مجلة الرسالة/العدد 153/المغالطة في الوسائل والغايات

مجلة الرسالة/العدد 153/المغالطة في الوسائل والغايات

مجلة الرسالة - العدد 153
المغالطة في الوسائل والغايات
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 08 - 06 - 1936


للأستاذ عبد الرحمن شكري

كل إنسان ظالم في أمر واحد أو أكثر من أمور الحياة، فأن المرء قد تميل به رغائب نفسه وحاجاتها وشعورها حتى يحسب غايته الدنيئة، ومقصده الوضيع، ورغبته الخسيسة، غاية عالية، ومقصداً نبيلاً، ورغبة شريفة؛ وأساسها لو فطن له الغرور والإعجاب بالنفس، أو محاولة إخفاء نقائصها، أو محاولة كسب الجاه، أو المنفعة من حساب غيره، ومتى تهيأ له قبول الغاية الدنيئة، كأنها غاية نبيلة سهل عليه أن يغالط نفسه مغالطة أخرى فيزعم، أن الغاية النبيلة تزكي الواسطة الدنيئة.

ولا تجد بين الناس من لا يغالط هذه المغالطة أيضاً في أمر واحد أو أكثر من أمر واحد من أمور الحياة.

وهذه المغالطة مزدوجة تجعل المرء يزكى الواسطة الدنيئة بالغاية الدنيئة، لأنة أولاً غالط نفسه فحسب الغاية الدنيئة غير دنيئة، ثم غالط نفسه وحسب هذه الغاية تبرر الواسطة الدنيئة؛ وقد يغالط المرء نفسه مغالطة ثالثة، فيحسب الواسطة الدنيئة، نبيلة، وهذا من قبيل الاحتياط إذا لم يستطع أن يزكي عمله لدى الناس بمبدأ تبرير الواسطة بالغاية.

وهذه المغالطات الثلاث تصل بالمرء إلى حالة نفسية يرى فيها أنه يحاول بلوغ الغاية بالوسيلة النبيلة، وهو إنما يحاول بلوغ الغاية الدنيئة بالوسيلة الدنيئة. وقلما يفطن الناس إلى هذه المغالطات في أنفسهم، وقد يعمون عنها في نفوس معاشريهم، فالمرء قد يكون مدفوعاً في سلوكه بما ركب من طبائع الشر، أو لأنه يمني نفسه أن في قوله أو عمله منفعة لنفسه، أو لأنه يرى فيهما إعلاء لنفسه ولرغبته في الظهور بمظهر الغيرة على الخير والحق ومظهر كره الباطل والشر أو لسبب أخر من أسباب عديدة متنوعة، ولكنه لا يزال يروض نفسه حتى يصرفها عن الأسباب الحقيقة وحتى تعتقد نبل غايتها ومقصدها، وأن مطلبها الحق أو الفضيلة أو الخير أو الدين، وقلما تجد في الناس من يعجز عن أن يقنع نفسه أنه إنما يعادي أو يصادق من أجل هذه المطالب النبيلة الشريفة، فإذا اقتنعت سهل عليها أن تتخذ الوسائل الدنيئة لمحاربة من ترى في محاربته ظاهرة انتصار منها لهذه المطالب، فتتخذ من وسائلها النميمة والكذب واستثارة الأحقاد بالنميمة والغيبة والكذب، وك هذه وسائل دنيئة، وتحيل النفس على المبدأ المعروف الذي يقول أصحابه الغاية تبرر الواسطة، فتكون الثقة بالنفس قد خطت خطوتين في المغالطة والإيهام: الأولى تحويلها الغاية الدنيئة إلى غاية نبيلة، وهذه خطوة خطتها كي تخطو الخطوة الثانية، وهي اعتناق مذهب المبررين للواسطة بنبل الغاية، ولو أصبح هذا المذهب عقيدة عامة مقدسة لانهارت أركان الديانات وتفككت عن النفوس عرى الفضائل وانحلت قيودها وتسفلت النفوس، ولكن النفوس تأخذ بهذا المبدأ عملياً وفي خفية أو تبثه بطريق الإيحاء وهو من أسباب تحول النفوس عن الخير والفضيلة حتى على خفاء العمل به والاحتيال لتزكيته بوسائل النفوس الجشعة المتعطشة للمكاسب كما هي نفوس أكثر الناس في أحوال كثيرة

وأحسب أنه لولا المغالطة الأولى أي الوهم الذي يقلب الغاية الوضيعة ويجعلها غاية شريفة لما كثر أخذ الناس بالمبدأ الذي يبرر الواسطة بالغاية النبيلة، إذ أن تلك المغالطة الأولى هي الأساس الذي يبنى عليه هذا المبدأ في كثير من الأحوال والذي يبيح للناس كل وسائل الشر فيواقعونها وهم يحسبون أنهم على خير وإلى خير وفضل.

وإذا تتبعت غايات الناس في مساعيهم المختلفة وجدت أن كلاً منهم مهما سفلت غايته يزكيها ويرفع من شأنها ويلبسها لباس الفضيلة أمام نفسه وأمام الناس، وهو يفعل ذلك إذا كانت غايته وضيعة أكثر مما يفعل إذا كانت غايته رفيعة، لأن الغاية الرفيعة ليست في حاجة إلى كل هذا الجهد، وعلى قدر شعور المرء بحقارة غايته تكون رغبته في مغالطة نفسه، وعلى قدر تسفل تلك الغاية يكون غيظه وحنقه ممن يطلعه أو يطلع الناس على حقيقة غايته وأسبابه التي يخفيها. ومن العجيب أنه يحاول أن يستفيد أيضاً من هذا الغيظ الذي سببه الأنانية فيظهره بمظهر الغضب للحق أو الفضل أو الخير أو الدين ولا يزال بنفسه حتى يقنعها أن غيظها ليس غيظ الأناني المحنق الذي أطلع أو كاد أن يطلع أو يخشى أن يطلع الناس على دناءة غايته أو وسائله فيوهمهما أنه غيظ مقدس نبيل وغضب شريف، وهي إذا اقتنعت واعتقدت ذلك سهل عليها إقناع الناس بما اقتنعت به من باطل، وهنا منشأوهم كبير يقع فيه الناس، فأنهم إذا أبصروا إنساناً عظيم التأثير في الناس تعديهم شدة اعتقاده واقتناعه حكموا أنه على حق، ولا سيما إذا كان الحاكم هذا الحكم قليل الخبرة بالنفس الإنسانية، فإذا زادت خبرته بالنفس علم أن شدة اعتقاد الإنسان وعظم اعتناقه وما ينشأ عنهما من عدوى تؤدي إلى شدة اعتقاد الناس وعظم اقتناعهم لا يدل على أن هذا الإنسان على حق فيما يعتقد وفيما أعدى الناس اقتناعه به، ولكنها سنة مألوفة لدى الباحث في النفس وهي أن الإحساس الشديد ينتقل كالعدوى لشدته وكذلك الاقتناع العظيم ينتقل من نفس إلى نفس كالعدوى لعظمه لا لصوابه، ولما كان الاقتناع المؤسس على الحقد أو الأنانية شديداً لأنه مؤسس على إحساس شديد وهو الحقد أو الأنانية، سهل انتقاله إلى نفوس الناس شأن كل اقتناع مؤسس على إحساس شيء شديد آخر، وأحسب أن الناس معذورون بعض العذر في هذه المغالطات النفسية وفي بعض هذا الغيظ والحنق إذا كشف كاشف عن تسفل غاياتهم أو وسائلهم لأنه إذا أتيح لأكثر الناس فهم حقارة غاياتهم ووسائلهم والتأثر بهذا الفهم والتألم من أجل تلك الحقارة ضاعت ثقتهم بأنفسهم وضاعت ثقة الناس بهم واعتراهم الضعف في معالجة أمور الحياة ومعالجة مطالبهم فيها ولا مراء أن بعض هذه النتائج محمود إذا بلغت بهم منزلة القصد والعدل والحق ولم تنحدر بهم إلى منزلة الضعف والعجز ولم تنل من عزائمهم كل منال، ولكن الناس يعرفون أن نفوسهم قلما تنتقل من إحساس إلى إحساس إلا من نقيض إلى نقيض مثل رقاص الساعة فمن فعل إلى رد فعل، ومن رأي إلى نقيضه ومن شعور إلى عكسه فتغيرهم النفسي يختلف عن تغير أمور الطبيعة. ومن أجل ذلك ترى أن الناس في حياتهم وتأريخهم يسبقون سنة التغير في الطبيعة فيحدث رد فعل ورجعة في أمورهم كي يرجعوا إلى ما يناسب تغير أمور الطبيعة، وهذا هو سبب كثرة ما يشاهد من فترات الرجعة ورد الفعل في تأريخ البشر وفي حياتهم.

وهذه الطفرة في إحساس النفس مشاهدة بصفة خاصة في العامة والصغار والجهلة والقليلي المدنية أكثر من مشاهدة الباحث لها في خاصة والكبار والمتعلمين والكثيري المدنية. ومن أجل تردد النفس بين الإحساس ونقيضه يخشى الناس على عزيمتهم في الحياة ويخشون النتائج التي يأتي بها إطلاعهم على حقيقة غاياتهم ووسائلهم ويخشون أن يعرفوا ضعتها بعد اعتقادهم نبلها فهذا أمر يفاجئهم مفاجأة قد تحدث هزة في النفس وهذه الخشية تزيد غيظهم وحنقهم فيدفعون بالغيظ ذعرهم من أن تنأى بهم ضعة غاياتهم عن عزائم النجاح ومساعيه، وهم يخشون الفشل والضيعة، وما قد يكون فيهما من الذل أو فقدان وسائل الحياة نفسها؛ ولا شيء يدعو إلى القسوة مثل ذعر المرء إذا خشي أن يفقد وسائل الحياة على اختلاف منافعها بفقد اعتقاده نبل غايته ووسائله حتى ولو كان فقده وسائل الحياة من أجل ذلك بعيد الاحتمال.

ولكن كثيراً ما يحصن المرء ضعة غايته ووسائله بما يعتقد الناس فيه وما يعتقد هو في نفسه من الفضل والجاه والنبل والصدق، ولا تخلو نفس من شيء من هذه الصفات قل أو كثر، وكلما كثر نصيب المرء من هذه الصفات كثرة حصانة غاياته ووسائله، ومن أجل ذلك ترى الرجل الذي يعتقد الناس فيه هذه الصفات أقدر على مغالطة الناس ومغالطة نفسه فتسهل هذه المغالطة بما له عند نفسه وعند الناس من ثقة بنصيبه من هذه الصفات، وهذا الرجل أشد خطراً على الحق والخير وإذا غالط نفسه، أو غالط الناس لأنه يسهل تصديقه والاقتداء به ولا يحسب أحد أن له غاية حقيرة أو وسيلة دنيئة بجانب ما في نفسه من صفات الفضل والصدق والحق أو بجانب ما اكتسب من جاه وثقة

وكما أنه يسهل أن تحول الغاية الدنيئة غاية رفيعة نبيلة وأن تعتقد أن تلك الغاية التي صارت نبيلة في نظرها تبرر الواسطة الوضيعة يسهل أيضاً أن تستغني النفس عن الخطوة الثانية، وهي تبرير الواسطة الوضيعة أو تحويلها إلى واسطة نبيلة وإبرازها للناس كأنها واسطة شريفة سامية بدل تبريرها بالغاية والمقصد، وهذا من شدة احتياط النفس عند من قد يرفض ذلك التبرير ويأبى تلك التزكية، ونظرة من الباحث المتقصي وسائل الناس تدل على أنهم يتعامون عن ضعة وسائلهم ويغالون في إبرازها في حلة الوسائل السامية وإنما الخلاف بينهم في تزكية كل منهم وسائله واتهام وسائل غيره. وقد يعرض للباحث سؤالان هما هل يتاح للإنسان عصر يكثر فيه من بحث نفسه وتقصى حقائقها؟ وهل يرفع هذا التقصي من نفس الإنسان؟؟ أحسب أن هذا لا يكون مادام ذعره خشية فقدانه وسائل الحياة على اختلاف أنواعها واقعاً محذوراً.

عبد الرحمن شكري