مجلة الرسالة/العدد 170/نابليون وخطواته الأولى في سبيل المجد

مجلة الرسالة/العدد 170/نابليون وخطواته الأولى في سبيل المجد

مجلة الرسالة - العدد 170
نابليون وخطواته الأولى في سبيل المجد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 10 - 1936


للأستاذ عبد المجيد نافع

لا يعرف التاريخ رجلاً اختلف الناس في تقديره والحكم عليه، مثل نابليون بونابرت. كان ولا يزال له أنصار ومعجبون يضعونه في طليعة العظماء الذين أنجبهم العالم، ويسبغون عليه أثواب الفضائل الإنسانية التي ينبغي أن يتحلى بها الرجل العظيم. وكان ولا يزال له خصوم وحاقدون يجردونه من جميع الفضائل، أستغفر الله بل يخرجونه من صفوف الإنسانية ويسلكونه في عداد الوحوش. فإذا كان (تين) يعترف له بالعبقرية الحربية، والقدرة الإدارية، وينادي بأنه صب في قالب لم يصب فيه أحد من قبل في التاريخ الحديث، وأن لا سبيل إلى وجود ضريب له إلا بأن نعود بالذاكرة إلى شخصيات الاسكندر وهانيبال ويوليوس قيصر - بعد أن يعطيك (تين) هذه الصورة الرائعة عن نابليون تراه يسارع إلى إدراجه في عداد الوحوش الخارجة عن دائرة الإنسانية. وإذا كان بعض مؤرخي الإنجليز ينادي بأعلى الصوت وملء الفم أن نابليون كان أعظم قائد حربي، وأعظم رجل إداري عرفه التاريخ، فإن بعض المرضى بمخالفة الإجماع، والمولعين بالآراء الغربية، يجحدون عبقرية نابليون الحربية، ويجترئون على الدعوى بأن جميع المعارك الحربية التي عقد له فيها لواء النصر، إنما يرجع الفضل فيها إلى قواده، بل إلى رجال مغمورين كانوا يعملون تحت رايته، وأن التاريخ هو الذي أضفى عليه ذلك المجد الحربي، حتى جعله أشبه الناس بالشخصيات الخيالية، بل أقرب إلى الأساطير منه إلى الشخصيات التاريخية؛ بل ترى نفراً يمعنون في الأغراب فيزعمون أن نابليون لم يوجد، وأن الأساطير هي التي خلقت تلك الشخصية الخيالية، وصاغت تلك الخرافة النابليونية، وأن شيئاً من التحقيق التاريخي لا يلبث أن يمزق الأستار عن تلك الأوهام العالقة بالأذهان!

ومهما يكن من شيء، فليس في التاريخ شخصية شغلت أذهان الكتاب والباحثين مثل شخصية نابليون. وعلى الرغم من وفرة ما كتب عنه، فإن البحث في تاريخه لم تخلق جدته؛ ذلك بأن حياته العاصفة الحافلة بالعظائم تجمع بين روعة القصص وجلال الحقائق التاريخية.

على أن ذلك الرجل العظيم لم يجد طريق المجد أمامه معبدة، بل اجتاز الصعاب، العقبات، وخاض غمرات الأهوال. ولقد تجهمت له الأقدار في أول مرحلة من مراحل حياته، ولم تبتسم له إلا بعد أن كاد يهوي في غمرة اليأس، ولم يفرض وجوده وكفايته على خصومه إلا بعد أن لقي منهم شتى ضروب العنت والمناهضة.

ولا يتورع خصومه عن اتهامه بمجافاة وسائل الشرف في سبيل بلوغ غاياته، وتحقيق لباناته؛ بل لا يتعفف الوالغون في عرضه عن الجهر بأنه توسل بزواج جوزفين لتسلم قيادة الحملة الإيطالية.

هل وصل نابليون بكفايته وحدها أم نه كان يدين بمبدأ: الغاية تبرر الوسائل؟ وزواجه بجوزفين. هل أملته المصلحة، أم كان مبعثه الحب؟

مهما يزعم الذين يشوهون نابليون ويهدرون آدميته، فقد كان إنساناً بأوفى معاني الكلمة، له قلب يصبو للنساء، وعواطف تهوي إليهن؛ وإذ كان في ربيع العمر، فقد ترجم عن هذه العاطفة بإعلان رغبته في الزواج؛ وكان يغبط أخاه جوزيف على توفيقه في الزواج، وطلب يد أخت زوجته فلم تبادله حبا بحب، فتولاه اليأس منها؛ على أنه لبث يحمل لها في صدره أصدق عواطف الحب، فلما بات رب التاج والصولجان، وصاحب الهيل والهيلمان، زوجها ببرنادوت، وبوأ ديزريه كليري التي أخفق في حبها، عرش هولندا.

واستطاع نابليون أن يندمج في الأعمال الحربية، ويعمل في قسم الطبوغرافيا بلحنه السلام العام؛ فكيف كان سبيله إلى الوصول؟

لا نكتم الحق، ولا نكذب التاريخ، فقد دفع ثمناً غالياً في سبيل ما وصل إليه، وتوسل بذوي النفوذ وأصحاب السلطان وأقوياء الساعة لبلوغ ما بلغ؛ ولعله بذل من عزة نفسه، وطامن من كبريائه، وأراق من ماء وجهه، رجاء أن يطفئ شهوة الطموح التي كنت تضطرم نيرانها بين جوانحه.

ومهما حاول في رسائله أن يكتم آلام نفسه ويخفي جروح قلبه، فقد كان بائساً من الوجهتين الأدبية والمادية. ولقد طالما رآه الراءون يضرب على غير هدى في طرقات باريس، يسير بخطى هوجاء مضطربة، يحمل فوق رأسه قبعة تكاد تحجب عينيه، ويرتدي سترة رمادية أخذت فيما بعد مكانها في التاريخ. وإذ رأيت ثم رأيت ذراعين طويلتين تجنحان إلى الطول، وتضربان إلى السمرة، وقد جردهما صاحبهما من القفاز زعماً منه بأن تلك نفقة لا غناء فيها ولا طائل تحتها، ورأيت في قدميه حذاء قد أسرع إليه البلى، وما كان يروعك منه إلا النظرة الهائلة، والابتسامة الخلابة اللتان تشرقان على مظهر ينم على مرض في الجسم والنفس معاً.

وكذلك كان نابليون يتهادى ببؤسه وحزنه في الطرقات. ولقد قالت مدام بورين إنه شهد معهم رواية في مسرح، وكان النظارة جميعاً ينفجرون بالضحك، فما راعها من نابليون إلا أن تراه وحده في مثل صمت القبور.

نعم، فلقد كان في ذلك الحين يحلق بخياله في جو غير جو المسرح، ويجهد قريحته في ابتكار وسيلة للعيش، ذ كان يرقب من ساعة لأخرى فصله من عمله. ولقد خيل إليه أنه شق طريقاً جديدة بالاتجار بتصدير أدوات المكاتب؛ على أن تصدير صندوق كتب إلى مدينة (بال) ما لبث أن أيقظه من حلمه اللذيذ إيقاظاً خشناً! ثم داعب الأمل بأن يأذنوا له في الشخوص إلى تركيا لتدريب جيش السلطان.

وما كان يلمح في الأفق بارقة أمل، وذهبت جهوده في تولون وإيطاليا أدراج الرياح، لأنه مني بوزير للحربية اسمه (أوبري) لا يقوى على فهمه، ولا يدري من الأمور الحربية كثيراً أو قليلاً. فأما الذين كنوا يظللونه بحمايتهم وهم (باراس) و (فربرون) و (مارييت)، وقد حارب تحت لواء الأولين، وانتشل الأخير من بين مخالب الدهماء في مدينة تولون، فقد كانوا يغذونه بالوعود.

على أن بارقة النجاح كانت تبدو في الأفق الذي لا يرقبه نابليون؛ وكان (بواسي دنجلاس) هو الذي أخذ بيده فرضعه في الموضع الذي تتجلى فيه مواهبه لتولي القيادة العامة.

وفي شهر يونيه من عام 1795 ضاق (بونتيكولان) ذرعاً باضطراب إدارة الحرب في لجنة السلام العام، فأشار عليه (بواسي دنجلاس) أن يستعين بخبرة جنرال عائد من إيطاليا وهو كفيل بأن يبذل له أثمن النصائح وأغلاها.

فلما كان الغد قصد إليه نابليون، فما هاله إلا أن يرى الضعف والهزال ماثلين في شخصه. ولقد وعي التاريخ قوله: (رأيت شاباً أصفر اللون، مكفهر الوجه، مقوس الظهر، تبدو عليه مظاهر الضعف والمرض). على أن (بونتيكولان) قد استرعى نظره أن ذلك المخلوق الضعيف المهزول بصير بشؤون الحرب، فطلب إليه أن يدون كتابة ما ألقاه أمامه شفهياً، وأن يرفع إليه تقريراً. وكرت أيام، والتقى (بونتيكولان) (ببوسي دنجلاس) فقال له: (لقد رأيت رجلك الذي بعثت به إلي، ويلوح لي أنه مجنون، إذ لم تحدثه نفسه بالعودة إلي، وأكبر الظن عندي أنه وقع في روعه أنك تسخر منه. كلفه بالحضور إلي غداً).

وتحت ضغط (بواسي دنجلاس) وإلحاحه قدم نابليون تقريره عن الحملة الإيطالية، فما راع (بونتيكولان) إلا علو كعبه في الفنون الحربية، فطلب إليه أن يعمل معه؛ ولما سأله عن مطلبه أبدى رغبته في العودة إلى جيش المدفعية برتبة قائد فرقة، فأنكروا عليه الطموح إلى تلك القيادة وما يزال في الخامسة والعشرين من عمره.

وقد كان (ليتورنير) هو الذي وقف عقبة في سبيل تولي نابليون ذلك المركز، ومع ذلك لم يحمل له حفيظة في قلبه؛ فما لبث أن أصبح إمبراطوراً حتى عينه مديراً ثم مستشاراً.

وإن شئت أن ترى آية حية على وفاء نابليون فاذكر أنه ما كاد يصير قنصلاً حتى استقدم (بونتيكولان)، فلما قدم إليه قال له: إنك اليوم المستشار، فاعتذر بعدم بلوغه الأربعين، فقال إذن فأنت مدير في بروكسل أو في أي بلد تختاره، ذلك بأني حريص على ألا أنسى خدمة قدمت إليّ.

وكان (بونتيكولان) ضامناً كفيلاً لأحد أصدقائه، فلما أفلس تحمل بدين يبلغ ثلاثمائة ألف فرنك؛ فلما بلغ سمع نابليون ضيقه استقدمه إلى قصر التويلري ولامه في رفق على كتم ضيقه عنه، ثم ما لبث أن وفي له دينه.

ولا نملك أن نترك تلك الصورة الرائعة للوفاء دون أن نضع إلى جانبها صورة للجحود والكنود والعقوق الأسود؛ أجل ففي جلسة 22 يونيو من عام 1815 كان (بونتيكولان) الذي أغدق عليه نابليون، بل الغارق إلى أذنيه في نعيم نابليون، أول من خذل نابليون، وعارض في بقاء الإمبراطورية!!!

وبينا كان بونابرت يرقب بفارغ الصبر أن تعينه لجنة السلام العام على رأس البعثة الحربية المزمع إرسالها إلى تركيا، إذا به يتلقى والدهشة ملء نفسه، والأسى ملء فؤاده، خبر تجريده من رتبته العسكرية، تحت ستار الدعوى بأنه رفض قبول المركز المعين له في جيش الغرب.

وكذلك تكون سخرية الأقدار! وآمن نابليون بأن من المستطاع إلغاء قرار التجريد، لكن لا مندوحة له عن التماس المعونة من أقوياء اليوم، المسموعي الكلمة والإشارة، فجد في طلبهم، وتلمس العون من جانبهم.

والتمس نابليون العون عند مدام تليان فحملته كتاب توصية إلى المسيو لوفوف، فأجاب سؤلها وأذن لنابليون بالقماش الذي يصنع منه سترته التي أخذ منها البلى كل مأخذ.

وطوع لنابليون ضميره أن يتوسل بمدام تليان لينتفع بجاه (باراس) ونفوذه. وإن تنس فلا ينبغي أن تنسى أن تلك لسيدة كنت متبوئة عرش الجمال في باريس، وأن صالونها كان الكعبة التي يحج إليها العظماء والكبراء، وأن نابليون كان زري الهيئة تكاد تقتحمه العيون؛ ولذلك لم يكن يسترعي نظر أحد، أو يلقي إليه المجتمعون بالاً، وما كان يخوض معهم في الحديث إلا نادراً؛ على أنه إذا تكلم تكشف عن بديهة حاضرة وذكاء متوقد.

وفي ذات مساء اشتغل نابليون في صالون مدام تليان عرافاً! أي والله عرافاً (يشوف البخت) ويجري على سبيل العرافين ولهجتهم! نعم لقد أخذ نابليون بيد مدام تليان يقلب النظر في كفها وينبئها بالمستقبل، ويفيض عليها بطائفة كبيرة من الخيالات.

وكم كانت صورة رائعة تحتاج إلى ريشة المصور! فهذا عاهل فرنسا في المستقبل، والرجل الذي دانت له أوربا وثل عروشها عرشً فعرشاً، ودك حصونها حصناً فحصناً، وقوض ممالكها واحدة بعد أخرى؛ هذا الضعيف المهزول، الأنكد الأغبر، الزري الهيئة، الخلق الثياب، يقرأ المستقبل في كف ملكة الجمال في ذلك العصر! فما أبعد الفارق وأعمق الهوة بين تلك المرأة المشرقة التي تخطر في مطارف النعيم، وبين ذلك البائس الذي لا يكاد يخفى بؤسه، ولا يستطيع أن يكتم حزنه وبثه من سخرية الأقدار! وأية فكرة كانت تجول في ذلك الرأس المتعطش للمجد وصاحبها (يشوف البخت) التماساً لوجوه المعونة! وإذا رأيت ثم رأيت جمعاً من السيدات يشهدن هذا المنظر وهن يضحكن ملء أفواههن من النبوءات التي يرتجلها نابليون ارتجالاً ومظهره الذي يدعو إلى الرحمة ويبعث على الرثاء! نظر إلى تلك السمراء الجميلة إنها جوزفين بوهارنيه. . . ولن تمضي خمسة شهور حتى تصبح قرينة للعراف الذي (يشوف البخت). ولن تمر ثلاث سنين حتى تمسي شبه ملكة لفرنسا، وما تلبث غير بعيد حتى يهرع البابا إلى باريس ليضع على رأسها تاج الإمبراطورة على الفرنسيين! تلك هي جوزفين التي ارتسمت صورتها في أفق المستقبل النابليوني من الليلة التي كان القائد الصغير يشتغل فيها عرافاً (ويشوف البخت).

كل أولئك لم ينفذ إليه نظر نابليون، وهو يقلب كف مدام تاليان، على رغم بعده ونفوذه، ولو استطاع أن يشق حجب المستقبل، وينبئ حقاً بم سيكون، لملأ قلوب الحاضرات سروراً وأفواههن ابتسامات.

لكن المستقبل علمه عند ربي، والغد لله لا لنابليون ولا لغير نابليون.

(البقية في العدد القادم)

عبد المجيد نافع المحامي