نظرات فتنة وسحر

والجمال مجهول أمره، هذا الجمال الذي يتوج بهالة من النور والضياء جبين من بلغت الخامس عشر ربيعاً.

لم يقض الحب عليها، فالحب لم تخطر بعد لذائذه ومعاركه في فؤادها العاصي بالرغم من هتاف الناس عند مرورها: ما أجملها! كانت تهوى الرقص وهذا الرقص قضى عليها

فرفاتها لا يزال يرتعش رعشة الهدوء والسكون كلما رقصت حول كوكب السماء في الليلة المصحية غيمة بيضاء

كانت تعشق الرقص أشد العشق، وكانت تظل قبل كل حفلة ثلاثة أيام ولياليها تفكر فيه وترى من أجله أحلاماً زاهية، وترى نسوة وعازفين وراقصين كلهم يحفون بها

وترى الحلي اللامعة، والعقود الساطعة، وهذه النسائج الرقيقة الناعمة، وتلك النفائس البراقة المتلألئة، وهذه الشرائط الخفيفة التي تشبه أجنحة النحل اللطيفة: كلها وزهور وورود كانت تملأ في الحلم عينيها وتسحر نفسها

فإذا كانت الحفلة، ألفيتها لاهية ضاحكة مع رفيقاتها، تقبل حيناً وتدبر حيناً في المخامل الحريرية

والمروحة بين أصابعها تضغط عليها والألحان المرحة تنتشر من حنجرتها

فتوافقت الموسيقى الصادحة ونغمات البيانة السابحة

لله ما أبهج النفس التي تتمتع برؤية هذه الكاعب ترقص وتزهو!

ثوبها يهتز بنجومه المتلألئة اللازوردية، وعيناها السوداوان النجلاوان تلمعان تحت خمارها الحريري الرقيق لمعان نجمتين تضيئان على جبين الليل من خلف سحابة مظلمة

كل ما كان يكمن فيها كان رقصاً ضحوكاً ومرحاً متوثباً.

ما أشبهها بالطفل! - كنا نبتهج بالنظر إليها في دعتنا الكئيبة؛ لأن القلب لا يجد متعة في الرقص فحسب، فالرماد يعلو حول الألبسة الحريرية

والسأم يظهر وسط اللذائذ السماوية

أما هي فكان الرقص يهيجها ويثيرها، وكانت تحلق - وهي نشوى بنفحات القيثارة الفخور - في فضاء من الحبور، وفي جو من السرور

وكانت الزهور الجميلة، ومصابيح الذهب المتوهجة، وجلبة الأصوات المرتفعة، وضجيج الخطوات المنتقلة، تستهويها وتلذها

ما أسعدها وهي تثب وسط الجمع، كأن مشاعرها تضاعفت وازدادت ونمت!

فلا تدري حينذاك أتتدحرج خلال السحب، أم تصطاد خلال الغاب، أم تطأ بأقدامها أمواج البحار؟

وا حسرتاه! إذا ما قرب انبثاق الفجر وجبت العودة إلى القصر

وهنا تضطر الراقصة الساذجة إلى الوقوف على عتبة الباب منتظرة المعطف

وهنا تحس وهي ترتجف أن نسيم الصباح الندي يلامس كتفها العاري الفضيّ

فيعقب الغد الحزين واليوم الكئيب ليلة الرقص الهائجة!

وداعاً أيتها الرقصات الصبيانية، وداعاً أيتها الزينة؛

أيتها الحفلات الجميلة، أيتها الأغاني العذبة، واللذائذ الحلوة، والعيون المشرقة!

فلقد خلفتكنّ جميعاً عيون منطفئة، وأدواء معضلة

- 4 - ماتت فتاتنا - وما جاوزت ربيع الخامسة عشرة من عمرها!

ماتت في وفرة شبابها، وروعة جمالها، بين نظرات تعبدها، وعيون تقدسها

ماتت على أثر خروجها من حفلة راقصة، فتفتت أكبادنا حسرة عليها؛ ولبسنا لباس الحداد من أجلها

ماتت وا أسفاه! بين ذراعي أم ضاع صوابها وغاب رشادها،

لم يرحمها الموت فانتزعها انتزاعاً بيديه الباردتين لكي يضعها في القبر، وهي ما تزال في أهبة لحضور حفلات تالية

لله ما أسرع الموت في اختطاف تماثيل الجمال!

أما تلك الزهور التي كانت تزين بالأمس رأسها، وتتفتح أكمامها على صدرها، فلقد ذبلت في الرمس، قبل أن تنشد فتاتنا نشيد الهوى والعرس

- 5 -

وا رحمة لأمها التاعسة! إنها تجهل حظها العاثر

تلك الأم التي أضمرت لابنتها من الحب والحنان شيئاً عظيماً؛

ألم ترع طفولتها الشاكية الحزينة؟

ألم تقض لياليها ساهرة تهدهد لها المهد لتغفو وتنام؟

رحماك رب! لم يفدها ذلك.

فالفتاة ماتت، وهي ترقد الآن في تابوتها القاتم شاحبة اللون، كاسفة الوجه، فريسة للحشرات والديدان

فإذا ما أيقظتها في ليلة جميلة من ليالي الشتاء حفلة خاصة بالموتى، تقدم إليها - ليتولى أمر زينتها - شبح رهيب ذو ضحكة مروعة

فيقول لها: هلمي حان وقت الرقص!

ويطبع على شفتها البنفسجية قبلة باردة جليدية، ويمر أصابعه العقداء، أصابع هيكل عظمي، على خصلات شعرها الطويلة المتموجة، ثم يسوقها مرتجفة مهتزة، إلى الرقص النادب المشؤوم، إلى تلك الموسيقى الجوية المتصاعدة في الظلام، حيث يكون القمر في الأفق القاتم شاحباً عريضاً، وقوس قزح مصبوغاً ببريق الياقوت والعسجد، وتكون الغيوم ذوات أهداب من لجين

- 6 -

يا أيتها الفتيات اللواتي تشوقهن ملاهي الرقص الضاحك!

لا تنسين تلك البنت الأسبانية التي انطفأت شعلتها إلى غير عودة! ولا تنسين أنها كانت تنتقل من حفلة إلى حفلة باشة فرحة، فتقتطف بيد مسحورة، أزاهير العمر العبقة، وتكسب روحها لذائذ الحياة الطاهرة، وتملأ عينها بزاهي الألوان الساحرة

على إنها مضت إلى عتبات الموت سريعاً، فقضت كما قضت أوفيليا التي جرفها السيل وهي تقطف الورد والزهور، فراحت غريضة الشباب والجمال في ظلمات القبور

حلب

فؤاد نور الدين

معلم الترجمة بمدرسة الزهراء النسائية