مجلة الرسالة/العدد 168/مصرع هرة

مجلة الرسالة/العدد 168/مصرع هرة

ملاحظات: بتاريخ: 21 - 09 - 1936



للأستاذ عبد الحميد العبادي

كانت لنا هرة لطيفة، ظريفة، خفيفة الجسم، مرهفة الحس، طوافة بالليل، جوالة بالنهار؛ وكان أولادي يحبونها هي وصغارها الثلاث، ويَحْبونها بالفضل من طعامهم، والكثير من عبثهم؛ وعلى مر الأيام نشأت بين صغار الأنس وصغار الحيوان ألفة جعلت كلا يحتمل عبث كل، ويجد في ذلك لذة ومتاعاً.

وشاء حر القاهرة الذي اتقدت جذوته في أوائل الشهر المنصرم أن ينتجع أولادي بعض السواحل فراراً من وقدة الحر، وابتراداً بهواء البحر ومائه؛ وشاءت ظروفي الخاصة أن أبقى في القاهرة وحيداً إلا من خادم يرعى شؤوني إذا حضرت، ويحرس المنزل إذا غبت. ففقدت الهرة وصغارها بتبدل الحال ما اعتدنه من الطعام إلا قليلاً يمسك الرمق ويستبقي الحياة.

وكأن الهرة استشعرت شيئاً من الأنفة والأباء، فلن ترض بالدون، ولم تصبر على الهون، وانطلقت تضرب في الأرض تبتغي سعة الرزق لنفسها ولصغارها، فكانت تعود من حين لأخر مطبقة فمها على مسلاخ أرنب، أو مشاش عظم، أو عصفور اقتنصته في بعض الحدائق، فتجمع صغارها على ما وفقت له من الرزق، فيكون لهن منه عوض عما فقدن من الزاد.

وأحبت الهرة أن تعود صغارها السعي معها في كسب القوت، فكانت تبرز خارج الدار وتناديهن فيتسارعن إليها، متواثبات، سائلات الأذناب، مؤللات الآذان، محدقات العيون، فيجسن جميعاً خلال الحديقة، فلا يعدمن صرصارا أو جرادة يتبلغن بها بعد أن يلعبن بها طويلاً.

ودرجت الأيام على تلك الحال، وكأن القطط استطبن حياة السعي، وذقن حلاوة الرزق المجلوب بالجد، فعدن لا يأبهن لما كنت أرفدهن به من وقت لآخر من كسرة خبز، أو نغبة لبن، أو عرق لحم ينهسنه، أو عظمة يتعرقنها

غير أن صروف الأيام لا ينجو من كيدها إنسان ولا حيوان، ولا يسلم من آفاتها من يمشي على اثنتين، وما يدب على أربع. فقد كنت ذات يوم جالساً في منزلي وقت الظهيرة، وكنت ضيق الصدر، لَقِس النفس، كأنما أتوقع حدثاً يحدث، أو خطباً يلم، وإذا بي أبصر الهرة تلج من باب الدار بهيئة أنكرتها: أبصرتها تمشي متحلجة، متخلعة، تخالف بين يديها ورجليها، وتقوم وتقع، وتصطدم بما يلقاها في طريقها، فأثبتها النظر، فرأيت، وما أفضع ما رأيت! رأيتها مشجوجة شجاً قبيحاً، فأدركت من فوري أن فظاً غليظ القلب، محمقاً من طباخي الحي قد أعنتته الهرة في طلاب العيش، فأهوى إلى رأسها بسكينه، فشتر إحدى عينيها، وكاد يشطر الرأس شطراً.

وأدركت أن المسكينة تحاول الوصول، على ما بها، إلى صغارها، فطفقت أجمعهن لها من هنا وهنا، وما هي إلا أن أحستهن حتى تحوَّت عليهن، ترضعهن وتمسحهن بلسانها على عادتها. فلما جن الليل جعلت أريد الهرة على الخروج من المنزل، لعل برد هواء العشى ونسيم السحر ينفعها، ولكنها رفعت إلي رأسها وكأنها تستعفيني من الخروج ليلتها تلك، ولأقض بعد ذلك ما أنا قاض. فنزلت على وحي حالها ودلالة منظرها، وانصرفت إلى مضجعي. فلما كان الصباح إذا بي أصحو على مواء موجع صادر من الهرة، فأسرعت إليها فوجدتها تعالج سكرات الموت؛ وما هي إلا لحظة حتى غدت جثة هامدة لا حراك بها. كل ذلك والقطيطات حيال ذلك المنظر الذي لم يعرفنه بعد، مبهوتات صامتات مأخوذات. وكأنهن وقد سكنت حركة أمهن يتمثلن بالشعر الذي وضعه الشاعر الإنكليزي، بيرون، على لسان (قابيل) عندما رأى أخاه (هابيل) ميتاً، ولم يكن رأى الموت قط:

أخي! ما عراك؟ وكنت الغداة ... ذكي الفؤاد، قوي البدن

على العشب ملقى، فماذا دهاك؟ ... أنوم، وما الوقت وقت الوسن؟

سكنت، وأمسك منك اللسان ... وهل مات حي إذا ما سكن؟

ألا ما هلكت! وإن كان في ... شحوبك معنى بهيج الحزن

نعم! لقد كان في حال تغير الهرة الميتة معنى هاج حزن القطط، فقد لذن بأركان المكان واجمات، ولو ألهمن النطق لتمثلن بقول النابغة:

من يطلب الدهر تدركه مخالبه ... والدهر بالوتر ناج غير مطلوب

ما من أناس ذوي مجد ومكرمة ... ألا يشد عليهم شدة الذيب

حتى يبيد على عمد سراتهم ... بالنافذات من النبل المصابيب إني وجدت سهام الموت معرضة ... بكل حتم من الآجال مكتوب

وثارت نفسي لهذا المنظر الأليم، وذكرت قسوة الإنسان على العجماوات مع أنه مستأمن عليها، مستحفظ لها، مسؤول عنها. وذكرت ما جاء في صحيح الأثر من أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. وذكرت قول الرسول العربي: (إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور): ونهيه عليه السلام أصحابه عن اقتعاد الرحال في المجالس حتى لا يعلق بها شوك يؤذي الإبل عندما توضع على ظهورها، وقول عمر لرجل رآه يعنف بماشية يسير ليذبحها: (يا هذا سقها إلى الموت سوقاً رفيقاً)، وذكرت رسالة (الحيوان والإنسان) التي ختم بها إخوان الصفاء رسائلهم، وكيف ذهبوا فيها مذهباً لطيفاً في التدليل على أن الإنسان في حقيقة الأمر حيوان من الحيوان، لا يفضل غيره من الأنواع إلا بالعمل الصالح المنجي له في الدنيا والآخرة. ذكرت كل ذلك فعلمت أن البون لا يزال عندنا شاسعاً بين القول والعمل، وأن المبادئ الجميلة لا تزال إلى حد بعيد مجرد حبر على ورق، وذلك من سوء حظ الإنسانية الصحيحة.

أما بعد! فلا تبعدي أيتها الهرة المظلومة! فكأس المنية لا تبرح دائرة على الخلائق، يشرب بها الرفيع والوضيع؛ وسيان في حكمها من يمشي سوياً وما يمشي مكباً على وجهه. إن الموت لعمري واحد، ولكن الموتات تختلف؛ وموتتك أيتها الهرة؛ من أشرف الموتات. لم تموتي حتف أنفك، ولم تموتي في مسعى باطل. لقد قضيت جاهدة، مجاهدة، وذهبت في ريعان عمرك ضحية الواجب، والسعي الصالح. إذا طالت الأعمار بأقوام رضوا بالهوان والمسكنة، وآثروا العافية المذلة على الجهاد المشرف. نعم، إنك لم تجدي في هذا العالم من ينصفك، ويطلب بثأرك، ولكنك واجدة عند القوة الممسكة لهذا الكون خير الجزاء. ألم تدخل امرأة في هرة أماتتها ظمأ وجوعاً؟ أليس معنى أن الإنسان إذا تجرد من الرحمة فهو عند الله لا يستحي أن يقصها منه إذا طغى عليها وتجبر؟ ألا كفى بذلك للنفس، لو تعلمين، تأساء وتعزية.

891936

عبد الحميد العبادي