مجلة الرسالة/العدد 172/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 172/الكتب

مجلة الرسالة - العدد 172
الكتب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 10 - 1936


تاريخ الفلسفة اليونانية

تأليف الأستاذ يوسف كرم

المدرس بكلية الآداب

بقلم الدكتور إبراهيم بيومي مدكور

منذ عام تقريباً ندبنا على صفحات (الرسالة) حظ الفلسفة في بلدنا؛ وأخذنا على العامة ازدراءهم لها وإعراضهم عنها وجهلهم بها، وساءنا من الخاصة أنهم لا يأخذون بيدها ولا يقومون على نشرها ولا يحببون الناس فيها، وربما كان قسط الخاصة من شكوانا أعظم من غيرهم؛ فإنهم إن قاموا بواجبهم وكتبوا لنا فلسفة بلغة العصر وروح العصر اجتذبوا القراء إليهم ورغبوهم في أبحاثهم. وكم شكا عشاق الفلسفة - وحق لهم أن يشكوا - من أنهم لا يجدون منها في العربية الغذاء الكافي لأرواحهم وعقولهم، وكأنى بهذه الشكوى جاءت إرهاصاً لما بعدها وإعلاناً عن نقص اتفقت عليه الآراء، ولا أدل على هذا من أن لجنة التأليف والترجمة والنشر، وهي أعرف ما يكون بحوائج البلد العلمية ووسائل مدها، قد وجهت عناية خاصة في هذا العام إلى الدراسات الفلسفية وأخرجت لنا خمسة كتب في نواحيها المختلفة.

ومن بين هذه الكتب تاريخ الفلسفة اليونانية الذي وضعه زميلنا الأستاذ كرم بعد خبرة طويلة وتجارب عديدة، فقد وكل إليه تدريس الفلسفة بكلية الآداب بالجامعة المصرية منذ عشر سنوات أو يزيد استطاع فيها أن يعرف فلاسفة الإغريق عن قرب وأن ينفذ إلى صميم أفكارهم. ويقع مؤلَّفه في ثلاثمائة وخمسين صفحة تقريباً من القطع الكبير درست فيها المدارس الفلسفية اليونانية منذ عهد الشعراء إلى أواخر أيام مدرسة الإسكندرية؛ وذيلت ببيان عن المراجع الهامة وقاموس مفيد في الأعلام والألفاظ الفلسفية. وينقسم هذا الكتاب إلى خمسة أقسام: مقدمة وأربعة أبواب. ففي المقدمة يعرض المؤلِّف للفكر اليوناني قبل الفلسفة ويتحدث عن عصر الشعراء والحكماء السبعة، وفي الباب الأول يدرس الطبيعيين الأول والمتأخرين والفيثاغوريين، والأيلبين، والسفسطائيين، وسقراط الذي يفصل بين مرحلتين متحيزتين من مراحل تاريخ الفلسفة؛ ويقف الباب الثاني على أفلاطون، والثالث على أرسطو. أما الباب الرابع والأخير فيتكلم فيه عن صغار السقراطيين والأبيقوريين وأصحاب الرواق والشكاك ورجال مدرسة الإسكندرية. وإنا لنلحظ في هذا التقسيم أنه عني عناية خاصة وجديرة بالتقدير بالشخصيتين العظيمتين في تاريخ الفلسفة اليونانية وهما أفلاطون وأرسطو؛ فقد درس كل واحد منهم في باب مستقل، وليس هذان البابان من الأبواب الصغيرة، فحديثه عن أفلاطون يقع في ست وستين صفحة، وترجمته لأرسطو تشغل ما يزيد على ثلث الكتاب جميعه (134ص).

وفي الواقع لقد وزن المؤلف المدارس الفلسفية الإغريقية بميزان صحيح وقسم بحثه بينها قسمة عادلة ومتناسبة دون أن يفوته منها شيء هام، اللهم إلا أصحاب مذهب الاختبار الذين أهملهم رأساً وبعض شراح أرسطو في الدور الأخير وفي مدرسة الإسكندرية بوجه خاص مثال الإسكندر الأفروديسي، وسميلسيوس، وثامسبتوس، الذين لم يشر إليهم إشارة كافية. وبالرغم من تشعب هذه المدارس وتعددها فقد عرضها في صورة مرتبة مهذبة، وقسم أبحاثه إلى أبواب وفصول وفقرات هي غاية في الدقة والوضوح. وليس بغريب أن يعنى مدرس بوسائل العرض والإيضاح! فهذه سنته كل يوم في دروسه ومحاضراته. وهي سنة صالحة من غير شك ومعينة على تذليل بعض الصعاب التي يلاقيها القارئ في أبحاث دقيقة كهذه. وقد ضم المؤلف إلى هذا حسنة أخرى، فختم كثيراً من مباحثه بنظرة عامة وربط تاريخي شائق.

ليس صعباً على من يدرس الفلسفة اليونانية أن يجد المصادر التي يستقي منها، فهي كثيرة ومتنوعة؛ إنما الصعب أن يختار من بين هذه المصادر أصلحها. وقد وفق المؤلف في هذه كما وفق في غيرها؛ فقد اعتمد فيما وراء أفلاطون وأرسطو على أوثق مصادر الفلسفة اليونانية. وكنا نفضل أن يحيل على هذه المصادر في صلب الموضوع بدل أن يكتفي بسردها في الفهرست. وفيما يتعلق بأفلاطون وأرسطو سلك سبيلاً يحمد عليها؛ فقد درسهما دراسة مباشرة وقدم لنا صورة ناصعة عن مؤلفاتهما وحكم عليهما بناء على ما قالا لا اعتماداً على ما قال الناس عنهما. وهذه الطريقة علمية قطعاً ومعينة على تفهم الفيلسوفين على ضوء ما كتبنا. غير أنها مدعاة التكرار والاستطراد أحياناً، كما قد تسوق إلى سرد تفاصيل جزئية قليلة الفائدة وفي حذفها ما يفسح المجال للمشاكل الهامة. ذلك لأن الملخِّص قد يؤخذ أحياناً بما هو أمامه وينسى بحثه الرئيسي. وعلى كل فلئن فات المؤلف إبراز بعض المشاكل الأفلاطونية والأرسطية في ثوبها الكامل لقد نجح نجاحاً كبيراً في إعطاء فكرة صحيحة عن مؤلفات أفلاطون وأرسطو وتلخيصها على وجه حسن. وكنا نود أن تستخدم المصادر العربية في بحث كهذا؛ وفي استخدامها ما يسمح بتحقيقات ومقارنات علمية وتاريخية جديدة فاتت مؤلفي الغرب ومؤرخيه، وقد تنبه زميلنا إلى هذه النقطة في بعض الفصول، إلا أنه لم يلتزمها في كل بحثه.

الأستاذ كرم هادئ في كل شيء؛ هادئ في أسلوبه، فلا يحفل بالتراكيب الضخمة والعبارات الطنانة، وما أحوج اللغة العلمية إلى هذا الهدوء. فهو يكتب كتابة موضوعية كل همه فيها أداء المعاني العلمية في عبارة مقبولة. بدأ كلامه وختمه بالتحدث عن الفلسفة وتاريخها دون أن ترى في أسلوبه حشواً أو فضولاً. إلا أنه قد يصل به حبه للإيضاح أحياناً إلى استعمال بعض الألفاظ والتراكيب الدارجة بالرغم من ابتذالها أو ضعفها. ومع هذا ينبغي أن نشير إلى المجهود الصادق الذي بذله في اختيار الألفاظ العربية الملائمة لأداء الأفكار الأجنبية. وقد كلَّلَ هذا المجهود بذلك القاموس اللغوي الاصطلاحي الذي ختم به كتابه. وفي اختصار لقد استطاع أن يقدم لنا تاريخ الفلسفة اليونانية في قالب علمي لا بأس به. وهذه ناحية يجب أن يتنبه لها الباحثون إن كنا نريد لأنفسنا لغة علمية محترمة. وهاكم قطعة من قلم المؤلف يلخص فيها الفلسفة الأفلاطونية ويبين أصولها ومميزاتها يقول: (أما أسلوبه (يعني أفلاطون ولو قال أما مذهبه أو طريقته لكان أولى) في الفلسفة فهو التوفيق والتنسيق: لم ير في تعارض المذاهب سبباً للشك مثل السوفسطائيين، وإنما وجد أنها حقائق جزئية، وأن الحقيقة الكاملة تقوم بالجمع بينها وتنسيقها في كلٍّ مؤتلف الأجزاء. وطريقة التوفيق حصرُ كل وجهة في دائرة، وإخضاع المحسوس للمعقول، والحادث للضروري، فنحن نجد عنده تغير هرقليطس، ووجود بارمنيدس، ورياضيات الفيثاغوريين وعقيدتهم في النفس، وجواهر ديموقريطس، وعناصر أنبادوقليس، وعقل أنكساغورس فضلاً عن مذهب سقراط، وسندل على هذه الظاهرة كلما صادفناها، وثمة ظاهرة أخرى هي محاولته تحويل العقائد الأرفية آراء فلسفية، أي وضعها في صيغة عقلية ودعمها بالدليل. فهو لم يزدر شيئاً من تراث الماضي، وأراد أن ينتفع بكل شيء، ثم طبع هذا التراث بطابعه الخاص، وزاد فيه فتوسع وتعمق إلى حد لم يُسبَق إليه).

والأستاذ كرم هادئ كذلك في مناقشاته وأحكامه، فهو يناقش النظريات الفلسفية في هدوء وسكون، ويحكم على مختلف الآراء أحكاماً بعيدة في جملتها عن الشطط والمغالاة. بيد أن هدوءه هذا قد يؤخذ عليه، وكم كنا نوده عنيفاً نوعاً في بعض المواقف. فأن هدوءه دفعه إلى تبسيط المسائل إلى درجة ربما ضاع معها لبها، ولم يمكنِّه من استيفاء بعض المشاكل التاريخية. فلم يثر مثلاً أسئلة كهذه: هل سقراط أو ميتافزيقي؟ وكيف تفسر الرموز في أسلوب أفلاطون؟ وعلام يحمل التذكر عنده؟ ولم يفصِّل القول في مشكلة الإله عند أفلاطون ونظرية العقل عند أرسطو تفصيلاً مقنعاً ومرضياً، وكأنه تناسى ما كتبه الباحثون السابقون هذه في المسائل واكتفى بعرضها كما يرى هو دون أن يبين آراء الآخرين. وقد حال هدوء المؤلف أيضاً دونه والاسترسال في النقد بعض الشيء. نحن لا ننكر أنه نقد طائفة من الآراء والنظريات التي عرضها في حكمة ودقة؛ ولكنا كنا نتمنى أن يعنى بالنقد أكثر من هذا وخاصة في دراسة الفلسفة الأرسطية، ويظهر أن الخلاف بيننا وبينه ي هذه النقطة راجع إلى المبدأ ووجهة النظر؛ فإنه فيما يبدو لنا، يرى في أرسطو الكمال والتبرؤ من كل نقص وخطأ، وهذا رأي قد لا يقره عليه كثيرون الآن.

وكيفما كانت الاعتراضات التي يصح أن توجه إلى تاريخ الفلسفة اليونانية فأنه يحوي أكبر وأنفس مصدر عربي عرف حتى اليوم في هذه الناحية، ولم يدع مؤلِّفه أنه جاءنا بنظرية جديدة أو طريقة مبتكرة في دراسة تاريخ الفلسفة؛ وكل ما صنع أنه قرأ ودرس ومثَّل في تأن وتؤدة، ثم استخلص من قراءته ودراسته تلك الثمرة الطيبة. وهو لم يمنِّنا مطلقاً بأمان ولم يعدنا بوعود حتى نحاسبه على إنجازها؛ بل ترك تاريخ الفلسفة يتحدث عن نفسه، ولم يزل هذا التاريخ في حديثه حتى انتهى إلى مرحلة نرجو أن تكون أخيرة لا آخرة. ويقيننا أن من بدأ تاريخ الفلسفة على هذا النحو وبهذا التوفيق لابد واصل إلى نهايته.

إبراهيم مدكور