مجلة الرسالة/العدد 171/القصص

مجلة الرسالة/العدد 171/القصص

ملاحظات: الكذب Ложь هي قصة قصيرة بقلم ليونيد أندرييف نشرت عام 1900. نشرت هذه الترجمة في العدد 171 من مجلة الرسالة الذي صدر بتاريخ 12 أكتوبر 1936



الكذب

للقصصي الروسي نيكولا يفتش اندريف

ترجمة الأديب محمود البدوي

(أنت كاذبة! أنا أعرف أنك كاذبة!).

(لماذا تصيح هكذا. .؟ أمن الضروري أن يسمعنا كل إنسان؟).

وكذبت مرة أخرى فما كنت أصيح كما ادعت، وإنما كنت أتكلم على أتم هدوء ورقة. أمسكت بيدها وأخذت أحدثها في لين هادئ، والكلمة السامة: (كذب) تفح حولي فحيح الحية الصغيرة.

(واستطردت تقول: (أحبك. . . ويجب عليك أن تكون على ثقة تامة بي. . ألا يقنعك هذا؟) وقبلتني. . ولكني لما أردت أن أطوقها بذراعي وأضمها إلى صدري لم أجدها: كانت قد أفلتت مني وبارحت الممر المظلم، فتبعتها إلى الغرفة التي أخذ الحفل البهيج فيها يقوض خيامه، ومن أين لي أن أعرف - في مكان كهذا - أين أنا! لقد طلبت مني المجيء إليه فجئت، ورأيت القوم يدورون حولي مثنى مثنى طول الليل. وما تقدم إلى أحد ولا خاطبني إنسان. كنت هناك غريباً عن كل الناس، جلست في ركن يقرب من العازفين على الآلات الموسيقية وفم البوق النحاسي الضخم يوجه في خط مستقيم إلي. . . وسمعت في ناحية شخصاً سجيناً يزمجر ويضحك بعد كل دقيقة في هزة وخشونة ويصيح:

(هو. . . هو. . . هو. . .).

وكانت تقرب مني من حين إلى حين سحابة بيضاء عطرة. كانت هي. . ولم أكن أدري كيف دبرت بمهارة فائقة ملاطفتي وهي متقية أعين الناس، ففي ثانية خاطفة ضغط كتفها على كتفي، وفي لحظة قصيرة خفضت بصري فاستطعت أن أرى الجيد الأتلع والدثار الأبيض الضيق العروة. . ولما رفعت طرفي رأيت جانب الوجه الأبيض الصارم الهادئ كوجه الملاك المفكر فوق مقابر الموتى، فوق مقابر المنسيين من الموتى، رأيت عينيها. . . كانتا نجلاوين ساكنتين حبيبتين تتعطشان للنور. . تحف بهما دائرتهما الزرقاء، وقد بر فيهما إنساناها في قتامة. وكنت كلما نظرت إلى هاتين العينين أراهما على حال واحدة لا تتغير: سوداوان عميقتان لا يدرك كنههما، وإذا ما نظرت إليهما ولو نظرة قصيرة اشتد وجيب قلبي، ولكني لم أشعر قط بمعنى اللانهاية بمثل هذا العمق وهذا الخوف الذي شعرت به الآن؛ ولم أعرف مطلقاً قوتها كهذا الحد القوي الجارف. شعرت خائفاً متألماً أن حياتي كلها غدت كشعاع ضئيل من النور ابتلعته عيناها، حتى أصبحت غريباً عن نفسي فارغاً أجوف غالباً في عداد الموتى. . . ثم بارحتني وخلفتني وحيداً وأخذت معها حياتي. . حياتي كلها، ورقصت ثانية مع رجل وضيء الوجه طويل متعجرف، أخذت في انقباض وحزن أنعم فيه البصر وأدرس أجزاء جسمه، وشكل نعليه، وعرض كتفيه المرتفعتين، وخصل شعره المتموج المنتظم. والرجل بنظرته غير العابئة ولا المكترثة ولا الباصرة يلصقني بالحائط، أصبحت في نظره مخلوقاً تافها كالحائط نفسه.

ولما أطفأت الشموع تقدمت نحوها وقلت:

(حان وقت العودة. . سآخذك إلى المنزل).

فاستغربت وقالت: (ولكني. . . ذاهبة معه!).

وأشارت إلى الرجل الطويل الجميل الذي لم ينظر إلينا مطلقاً ثم جرتني إلى غرفة خالية من الناس وقبلتني. فقلت بهدوء ورقة:

(إنك كاذبة).

فأجابت: (سنتقابل اليوم. . . لا بد أن تجيء. . .).

ولما ركبت العربة إلى المنزل، كان الصباح الضبابي الأخضر قد لاح فوق السطوح العالية، ولم يكن في الشارع كله إلا أنا وسائقي؛ وجلس الرجل متجمعاً يخبئ وجهه من الريح، وأنا جالس خلفه منكمشاً في معطفي ومغطياً وجهي حتى عيني. وكان للسائق أفكاره ولي أفكاري، وخلف الجدران الكثيفة المحيطة ألوف من الناس يغطون في النوم سابحين في أحلامهم وأفكارهم. . . فكرت فيها، وفي أكاذيبها، وفي الموت الرهيب، وبدا لي أن هذه الجدران المحيطة بعد أن أضاءتها تباشير الصباح، كانت تنظر إلي كمخلوق ميت، وهذا هو السبب الذي جعلها جامدة معتدلة هكذا. ولم أكن أعرف في أي شيء يفكر السائق، ولم أكن أدري ما الذي يحلم به أولئك المختفون وراء الجدران، ولا كانوا هم يعرفون ما أفكر فيه وأحلم به. . .

وعلى هذا المنوال من التفكير والسكون والتأمل زحفنا في الشوارع الطويلة المستقيمة، بينما يفضض نور الصباح أعالي السقوف، وكل ما حولنا كان أبيض ساكناً. وقربت مني سحابة بيضاء عطرة. . . وأخذ إنسان سجين يضحك عند أذني ويصيح:

(هو. . . هو. . . هو. . .).

لقد كذبت. لم تبر بوعدها ولم تجيء، وكان انتظاري قدومها عبثاً، كان وهما باطلاً وأملاً خائباً. . . وأخذ الغبش يهبط من السماء القاتمة أشهب بارداً متجمداً. . . ولم أعد أعرف متى يتحول الغبش إلى مساء، أو متى ينقلب المساء ليلاً أسود. فكرت فيه كله كليل طويل حالك فوقه ليل، وأخذت دائماً، بخُطى الانتظار المنتظمة الرتيبة، أروح وأجيء في الطريق، ولم أشأ أن أقرب من منزل حبيبتي الشاهق، ولا من الباب الزجاجي الأمامي الذي بدا لي شاحباً في ظل سقفه الحديدي، ولكني رحت بنفس الخطى المنتظمة أذرع الجانب الآخر من الشارع. رائحاً غادياً. . . رائحاً غادياً. . . وعندما كنت أواجه المنزل لا أستطيع أن أنزع عيني من الباب الزجاجي، فإذا ما بعدت عنه كنت غالباً أقف وأدير رأسي وأسارقه الطرف، وهنا يخز الثلج الساقط وجهي بوخزاته الحادة. . . كانت هاته الإبر الثلجية طويلة نافذة، حتى إنها نفذت إلى قلبي ومزقته وهو المعني بالشوق المضني والانفعال الشديد للانتظار الخائب! وهبت الريح الباردة من الضوء في الشمال إلى الظلام في الجنوب، وصفرت وعوت، ولعبت على السقوف المتجمدة وخلصت نفسها منها وضربت وجهي بسفعات حادة من الندف الثلجية، وخشخشت كما يخشخش الرمل على مصابيح الشوارع الفارغة حيث يرتجف اللهب الأصفر ويقضقض من البرد وينحني أمامها. كم أسفت على هذا اللهب المنفرد الذي يعيش في الليل فقط، وفكرت في الحياة التي ستقف حركتها في الشارع بعد لحظات، وفيّ بعد أن أغادر المكان وتبقى الندف الثلجية تهطل وتضربه بضرباتها، واللهب الأصفر يستمر راجفاً منحنياً في كنف الوحدة والبرودة المحيطة به.

انتظرتها فلم تجيء. وبدا لي أني وهذا اللهب المنفرد متشابهان، وكل ما بيننا من خلاف أن مصباحي لم يكن فارغاً كمصباحه، وأخذ الناس يظهرون من وقت لآخر في المكان الذي ذرعته بخطواتي يكبرون في صمت وسكون، ويتضخمون ورائي، ويبدون سوداً ضخاماً حذائي، ثم يختفون فجأة كالأشباح السنجابية حول ركن بيت أبيض قائم هناك، ثم يقدمون ثانية نحوي من حول الركن ويذوبون في المسافة الرمادية المفعمة بالثلج الصامت المتحرك مدثرين في معاطفهم الضخمة حتى انعدمت أشكالهم واختفت أجسامهم، سائرين صامتين على غرار واحد يشابهوني، وفكرت في أن رهطاً من هؤلاء الناس كانوا يمشون مثلي رائحين غادين منتظرين مترقبين راجفين في صمت. . . . ويفكرون تفكيرهم المبهم الحزين.

انتظرتها فلم تجيء. . . ولم أدر لم أعول وأذرف الدمع السخين وأرسل العبرات الغزار؟ لم أدر لم لم أبك في ألم وحزن؟ لم أدر لم ضحكت وكنت سعيداً جذلاً طروباً؟ قبضت أصابعي إلى راحتي بقوة كأنها المخالب، وتخيلت أني أقبض بشدة على المخلوق السام. . . . الحية. . . . الكذب. . . . فالتفت علي ذراعي وعضت قلبي وأصابني من سمها الزعاف الدوار الشديد. بدا كل ما حولي أكاذيب مجسمة، وانمحى الحد الفاصل بين الحاضر والمستقبل، بين الحاضر والماضي، انمحى الحد بين الوقت الذي كنت فيه في غيابات العدم، والوقت الذي بعثت فيه في هذه الحياة الدنيا. . . . . . وفكرت في نفسي - سواء وجدت أو لم أوجد - كانت أبداً قبل أن أوجد وبعد أن وجدت متسلطة على كياني وجثماني. ومن الغريب علي أن أفكر في أن لها اسماً وجسماً وأن لكيانها ووجودها نهاية وبداية. . . ليس لها اسم مطلقاً، وإنما كانت دائماً المخلوقة الكاذبة، والتي تعد ولا تفي بوعدها أبداً. . . لم أدر لماذا هكذا. ولكنني ضحكت، وغاصت الإبر الحادة في قلبي، وضحك عند أذني إنسان سجين:

(هو. . . هو. . . هو. . .).

وفتحت عيني ورأيت نوافذ المنزل الشاهق المضيئة، وأخذت النوافذ تحدثني بألسنتها الزرقاء الحمراء بكل هدوء:

(إنها تخونك في هذه اللحظة، فبينما أنت تتجول ذارعاً الأرصفة مترقباً حضورها معذباً كئيباً، إذا بها وكلها جمال ونور وإشراق. . . وخيانة، جالسة هنا تسمع همسات الرجل الصبوح الطويل الذي احتقرك وازدراك. إنك إذا اندفعت إلى داخل المنزل وقتلتها ستعمل عملاً عظيماً. لأنك ستقتل الكذب).

وقبضت يدي بشدة وقد أمسكت بسكين وأجبت ضاحكاً:

(أجل. . . سأقتلها. . .).

ولكن النوافذ نظرت إلي بوجوم وقالت في حزن:

(إنك لن تقتلها أبداً. . لأن الآلة التي في يدك هي الكذب بعينه، كقبلاتها تماماً).

واختفت الظلال المترقبة الصامتة وبقيت وحيداً في هذه البقعة الباردة، أنا وألسنة اللهب المنعزلة التي ترجف من البرد والخيبة. . وأخذت الساعة في قبة الكنيسة القريبة تدق، وكان صوتها المعدني الحزين يرتجف وينتحب ويتمدد. ويفقد نفسه في الثلج المدوم المجنون الهاطل؛ وأحصيت الدقات وضحكت، دقت الساعة الخامسة عشرة. كانت قبة جرس الكنيسة قديمة بالية كساعتها. ومع أن الساعة كانت سائرة على منوال حسن، فإنها كانت تدق غالباً أكثر من اللازم، حتى إن الرجل العجوز الذي كان يحركها صعد إلى القبة ليقف بيديه اللسان الضارب. علام كانت تكذب هذه الأصوات الراجفة الحزينة التي يخنقها الظلام الضبابي؟

وانفتح الباب الزجاجي مع آخر دقة كاذبة للساعة، وهبط الرجل الطويل نفسه الدرجات. وعلى الرغم من أني رأيت ظهره عرفته لأني كنت قد شاهدته أمس بوقاحته وغطرسته. . . عرفت مشيته وكانت اليوم أخف حركة وأكثر ثباتاً منها بالأمس. . لقد غادرت من قبل هذا المنزل كما غادره هذا الرجل الآن. إنها الطريقة التي يمشي بها الرجال الذين لا تزال على شفاههم قبلات المرأة الكاذبة.

هددت. . . رجوت. . . قضقضت بأسناني. . .

(قولي الحقيقة. . .).

فسألتني، ووجهها جامد كالثلج، وحاجباها مرتفعان في استغراب، ومن عينيها يطل إنسانان سوداوان سريّان هادئان، لا يسبر غورهما:

(ولكن. . . هل كذبت عليك؟).

وكانت تعرف أني لا أستطيع البرهان على كذبها، وأن كل أبحاثي وأوهامي وجهودي في معرفة الحقيقة ستذهب هباء بعد كلمة واحدة منها. . . كلمة كذب واحدة. . . ولقد ترقبت هذه الكلمة وندت عن فمها أخيراً، وظاهرها يتلألأ بالصدق على أن باطنها كان مظلماً قاتماً. . . (أحبك. . . ألست كلي لك؟).

وكنا بعيدين عن المدينة، والحقول المغطاة بالثلج ترنو إلى النوافذ المظلمة، وفوقها الظلام مخيم، وحولها الظلام جاثم، الظلام الكثيف الجلد الصامت الساكن، ولكن الحقول كانت تلمع بضوئها المكتنز كوجه جثة في الظلام. . . وأضاءت شمعة واحدة في الغرفة الرحبة الشديدة الحرارة، وعلى ضوئها الأحمر انعكست الحقول الميتة. . .

(أود أن أعرف الصدق، بغضّ النظر عما يسببه لي من حزن؛ ربما مت بعد سماعه. . . ولكن خير للمرء أن يموت من ألا يعرفه. أرى الكذب يطل من عينيك. قولي الصدق، وسأذهب بعد ذلك بعيداً عنك إلى الأبد).

ولكنها كانت صامتة، والنظرة التي في عينيها، النظرة الجامدة المتفرسة نفذت إلى سويداء قلبي وأخرجت أعماق نفسي وأبدتها للعيان. . . وأخذت بفضول غريب أمتحنها وأنعم النظر فيها، ثم صحت بها:

(أجيبي. . . وإلا قتلتك!).

فأجابت بهدوء: (اقتلني. . . بعض الأحيان يضيق المرء ذرعاً بالحياة. . . هل تستطيع الوقوف على الحقيقة بالتهديد؟!).

فجثوت على ركبتي وضغطت على يدها، وأخذت أتوسل إليها وأرجوها أن ترحمني وتقول الصدق.

فقالت، وقد وضعت يدها على شعري: (مسكين. . . مسكين. . .).

فرجوتها: (ارحميني. . . أود الصدق. . . أتلهف عليه. . .).

ونظرت إلى جبينها الناعم، وفكرت في أن الصدق الصراح هنالك. . وراء هذا الفاصل الرقيق، فوددت بجنون لو هشمت جمجمتها لأراه، وهنا تحت هذا الصدر المرمري الأبيض كان قلبها ينبض، فوددت لو مزقت هذا الصدر بمخالبي لأرى ولو مرة القلب البشري العاري. . . وكان لهب الشمعة المحدد كالسنان يشتعل بعيداً ساكناً لا يتحرك، والجدران المظلمة قد غابت في القتامة المحيطة، كان كل شيء يبعث على الأسى والوحشة والرعب.

وقالت: (مسكين. . . . مسكين).

وارتعش اللهب الأصفر وتشنج، وضرب لونه إلى الزرقة، ثم تمايل واحتضر. . . وطوانا الظلام في جوفه، ولم أعد أستطيع أن أرى وجهها ولا عينيها؛ وكانت ذراعاها تطوقان رأسي. . . لم أعد أحس بالكذب، وأغمضت عيني وغدوت لا أفكر. . . ولا أعيش في هذه الدنيا. . . وإنما فنيت بكليتي في لمسات يديها، في الإحساس اللذيذ، في النشوة العجيبة التي هيمنت على حواسي ومشاعري، وبدا الصدق في عملها هذا ووضح وبان. . وجاء من أعماق الظلام همسها وانياً غريباً مخوفاً:

(ضمني إليك. . أنا خائفة. . .).

وخيم الصمت ثانية. . . ثم همست مرة أخرى في صوت خافت جازع:

(إنك تود الصدق. . . وهل أنا أعرفه؟ حتى أنا. . . أود أن أعرفه. . . احمني. . . أوه. . . أي رعب!!).

وفتحت عيني وقد أخذ الظلام الشاحب يهرب من النوافذ العالية، ويتجمع على الجدران، ويختبئ في الأركان، ولاح من النوافذ شيء ضخم في بياض الموتى. . . كأن عين إنسان ميت تبحث عنا. . . كأن شخصاً ضمنا في قبضته الباردة. . . فالتصق كلانا بالآخر ونحن نرتجف، وهمست:

(أوه. . . . . . ما أفظع هذا!).

لقد قتلتها!. . .

قتلتها. . . ولما تمددت كتلة بشرية لا حس ولا حركة على النافذة ووراءها الحقول البيضاء تمتد وتتشعب وضعت قدمي على جسمها وانطلقت أضحك، وأقهقه. . . ولم يكن ضحكي ضحك المجنون، لا. . . لقد ضحكت لأن أنفاسي خلصت وصدري استراح، ولأن في أعماق نفسي السعادة والسلام والفراغ. . .

لقد انمحت من قلبي الدودة التي كانت تنخره، وانحنيت وأخذت أتطلع إلى العينين الميتتين، عينان نجلاوان تتعطشان للنور، بقيتا مفتوحتين شبيهتين بعيني تمثال من الشمع، العيون المستديرة القاتمة التي تبدو مغطاة (بالميكا) أستطيع الآن أن ألمسها بأصابعي، وأفتحهما وأسبهما ولا أرهب شيئاً ما، لأن شيطان الكذب والشك مات من هذين الإنسانين السوداوين المبهمين إلى الأبد، مات من هذين الإنسانين اللذين كثيراً ما ارتويا من دمي.

ولما قبضوا عليّ انطلقت أضحك جذلاً، وكل من رآني عد فعلتي عملاً وحشياً مرعباً؛ كانوا يديرون ظهورهم نافرين متراجعين، وأخذ بعضهم وقد روع يوجه إلي ضروب اللوم والتعنيف الشديد، على أنهم لما بصروا بحالي المرح الطروب، شحبت وجوههم، وسمرت أقدامهم، وقالوا: (مجنون).

ويبدو لي أن هذه الكلمة هدأت ثائرتهم وأقرت هائجهم، لأنها أعانتهم على حل اللغز. كيف وأنا المحب الوامق أقتل عشيقتي، وفي الوقت نفسه أضحك؟ على أن رجلاً بادنا أحمر الوجه طروباً سماني اسماً آخر. ولشد ما ساء ني منه هذا حتى اسود في عيني النور، النور الذي كان أمامي.

(مسكين. . .) قالها في عطف لا تشوبه المرارة، لأنه كان بادناً طروباً:

(مسكين).

فصحت في وجهه: (لا تقل هذا. . . . . . . . لا تسمني بهذا الاسم).

ولم أدر لم صحت في وجه الرجل، ما كنت بالطبع أرغب في قتله، ولا حتى في لمسه، ولكن القوم الذين أذهلهم الحادث وأخذوني كمجنون ومجرم، انقلبوا أكثر رعباً وفزعاً، وصاحوا بطريقة جعلتني أضحك مرة أخرى.

ولما قادونيبعيداً عن الغرفة التي تمددت فيها الجثة قلت ثانية في صوت عال ملتفتاً إلى الرجل البادن الطروب:

(أنا سعيد. . . أنا سعيد).

وكان هذا حقاً.

رأيت مرة في صباي نمراً أرقط في حديقة الحيوانات، لفت نظري وشغل تفكيري، لم يكن كالحيوانات الأخرى التي نامت في حماقة وأخذت ترمي الزوار بالنظر الشزر. وإنما مشى في قفصه في خط مستقيم من ركن في دقة حسابية عجيبة! كان في كل مرة يرجع إلى المكان الذي بدأ منه، وفي كل مرة يحك فروته الذهبية في حاجز القفص ورأسه الحاد المفترس مطأطئ، وعيناه تتطلعان إلى الأمام، ولم يتجه قط ينظره إلى الناس. . . والناس يتجمعون حول قفصه طول اليوم، متحدثين صاخبين، وهو يواصل تجولاته ولا ينظر إليهم مطلقاً. وقليل من الوجوه في هذا الحشد كنت باسمة، وكثرتها كانت عابسة بل حزينة وهي ترقب هذه الصورة البشعة وتتحول عنها بزفرة حارة. وعندما كانوا يبارحونه كانوا يلقون عليه نظرة فضولية أخيرة وهم عاجزون عن الفهم، ثم يصعدون الزفرات! كأن هناك شيئاً مشتركاً بين هؤلاء الرجال الأحرار وهذا الوحش السجين. وأخذت بعد ذلك كلما ذكر الناس الخلود وتحدثت الكتب عن الأبدية، أفكر في هذا النمر الأرقط، وأتصور أني أعرف الخلود وعذابه.

لقد غدوت في محبسي الحجري نمراً أرقط. . . سرت في المكان مفكراً على خط واحد في عرض محبسي من ركن إلى ركن، وفكري يتجول معي في خط قصير أيضاً. أفكار ثقيلة وطأتها علي، خيل إليّ بأني لا أحمل رأساً على كاهلي، وإنما أحمل الدنيا كلها على عاتقي. . وكانت هذه الأفكار تحوي كلمة واحدة ولكن ما أكبرها وأهولها كلمة. وما أعلقها بغيابات الأقدار!

(أكاذيب. . .) هذه هي الكلمة.

وأخذت هذه الكلمة تفح مرة أرخى من كل ركن، ثم التفت حولي. . ولكنها لم تعد حية صغيرة كما كانت، وإنما انقلبت ثعباناً ضخماً مفترساً تلمع عيناه. أخذ يلسعني بلسعاته. ولما صحت متألماً خرج من فمي صفير كريه. . . كصفير الثعابين، كأنما احتشد صدري بضروب الزواحف.

(أكاذيب).

مشيت غارقاً في أفكاري والأرض المقيّرة الناعمة الخضراء. . . غدت في عيني هاوية شفافة سحيقة مالها من قرار، وأصبحت قدماي لا تحسان ببرودة الحجر تحتهما، وتصورت نفسي أسبح في علو شاهق فوق الضباب والظلام، ولما خلص صدري من الزفرة السامة. . . من هناك. . . من القاع. . . من هذا الحجاب الرقيق الذي مع رقته لا تنفذ إليه العين، دوي يبطئ صدى مروع. . . كان الصدى بطيئاً جداً كأنه يعبر آلاف السنين، وهو في كل دقيقة وزفرة يفقد بعض قوته. أدركت بأن هناك في باطن القاع كانت الرياح الهوج التي تعصف بالأشجار تصفر. . . ولكن صفيرها وصل إلى أذني كأعقاب الأخبار السيئة تحمل في طياتها كلمة واحدة قصيرة:

(أكاذيب).

هذا الهمس الوضيع أخذ بمخنقي وحبس أنفاسي، فألصقت قدمي بالأحجار وصحت بأعلى صوتي:

(لم تعد هناك أكاذيب. . . بعد. . . لقد قتلت الأكاذيب).

وتحولت عامداً بوجهي لأني كنت أعرف أن الجواب سيجيء من أعماق الهاوية السحيقة. وكان الجواب:

(أكاذيب. . .).

أنت ترى أن الأمر هكذا. . . لقد ارتكبت خطأ جسيماً.

قتلت المرأة. . . ولكني خلدت الكذب. لا تقتل المرأة إلا بعد أن تنتزع - بكل وسائل التعذيب والنار والوعيد - الصدق من أعماق نفسها. فكرت في هذا وأنا أسير في محبسي من ركن إلى ركن.

لقد حملت معها الصدق والكذب إلى مكان مظلم مرعب. . . وهل أذهب إليه. . .؟ هل أذهب إلى هناك. . . وعند عرش إبليس سأقبض عليها وأجثو على ركبتي وأبكي وأقول:

(أريني الصدق).

رباه. . . رباه. . . هذا أيضاً كذب. . . الظلام هناك. . . وفراغ القرون. . . والخلود أيضاً. . . ولكنها ليست هناك. . . ليست في كل مكان. . . بقي الكذب. . . إنه خالد أزلي سرمدي. . . أحسست به في كل ذرة في الهواء. . . وعندما أنشقه أنشق معه في صدري الضعيف فحيح الثعابين فيمزقه. . . فيمزقه. . .

أواه. . . أي جنون عندما يطلب الرجل الصدق. . . وأي عذاب وألم؟

رباه. . . أنقذني. . . . . . أنقذني!!

محمود البدوي