مجلة الرسالة/العدد 159/أبو الهول

مجلة الرسالة/العدد 159/أبو الهول

مجلة الرسالة - العدد 159
أبو الهول
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 07 - 1936


للأستاذ عبد الرحمن شكري

أنَخْتَ فوق الدهر بالكلكل ... وكُنتَ مثل الواعظ المُرْسَلِ

عند فلاة قلَّ قُطَّانها ... هل باختيار كنتَ في معزلِ

مضى الأُلى شادوك في مجدهم ... كأنه منك لدى موئل

فهل مللتَ العيش من بعدِهم ... كأنما جُلِّلْتَ بالمُثقِل

ثقل من الدهر تحمَّلته ... لو حل بالأطواد لم تحِمْل

فهل يَدِرُّ العيش من بعدهم ... أم ما ضُروع الدهر بالحُفل

وأنت مثل الخان في لبثه ... ونحن مثل الراكب المُعْجَل

غدا ترى عيناك من بَعدنا ... غير حُلولِ الحي والمنزل

كم أمة من بعدها أمة ... قد رحلت عنك ولم ترحل

فأنت سِفْرُ الدهر خطَّت به ... يداه آي المُحْكَمِ المُنْزَلِ

فاتل لنا من آية آية ... لعلنا نُجْنُبُ ما يبتلى

كم وعظ الدهر فلم نَزْدَجِرْ ... وكم سما الناس ولم نَعْتل

نعاف مستطرف ما يُرتجى ... كأننا في العيش لم نُجْبَل

قيدنا العجز ونرجو عُلًى ... يسمو الذي في الطير لم يُكبل

فيا مِثال الدهر يا رمزه ... كم صنم في القلب لم يَبطُل

كأن روح الدهر في جسمه ... إن ترَهُ من نحوه تمثُلِ

تحسبه من هيبة عاقلا ... من حسب المرهوب لم يعقِل

كأنما في طيِّ ألحاظه ... ذكرى لعهد الزمن الأول

كأنه في صمته حارس ... يحرس باب القَدَرِ المقفَل

يا عجباً أبصرتَ ما قد مضى ... ونظراتٌ منك لم تُقتَلِ

أبصرتَ أكل الدهر أبناَءهُ ... ألم تُرَعْ من ذلك المأكل

بينكما نجوى على صمته ... وصمتة في فيك كالمِقْوَلِ

مرت بك الأيام مخشية ... كأنها مرت على هيك فابعث لنا من عزمها عُدَةً ... فلو سألتَ الدهر لم يبخل

ولو نهيتَ الدهر لم يَعْتَدِ ... ولو زجرتَ الدهر لم يُقبِل

والدهر كم تَسْحرُ أحداثُهُ ... لب غضيض اللب والمِفصل

أي حكيم قد رأى ما رأت ... عيناك في الدهر ولم يذهل

يا ناظرا ينظر هذا الورى ... نظرة طرف الناظر المُعضِل

انظر إلى الأقدار في غيبها ... واذكر مآل العيش في المُقبِل

أغابر الأيام في صرفها ... كمُضمَرٍ في الغيب مُستقبل

أَمالِكٌ عُوجلَ عن مُلكه ... كذي علاء بَعُدَ لم ينزِل

وللناس حلْيُ القاهر المُعتلي ... يألم نار الحاذق الصيقل

يصوغهم كل غَلُوبٍ على ... سنة مُلكِ الرمح والمنصل

كم عَبْرَةٍ للناس أبصرتها ... وعبرةٍ للهاطل المُسبِلِ

فهل دموع النحس تحي الورى ... مثل عقيب المطر المرسل

أراك لا ترثي لما نابَهم ... يا ليتني مثلك لم احفل

ومقلة تخبر ألحاظها ... أنَّ عيون الدهر لم تُسمل

والدهر وهو الساهر المعتدي ... يُغضي وعين لك لم تغفل

ورب لحظ منك قد رِشْتَهُ ... في قلب هذا الدهر كالموغل

فابحث خباياه وأحناءه ... واكشف لنا عن ذلك الغيطل

كأَن روح الدهر تبغي به ... وكُناً لها اُحْكِمَ كالمعقل

تحسبه لو جئته ناشداً ... معنى حياة الناس لم يجهل

يا من سؤال العيش في صمته ... اسأل ومن لم يَدْرِه فاقتُلِ

كم امتطى الأيام تجري به ... كأنه والخلد في منزل

كم عَبَّ لج الدهر ثم انثنى ... إلا بقايا الماء في الجندل

كأنه منتظرٌ مَوعِدا ... حُيِّنَ كي ينطق بالمِقْوَلِ

لوفاه يوماً ذاكراً سره ... لم يعجب الرائي ولم يَعْجَل

أو انه المسحور في صمته ... قد كان يمشي مِشيَةَ المُشبِل فخاف صرف الدهر من فتكه ... وعلمه بالحادث المُقبِل

فذاده بالسحر عن نطقه ... حتى تناسى عيشه المُنْجَلي

عبد الرحمن شكري