مجلة الرسالة/العدد 138/النقد

مجلة الرسالة/العدد 138/النقد

ملاحظات: بتاريخ: 24 - 02 - 1936



(محمد)

كتاب الأستاذ توفيق الحكيم

للأستاذ محمد سعيد العريان

أيكون لي أن أكتب عن توفيق الحكيم في كتابه (محمد) بعد إذ كتب الزيات والرافعي، أم يكون من فضول القول أن يعرض مثلي لذاك وقد كتب الأستاذان الجليلان فأبلغا وبلغا ما لا مطمح لي وراءه. . .؟ ولكن كتابا يصنفه (توفيق الحكيم) عن (محمد) جدير بأن يثير الفضول، وأن يعذر من يقول فيطيل القول. . .

وما لتوفيق الحكيم ولمحمد؟

أما المؤلف فشابٌّ من شباب هذا الجيل درس دراسة أهله في هذه المدارس المدنية التي نقول لمن يدخلها (أنت لست من هذه الأمة التي نسلت من العرب، واهتدت بهدى الإسلام، ونمت من روح الشرق وسر روحانيته؛ فاذهب فالتمس أمة غير أمتك تفخر بمجدها وتباهي بماضيها. . .!)

وأما (محمد) فهو ذلك السر الأعلى الذي يستغلق على من لم يتصل بروحانية هذا الشرق، ويغمض على من لم يتعرف سر هذا الدين، ويستخفي على من لم ينشأ موصول النسب بتاريخ الأدب القديم. . . وأين توفيق الحكيم من ذاك. . .؟

على أم هذا البون البعيد بين توفيق الحكيم وتاريخ (محمد) هو الذي دعاه إلى أن يمد نظره إلى بعيد يتنور هذا السر من مطالعه، ويستشرف لهذا النور من مشارقه! فحياة محمد كانت إلى قريب وقفا على طائفة من أهل العلم، لا يتناولها إلا من أوتي كثيراً من الصبر على المعاناة في استخراجها، وكثيرا من القدرة على تنقيتها من فضول القول وحشو الرواة ولغو القُصّص، وقل من يملك القدرة والصبر على مثل ذاك؛ ثم جاءت طائفة من كرام العلماء. فجهدوا جهدهم في جلاء هذا التاريخ والكشف عنه، فكتب المرحوم الخضري بك، وكتب جاد المولى بك، وكتب الدكتور هيكل، وكتب رضا، فبلغوا مبلغهم في ذاك، واستطاع الناس أن يقرءوا (السيرة) كما ينبغي أن تُقرأ، وأن يعرفوا من تاريخ الرسول ما لم يكن يعرف إ الخاصة من علماء هذا الدين.

ولكن أتُرى هؤلاء العلماء - على ما بلغوا من التوفيق فيما جاهدوا، وما أصابوا من الإجادة فيما عملوا - قد استطاعوا أن يحملوا واحداً لا يهتم بسيرة الرسول على أن يقرأ سيرة الرسول، أو ودعوا نفراً من شبابنا الذين لا يحسنون إلا اللهو والعبث إلى التماس الحد في حياة محمد وابتغاء المثل العليا في تاريخه. . .؟ لو أن واحداً من هؤلاء الشباب قرأ شيئاً من ذلك لأفاد وانبعثت نفسه، ولكن أين ما يحمله على أن يقرأ. . .؟ إن هذه الكتب على ما أجدت قد عجزت أو كادت عن اجتذاب هذا النوع من الشباب الذي لا يعرف شيئاً عن محمد ولا يهتم أن يعرف؛ ولكن لرجل الفن سبيلا غير ذلك، وقد عرف توفيق الحكيم سبيله

قصد المؤلف من كتابه إلى عرض حياة الرسول الكريم عرضاً يكشف عن دقائقها ويجلو صورها على أسلوب من الفن بعيد عن فلسفة العاِلم وتحقيق المؤرخ، على أن فيه من الفلسفة كما ترى الحادثة بصورتها في حياتنا العادية مرئية مسموعة، تفعل فعلها في النفس وتترك أثرها الفلسفي من غير تعليق ولا بيان؛ وللأستاذ توفيق في فنه باعٌ وذراع. . . فهو قد درس (القصة) دراسة العلم، وفقهها فقه الأدب، وعالجها علاج الفنان المبتكر، وانتج فيها إنتاجاً سيخلد به بين أدباء العربية؛ ولا أغلو إذا قلت إنني لم أقرأ حواراً تمثيلياً في العربية ويلذّني مثل حوار يصنعه توفيق الحكيم

بهذه المقدرة الفنية قرأ توفيق مكتب القدماء عن السيرة، وبحاسة الفنان تمثلت له (مناظرها) كما نقلها في كتابه. وهو ضرب من الرواية لا نستطيع أن نضع له اسماً من أسماء الرواية، فهو ليس قصة، وهو ليس رواية، وهو ليس ترجمة تاريخية، ولكنه منها جميعاً؛ وهو مناظر حواريّة، يباعد بينها الزمان والمكان، وتجمع بينها وحدة الموضوع والغرض؛ على انه ليس لمؤلفها شيء من لغة الحوار ولا أسلوب الكلام، فليس له منها أكثر مما للمصور يرسم لك جزءا من الزمان في ورقة، لا ينقل إليك الزمان الماضي ولكن ينقلك إليه، فإذا أنت ترى منه أكثر مما تريك الصورة، وتسمع منه ما لا يُسمعك الرسم الصامت

ولا شك أن المؤلف قد جهد جهداً غير يسير في إخراج كتابه على ما يشتهي، فهو نوع لم يسبق إليه، وباب اخترعه في فن الرواية ليس له حدود مرسومة تهديه السبيل؛ هذا إلى أن الموضوع دقيق، يقتضي الصبر والأناة وحسن الاحتيال؛ وما ظنك بالكاتب المسلم يؤلف شبه رواية عن محمد، يجري الكلام فيها على لسانه من غير أن يخترع أو يتزيَّد؛ ثم هو مع ذلك يحاول أن يرضي الفن ويلم بدينه في وقت معاً. . .؟ ولكن المؤلف بسبيل هذا الفن قد تصرف في موضعين: أما أولهما فانه كان يجد بعض ما وري عن النبي محكيا بلغة الخبر لا بلغة الحديث، واتجاهه في الموضوع أن يجعل القصة حواراً: كلاماً يجيب كلاما، وخبراً يرد خبرا، فلم يجد أمامه إلا أن يترجم الخبر إلى لغة الكلام لتستقيم له طريقة في الأداء. فمن ذلك مثل ما تقول كتب السيرة: (استأذن فلان على النبي، فأذن له.) يؤديه المؤلف حوارا كما يلي:

-: أيذَن لفلان يا رسول الله. . .

-: أذِنْت

وهذا وإن لم يكن قول النبي - لأن عبارته في الإذن لم تنقل إلينا في الحديث - جائرٌ فيما أراه، فهو باب من رواية الحديث بالمعنى، وقد أجازها رجاله. على أن هذا النوع في الكتاب قليل جداً لا يتجاوز بضع عبارات؛ ولعل أطول عبارة أجراها المؤلف على لسان النبي، هي ذلك الدعاء الذي ترجم له كتاب السيرة بقولهم: (كان النبي يتحنّث في غار حراء. . .) فرأى المؤلف من تمام موضوعه أن يجعل على لسان النبي كلاماً يدعو به ربه في تحنُّثه (ص 31)، وأحسب أن المؤلف كان كثير الحرج في مثل ذاك، فإني لأحس في أكثر من موضع من الكتاب أر كلاما هناك كان ينبغي أن يقوله محمدٌ فلم يقله (المنظر الثالث ف1، النبي وورقة بن نوفل ص 37)

أما الموضع الثاني الذي تصرف فيه المؤلف، ففي ترتيب مناظر الكتاب، فهو لم يلزم الترتيب الزمني الذي جرت عليه السيرة، فقدَّم وأخر، ومازج حوادث وحوادث؛ وليس في هذا - على إجماله - ما يعيب المؤلف، فهو لم يقصد إلى أن تكون للكتاب وحدة القصة، بحيث تبنى حادثة على حادثة، وتأتي مقدمة بنتيجة، بل جرى على أن يجعله مناظر يعطي كل منظر منها أو مناظر صورة خاصة لفكرة أو حادثة بعينها، ثم أن يكون للقارئ من مجموع هذه الصور في النهاية، صورة محدودة للنبي الكريم كما يجب أن يعرفها المسلم

الآن قد فرغت من عرض الكتاب كما أراد مؤلفه وكما دلني على نفسه، وإني لأشهد أن مؤلفه قد وفق توفيقا كبيراً فيما حاول، وبلغ بهذا الكتاب ما لا يبلغ غيره؛ وما أحسب أن لي في هذه الناحية أن أتكلم عن توفيق الحكيم في فنه، فمن للعربية في فن الرواية مثل توفيق؟ على أن هذا الكتاب باب جديد هو زادَه وأنشأه في فن القصة، فمن الفضول أن تقول له: أنت اخترعت وأنت لم تبلغ حد الكمال. . .!

ولكن طابع توفيق الحكيم وشخصيته الفنية لم يكونا ظاهرين مميزين في أسلوب الحوار وفي تساوق القصة ظهورهما وتميزهما في سائر ما ألَّف. وسر ذلك واضح، فهو هنا لم يضع الكلام، ولم يخترع الحادثة، بل نقل وصنف، وداخل ومازج، وإنما تجد طابعه وشخصيته حيث يجد لنفسه الحرية فيما يقول أو فيما يضع: (اقرأ الحوار بين إبليس والحية ص 153 - 157، وموت أبي طالب، وغزوة بدر، وحديث الإفك، وعائشة الغيور) فانك واجد فيها وفي كثير غيرها روحاً وحياة وفناً، فكأنك معها ترى وتسمع وتحس

وأكثر الكتاب من لغة الرواة، لاءم بينها المؤلف ما استطاع ليربطها على أسلوب من البيان منسجم، فأيّ جهد حمل من ذاك؟. . . ولكن عبارات وكلمات نقلت على غير وجهها مما أخطأ الأقدمون على نسخه، وعبارات وكلمات جاءت متداخلة من وضع المؤلف، فأخلَّت بنظم الكلام في غير موضع، ونبا بها مكانها من ذلك البيان العربي المشرق. على أن ذلك لا يعدو بضع عشرة كلمة في الكتاب كله، فما نراها إلى جانبه بشيء ذي بال

وقد كان جهد المؤلف كبيراً في ربط الروايات المختلفة والتوفيق بينها، ليخلص منها إلى الرأي الذي يرى؛ وكان إلى ذلك حريصا على أن تكون (المناظر) قليلة بقدر ما يتأتى له، فجاء من ذلك أن يجعل الحوار في منظر واحد لأكثر من موضوع، وأذ كان الحديث كله بين المتحاورين من الآثار المروية - لم يغير ذلك شيئاً من نص الكلام كما نقله السلف، ولكنه غير جوه فتغير من ذلك مدلوله؛ فمن ذلك حديث النبي عن زوجاته في الجنة، إلى خديجة وهي تُحتضر، (وفاة خديجة ص 100)؛ ومنه حديث (حُبِّبَ إليّ الطيب والنساء) روايتُه على مسمع عائشة في غيرتها المشبوبة وقد جاءها النبي يهمّ أن يتزوج جويرية بنت الحارث. . .!

وجاء في خبر عثمان بن مظعون أن ملاحاةً كانت بينه وبين لبيد بن ربيعة قبل هجرته إلى الحبشة، وأحسب ذلك كان بين الهجرتين؛ فقد كان عثمان على رأس الفوج الأول إلى الحبشة، ثم عاد فاستجار الوليد بن المغيرة حيناً، ثم خلع جوارَه وكان بينه وبين لبيد الشاعر ما كان بعد خلْعه جوار الوليد، ثم هاجر ثانية إلى الحبشة (ص105)

ونقل الكتاب في حديث الإفك (ص376 - 377) أن أمَّ مِسْطح قالت: تَعس مسطح. إذ وجدت ما وجدت في وجه عائشة من إعياء المرض؛ والذي أذكره أن أم مسطح قالت ذلك لغير هذا السبب، ولا أرى داعية للعدول عن المأثور في الرواية

أما بعد، فما حاولت بما أسلفت أن أنقد، ولو أنني حاولت لما وجدت؛ وإنما أذكر هذه الهنات كشهادة على براءة الكتاب وكماله؛ وحسب توفيق الحكيم أن يخرج كتاباً عن محمد على نهج جديد في الفن، ثم لا يجد الناقد فيه غير ما قدمت، وإنه لتوفيق من الله أن يتهيأ لحياة محمد أديب كبير مثل توفيق يربط أسمى ما في الفن بأقدس ما في تاريخ الإسلام. وما احسبنا - وهذا الكتاب بين أيدينا - سنشكو القطيعة بعد اليوم بين شبابنا الذين يعشقون الجديد ويقدرون الفن، وبين سيرة النبي الكريم، وإني قد فرغت من قراءة هذا الكتاب منذ قليل لأشعر بالحنين إلى الساعات السعيدة التي قضيتها منه كأني أعيش عصر النبوة، ومارى هذه الحنين سينقضي حتى أعود إلى الكتاب فأقراه مر ومرة ومرات حتى أروي ما بنفسي من ظمأ إلى هذا الكوثر العذب، وهيهات أن أشعر بعد بأني شربت حتى رويت. . .

(شبرا)

محمد سعيد العريان