مجلة الرسالة/العدد 170/وداع صديقين

مجلة الرسالة/العدد 170/وداع صديقين

مجلة الرسالة - العدد 170
وداع صديقين
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 10 - 1936


للأستاذ أمجد الطرابلسي

عِندي التهاني عذبة لكما ... فرْحي، فما لي اليومَ عندكما؟

ومعي التهاني الطيباتِ أسىً ... وار يجوبُ الصدْر مُضطرما

إمّا انْتَشي قلبي لمجدكما ... ذكر النوى فهفا لبُعدكما

فرح وتحنان، فأيُّهما ... أُخْلي له الخفَّاق، أيهما؟

قد حارَ قلْبي قبلَ بينكما ... ما يفعل المِسكين بعدكما!

أخَويَّ سِيرا واتركا كبدي ... تَلْهو بها الأشواقُ إثْركما

تَبّاً لها مكلومة أبداً ... ما إن تُسيغ الأعْذب الشما

أو تُنكران أساي في عُرسٍ ... رن السرور بساحِهِ نغما

إن الوفاء يهزُّ بي شجناً ... جمَّ اللهيب ويَنْظم الكلما

ويهيجني قسراً فمعذرةً ... تَسَع الوفاَء البرَّ، أو كرما

أخويَّ سيرا للفخار معاً ... إن القلوبَ تحوط ركْبكما

لا تأسيا لملاعبٍ كرُمت ... نبت الصِّبا في قدْسها ونما

أو ترْهبا الصحراء قاحلة ... لجُّ الرِّمال طغى بها وطما

فالمجد والذكْرُ الجميل لمن ... يجري على الأرماح مبتسٍما

كم أطْلعت صحراؤنا قمراً ... حول النبي، وعلمتَ أُمما

وعلامَ ظعنكما يُروّعني ... ومرابضُ الأحرار قصدكما!

إن العراق على الجِوارِ أخٌ ... بَرٌّ كريم يكلأ الرَّحِما

في رأسه من هاشمٍ أسدٌ ... يرعى العرينَ ويحرس الأجما

غازي بن فيصل جلَّ مَحْتِدُ ... شرفاً، وطابَ أُبُوَّةً وحمى

ملكٌ به تزْهو العروش، جرى ... نحو العلاءِ بِشعبه وسما

فخر الشباب، وحسن طلعتِه ... وضياَءه إذ يكشفُ الظّلما

للهِ هَمكما، ودركما ... من كوكبين توهَّجا هِمما

قلبا كما قد أُتْرِعا أملاً ... وعزائِماً، وتوقَّداً شمم أصبحتُما مثلاً فَمِثلكما ... من سارَ في طلبِ العلى قُدُما

نِضْوانِ، والقلبُ الكبير لظىً ... تضوي به الأجسام ما اضطرما

خاضاً عُباب الجد مُضطرباً ... صخباً: ودرب المجد مزدحما

ملآ الصحائفُ كلَّ مفخرةٍ ... وتشاطرا الأمجاد واقتسما

فإذا سألت المجدَ، أي فتى ... نزهو به في الشام؟ قال: هما!

ثملان بالعزِّ التليد فكم=بعثا محاسِنه، وما كرُما

طَرِبان لم ذا مجّداً ظفراً ... أو ردَّدا نغما، وما سئما

أوَ يسأمانِ، ومجُدنا زهرٌ ... في مَفرِق التاريخ قد نظما

مجد العروبةِ ساطعٌ أبداً ... لا يرْهبُ الأحقَابَ والقدما

تعنو له الأجيالُ خاشعةً ... وتخُصُّه التبجيلَ والعِظما

يا مَجْدَنا الماضي تحيَّتنَا ... اليومَ ثُرْنا نبعَثُ الرِّممَا

سنُعيد صوتك داوياً غرداً ... في الخافقَيْنِ وننشُر العلما

نحنً الشِّبالُ فداءُ رايتنا ... سنُحَطمُ الأصفادَ واللُّجما

آمالُنا وخيالُنا وطنٌ ... سُقِيت دُموعاً أرضُه ودما

جُبِلت من الشُّهداءِ طينَتُه ... فغدا لقُدْس تُرابه حرما

وطني تخِذْتُكَ في الصبا أملاً ... حُلْواً يرفُّ، وفي الكرى حلُما

وطني عبدْتُ ثراك مِن وَلْهِي ... لو كنت مِمَّن يعبدُ الصنما

يا صاحبيَّ ستنزلانِ حِمىً ... شَب الفخارُ لديهِ واحتلما

بغدادَ أم المجدِ من ولدتْ ... للمجد مأموناً ومُعتصما

إن تأتياها، فاذكرا زمناً ... كلُّ العصور غَدت له خدَما

ثم اسقِيَا العَبراتِ تُربتها ... قد جلَّ دمعٌ للوفاءِ همى

البصرتَان هناك كم ولدا ... حبْراً وكم ذا أطْلعا علما

والرّافدان هُنَاك كم حملا ... عرشاً، أظلَّ العُرْب والعجما

أيُّ العروشِ يظلُّ منبسطَا ... أي الجديد من البِلى سلِما

هذي دمشقُ، فكم بها أثر ... من عبدِ شمسِ شارف العدما كم جرَّ ذيلاً في حدائِقِها ... مروانُ أو كم نقّل القدما

جبّارة في الخطبِ باسمة ... لا تشتكي لجراحِها ألما

سخِرت من الطُّغيانِ فاغرةً ... قبراً لكلِّ مدجَّج ظلما

دامٍ حشاها، وهي عابثة ... كالغيدِ، تضحكُ مُقْلةً وفما

لا تنسياها صاحِبيَّ غدا ... أو تنسيا شملاً بها التأَما

أو تنسيا بردّى وواديَهُ ... والغُوطَة الغنَاء والنَّسما

مالي أُذكرُ! أين مثلكما ... من يحفظ التذكار والذّمما؟

(دمشق)

أمجد الطرابلسي