مجلة الرسالة/العدد 146/تحية العام الجديد:

مجلة الرسالة/العدد 146/تحية العام الجديد:

ملاحظات: بتاريخ: 20 - 04 - 1936



آمال وآلام

للأستاذ محمود غنيم

شُقَّ الفضاَء بنورك المُتَجدِّدِ ... يا ليت شِعري ما تُخَبِّئُ في غدِ

ولقد مضى عامٌ عرفتُ صروفَه ... وعَييتُ بالغيب الذي لم يُوجَد

وَصَدُوا النجومَ ورحتُ أرصُد شيخها ... شيْخَ النجوم الزهرِ علَّكم مُرْشِدي

يا ابن الظلام أما تعبتَ من السُّرى ... أبداً تروحُ على الأنام وتغتدي

شيبتَ ناصيةَ القرونِ ولم تزل ... طفلاً تُطالعُنا بوجهٍ أمردِ

تمضي الحياةُ فلا تعودُ إذا مضت ... وأراك تختتم الحياة وتبتدي

حتَّامَ تضربُ في الدياجي هائماً ... تهدي الأنامَ ولا إخالُكَ تهتدي

رَقَدَ الأنامُ خليُّهم وشجيُّهم ... وظلِلْت وحدك ساهراً لم ترقد

ولقد حسبتُكَ بالسلام مبشِّراً ... فبرزتَ مثل الخنجر المتجرِّد

الشرق مُضطَرمُ الجوانح ثائرٌ ... والغربُ يهدِر كالخضمِّ المزبد

إني أرى ناراً أُعِدَّ هشيمُها ... وثقابُها لكنها لم تُوقد

عامٌ وآخرُ مقبلٌ ومودعٌ ... شيَّعتُ نعشاً واحتلفتُ بمولِد

ولىَّ القديمُ فما ظفرتُ بطائلٍ ... وأتى الجديدُ فهل تُرى هو مُسعدي

ولقد تشابهت السنونَ كأنني ... ما عشتُ عمري غيرَ عامٍ مفرد

قالوا عجبنا ما لشعرك نائحاً ... في العيد ما هذا بشَدْو معيَّد

ما حيلةُ العصفور قصُّوا ريشه ... ورَمَوْهُ في قفصٍ وقالوا غرِّد

يا ليت شعري يا هلالُ أعائدٌ ... للمسلمين بنصر دين محمد

أتعيدُ للجُمُعات سابق عهدها ... أتعيد للإسلام مجد المسجد

أدركتَ عهدَ الراشدين (بيثرب) ... وحسدتها بين النجوم الحسَّد

وشهدتَ دولة (عبد شمس) حينما ... بلغ (الوليدُ) بها عنان الفرقد

ولقد طلعتَ على بني العبَّاس إذْ ... جلس (الرشيدُ) مع السُّها في مقعد

لهفي عليها دولةً قد أوشكت ... تمتدُّ حتى سِاحل المتجمِّ للشرق ماضٍ كلّما عرضت له ... ذكراهُ يزفر زفرَة المتنهِّد

الشرق يأمُل أن تحلَّ وثاقه ... جرت الشعوب وسار سير المقعد

لهفي عليه منسَّبًا لم يُجْدِهِ ... طيبُ النجار ولا كريمُ المحتد

بتنا نعيش على حساب جدودنا ... هيهات ليس الحرُّ كالمستعْبَد

أين الجبالُ من التلال أو الربى ... أين القويُّ من الضعيفِ القُعْدَد

لا القوم منِّي لا ولا أنا منهمُوُ ... إن لم أفْقهُمْ في العلا والسؤدد

كان الجدودُ لهم شَرًى يأوُونَهُ ... ولنا وكورٌ من يَردْها يَصْطَد

كانوا مغاوِرَ يعتدون على الورى ... فإذا بنوهم عرضةٌ للمعتدي

صالوا برمحٍ ذابلٍ ومهنَّدٍ ... عَضْبٍ ونعجز أن نصولَ بمِبرْد

أين الذي نظم الجيوش؟ من الذي ... نظمَ الكلامَ قلائدً من عسجد

قد كان همهم الفتوحُ وهمنا ... أن نغتذِى أو نرتوِى أو نرتدي

إرثٌ على يدنا تبدَّد شملُه ... يا ليت هذا الإرثَ لم يتبدَّد

يا من رأى أرضاً أُبيحَ حرامُها ... بالأمس كانت في قداسَةِ مَعْبَدَ

أُممٌ تباعُ وتُشترى في السوق مِنْ ... يَدِ سيَدٍ تمضي إلى يد سيد

الحرب حولَ الشرق شَبَّ أُوارُها ... والشرق يرقبُ من يَقُدْهُ ينقد

ما لي أرى الشرقَ المهيضَ جناحُه ... رغم اتحاد الهم غيرَ موحَّد

وإذا تفرقت الشعوب مواقعاً ... وتقاربت غاياتها لم تبعد

ولقد تهان أمامنا جاراتُنا ... وشكاتهنَّ تُذيب قلبَ الجَلْمَد

فنرى ونسمعُ صامتين كأننا ... لم نستمعْ وكأننا لم نشهد

فإذا تحمسنا مَددْنا نحوَهُمْ ... كفَّ الدعاء وغيرها لم نَمْدُد

عذرا بني أعمامنا! أغلالنا ... قعدتْ بنا عن نجدة المستنجد

أعْزِزْ علينا أن نرى جيرانَناَ ... يتَخَطَّفون ونحن مكتوفو اليد

من لي بجيل مستجَدٍّ لم يرثْ ... إلا عنٍ الجدِّ القديم الأبعد

يرثُ (ابنَ هندٍ) في أصالة رأيه ... أو (خالداً) في عزمه المتوقِّد

لم يعتد الضيمَ الذي نعتادُهُ ... أَهْوِنْ بكلِّ أذًى على المتعوِّد إن قام يثبتُ حقَّه فدليلُه ... قصفُ المدافع أو صليلُ مهنَّد

لا خير في حقٍّ يقالُ ومنطقٍ ... عذبٍ بحدِّ السيف غيرِ مؤيِّد

جيلٌ إذا سِيمَ الهوانَ أبى وإن ... يطلبْ إليه البذلُ لم يتردَّد

يهوى الحياة طليقةً ويعافُها ... ذلاًّ ويُدعى للفداءِ فيفتدي

كوم حماده

محمود غنيم