مجلة الرسالة/العدد 172/أنقذوا تراث الأندلس

مجلة الرسالة/العدد 172/أنقذوا تراث الأندلس

مجلة الرسالة - العدد 172
أنقذوا تراث الأندلس
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 10 - 1936


واجب الأمم العربية والإسلامية

للأستاذ محمد عبد الله عنان

قرأنا في الأنباء الأخيرة أن مندوب بوليفيا (من جمهوريات أمريكا الجنوبية) لدى عصبة الأمم قد أثار أمام إحدى لجان العصبة مسألة الآثار الفنية في أسبانيا وما يهددها من الأخطار من جراء الحرب الأهلية الطاحنة التي تجتاح أسبانيا من أقصاها إلى أقصاها، وطلب أن تعمل العصبة لحماية هذه الذخائر الفنية ولا سيما في الأماكن التي تهددها ويلات الحرب.

ونحن نعرف أن عصبة الأمم لا تملك وسيلة للتدخل الفعلي في المأساة الأسبانية، ولا تستطيع مع الأسف أن تعمل شيئاً لحماية الآثار الفنية في أسبانيا.

بيد أن لهذه الصيحة الكريمة التي يرسلها مندوب بوليفيا قيمتها وأهميتها في تذكير العالم المتمدن بأن في أسبانيا تراثاً فنياً بديعاً هو اليوم رهين القدر، ووشيك التبدد والفناء، إذا لم تتداركه يد الحماية والغوث.

وهذه صيحة يجدر بنا أن نرددها. ذلك أن بين هذا التراث الذي تحدق به الأخطار من كل صوب بقية نفيسة من تراث الإسلام في أسبانيا: هنالك في غرناطة الحمراء وجنة العريف وأبهاؤهما ونقوشهما الرائعة، وهنالك في أشبيلية قصر بني عباد، وبرج (الجيرالدا)، وهنالك في قرطبة مسجدها الأموي الجامع الذي ما زال رغم تحويله إلى كنيسة من أروع الآثار الإسلامية، وهنالك تراث الإسلام الفكري في قصر الأسكوريال؛ وهنالك آثار ونقوش إسلامية كثيرة في معظم المتاحف والمدن الأسبانية؛ وكلها مما يلقي أعظم ضياء على تاريخ أسبانيا المسلمة وحضارتها في أزهر وأمجد عصورها.

ولقد كنا أول من أرسل هذه الصيحة منذ بدء الحرب الأهلية الأسبانية، إذ كنا يومئذ على مقربة من أسبانيا مسرح المأساة، وقرأنا فيما قرأنا من أنبائها أن طيارات حكومة مدريد قد ضربت مدينة غرناطة بالقنابل (وغرناطة ومعظم قواعد الأندلس الأخرى ما زالت بيد الثوار)، وأن قنابل قد سقطت على قصر الحمراء فأتلفت بعض جدرانه، فأثار هذا النبأ في نفوسنا شجناً وأسى، وكتبنا يومئذ نلفت نظر العالم المتمدن، ونظر العالم الإسلامي خاصة إلى ذلك الخطر الداهم الذي يهدد تراث الإسلام في أسبانيا.

وهذه مأساة القصر (الكاثار) المروعة بجوار طليطلة، وقد خرب فيها حصن القصر القديم الذي يرجع معظم بنائه إلى العصر الإسلامي.

وفي الأنباء الأخيرة أيضاً أن زعماء الثورة رأوا أن يجتذبوا ولاء الجنود المغاربة وأن يثيروا حماستهم بأن يسمحوا لهم بإقامة الصلاة في جامع قرطبة الكبير الذي هو اليوم كنيسة جامعة؛ ونحن نغتبط إذ يستطيع المسلمون أن يؤدوا شعائرهم في ذلك المسجد الجامع القديم الذي هو أبدع آثار الدولة الأموية في الأندلس؛ ولكنا نخشى أن تؤدي الفوضى العسكرية في مثل هذه الظروف إلى تشويه هذا الأثر الإسلامي الخالد أو تخريبه.

والآن يزحف الثوار على مدريد ويطوقونها من الشمال والجنوب والغرب؛ وتضطرم حول العاصمة الأسبانية وفي سمائها حرب طاحنة لا يقف المتحاربون فيها عند شيء ولا يفرون شيئاً؛ وفي مدريد متحف يضم كثيراً من الآثار والنقوش الإسلامية؛ وعلى مقربة من مدريد تقع ضاحية الأسكوريال، وفيها الدير المسمى بهذا الاسم والقصر الملحق به الذي يضم المكتبة العربية الشهيرة؛ فالآن وهذه المعارك الطاحنة تدور حول مدريد بين جيوش الحكومة وجيوش الثورة، ماذا يكون مصير الأسكوريال ومصير الآثار والكتب العربية؟ هذا سؤال نردده جزعين خصوصاً بعد الذي رأينا من روعة هذه الحرب التي تجتاح في طريقها كل شيء ولا تقف عند أي اعتبار إنساني.

لقد عملت أسبانيا النصرانية في إبان غلوائها وتعصبها على تبديد معظم تراث الإسلام، وكانت يوم مصرع الأندلس، ويوم كانت لا تزال تضطرم بروح العصور الوسطى، تعتبر هذا التراث رجساً يجب أن يمحى من أرضها ومن تاريخها القومي؛ فلم تمض أعوام قلائل على سقوط غرناطة حتى أمر الكردينال كمنيس بالكتب العربية فجمعت من سائر الأنحاء وأحرقت أكداساً في أكبر ميادين غرناطة، وكان منها ألوف مؤلفة من كتب الدين والفقه والتاريخ والأدب وغيرها، ولم يستثن منها سوى ثلاثمائة من كتب الطب والرياضة وهبت لجامعة الكالا (القلعة) التي أنشأها كمنيس، وأبيد بتلك الجريمة البربرية التي ارتكبت عام 1499 معظم تراث الأندلس الفكري.

ومع ذلك فقد بقيت من الكتب العربية في أسبانيا مجموعة كبيرة أودعت في أقبية الأسكوريال، وأخفيت بعناية عن نظر كل باحث ومتطلع؛ وكان عددها حتى أواسط القرن السابع عشر يبلغ نحو عشرة آلاف مجلد؛ ولكن محنة جديدة أصابت هذه البقية الباقية من تراث الأندلس، ففي سنة 1671 شبت النار في الأسكوريال والتهمت معظم هذا الكنز الفريد، ولم ينقذ منه سوى ألفين، هي التي عهدت الحكومة الأسبانية في منتصف القرن الثامن عشر إلى العلامة اللبناني ميشيل الغزيري ببحثها وتصنيفها في فهرسة الجامع، وهي التي بقيت إلى يومنا من تراث الأندلس.

هذا عن تراث الأندلس الفكري. أما عن الآثار المادية، فقد حولت جميع المساجد الجامعة إلى كنائس، وتناولتها يد التدمير بالهدم والتحوير، وضحيت جميع الذخائر والاعتبارات الفنية في سبيل تحقيق الشهوات الدينية؛ ولم يأت القرن الثامن عشر حتى كادت آثار الإسلام كلها أن تمحى من أسبانيا؛ ولم يبق منها سوى حمراء غرناطة ومسجد قرطبة والقصر في أشبيلية ومجموعة من اللوحات والتحف والنقوش الأثرية في متاحف مدريد وقرطبة وبنبلونة وأشبيلية وغيرها.

هذه البقية الباقية من تراث الإسلام في أسبانيا يحدق الآن بها خطر داهم، ويخشى بحق أن تمتد إليها يد التدمير التي تحطم الآن كل شيء في طريقها؛ فهل تبقى الأمم الإسلامية على صمتها وجمودها حتى تقع الفاجعة ويمحى ذلك التراث العزيز تحت وابل النار والقنابل، أم يجدر بالأمم الإسلامية أن تحذو حذو مندوب بوليفيا لدى عصبة الأمم فترفع صوتها مطالبة بالعمل لإنقاذه وحمايته؟ نعتقد أن الأمم الإسلامية المختلفة تستطيع أن تبذل على يد حكوماتها من المساعي في هذا السبيل ما يكفل لفت نظر الفريقين المتحاربين في أسبانيا إلى احترام هذا التراث المقدس الذي لا يعني أمره أسبانيا وحدها، بل يعني أمره العالم العربي والإسلامي أيضاً، ويعني أمره العالم المتمدن بأسره.

ولسنا نعرف أي سبيل ستتخذ عصبة الأمم إذا استجابت لدعوة مندوب بوليفيا، وهي بلا شك سوف تحلها مكانها من الأهمية والعناية؛ وليست الوسيلة مما يهم في الواقع، وكل ما يهم هو أن يصل هذا النداء إلى حماية الآثار والذخائر الفنية إلى الفريقين المتحاربين في أسبانيا؛ وإذ لم يكن في وسع الأمم والحكومات ذات الشأن أن تساهم في هذه الدعوة بطريق مباشر، وأن تتصل في ذلك بطريق الثوار، وهم يسيطرون على أشبيلية وقرطبة وغرناطة، فلا بأس من أن تساهم فيها على يد عصبة الأمم ذاتها.

ونحن نعرف أن حوادث الحرب الأسبانية، ووسائلها المخربة، ومناظرها المؤسية، كانت مثار الروع والأسى في جميع الأمم المتمدنة، ونعرف أن حكومات بعض الدول العظمى قد فكرت في أن تقوم بالسعي في سبيل تخفيف ويلات هذه الحرب الأهلية الطاحنة، وحمل الفريقين المتحاربين على اتباع القواعد الإنسانية، وربما بذلت بعض النصح في هذا السبيل؛ ولا ريب أن تحطم الآثار والذخائر الفنية لا يقل شناعة عن سفك الدماء ذاته، ومن أقدس واجبات الجيوش المتمدنة أن تحرص على قدسية هذا التراث الفني وصونه من كل اعتداء.

هذا ويجدر بالهيئات العلمية والثقافية في الأمم العربية والإسلامية أن تتخذ الخطوة الأولى في هذا السبيل، فتبث إلى حكوماتها المختلفة ما يساورها على مصير الآثار الأندلسية من جزع، وترجوها أن ترفع صوتها الرسمي بالدعوة إلى حمايته، وأن تبذل في ذلك السبيل ما استطاعت من السعي الودي؛ وفي وسع هذه الهيئات العلمية والثقافية أيضاً أن تذيع دعوتها في الصحافة الدولية، فللصحافة الدولية صوت مسموع، وفي وسعها أن تقوم بدور في هذا الشأن، وهي ما زالت تنوه بشناعة الإجراءات والوسائل المخربة التي ترتكب خلال الحرب الأسبانية؛ وقد لفتت نظرها فظائع موقعة القصر الأخيرة، وما أصاب القصر من حرق وتخريب، فأخذت تنوه بهذه الخسارة الأثرية وبالخطر الداهم الذي يهدد تراث أسبانيا الأثري والفني من جراء هذه الحوادث؛ وعلى أثر ذلك ارتفع صوت مندوب بوليفيا في أرجاء عصبة الأمم بمثل هذا النذير.

وهانحن أولاء نردد هذا النذير بدورنا؛ ونحن على يقين من أنه سيحدث صداه وأثره في جميع الهيئات العلمية والثقافية في الأمم العربية والإسلامية؛ وإذا كانت بوليفيا، تلك الجمهورية النائية في أعماق أمريكا الجنوبية قد حفزتها البواعث التاريخية والإنسانية على أن توحي لمندوبها أن يلقي نداءه أمام عصبة الأمم، فأولى وأجدر بالأمم الإسلامية أن تلبي داعي الواجب والمساهمة في هذا المسعى الكريم الذي يبذل صوناً لتراث الإسلام في أسبانيا.

محمد عبد الله عنان