مجلة الرسالة/العدد 172/في الخطابة

مجلة الرسالة/العدد 172/في الخطابة

مجلة الرسالة - العدد 172
في الخطابة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 10 - 1936


للأستاذ عبد المجيد نافع

كانت الخطابة ولا تزال من أقوى وسائل الإقناع، وهي أفعل في النفوس من الكتابة؛ وشتان بين الكلام الحي والكلمات الجامدة؛ وإذا كان الكاتب يعرض عقله ومنطقه فأن الخطيب يبلغ موضع الإقناع من نفوس السامعين بروحه، ويطبعهم بطابع شخصيته. ولا شك أن لروح الإجتامع أثرها في النفوس، فقد فرغ علماء النفس من تقرير أن الفرد في الجماعة أشد قابلية للتأثر، وأعظم اندفاعاً في طريق الحماسة، ولذلك ترى بعض الناس إذ خلوا إلى أنفسهم، وتخلصوا من حماسة الجماعة فقرءوا في هدوء الخطب التي سبق لهم سماعها عجبوا كيف كان لهذا الكلام العادي المبتذل كل هذا الأثر البليغ في نفوسهم. ولا تنس أن للبيئة والظروف المحيطة والذكريات المثارة أثرها الفعال في النفوس. وليس من يماري في أن المرحوم سعد باشا كان في طليعة الخطباء؛ شخصية بارزة، وذهنية خصبة، وعقلية جبارة، وبديهة حاضرة، ولفظ مختار، وقدرة على الارتجال لا تجارى ولا تبارى، ولكن لا تعتقد أن هذه المواهب مجتمعة كانت هي وحدها العناصر المؤلفة لشخصية (سعد الخطيب). وإنما كان سعد إذا نهض يخطب نهضت معه الذكريات، وتراءت حوله المثل الوطنية العليا. كان سعد إذا خطب ثارت أمام الخواطر ذكريات مالطة، وسيشيل، وجبل طارق؛ والحرية المسلوبة، والاستقلال المغصوب، والضحايا والشهداء الذين بذلوا أرواحهم وأراقوا دماءهم في سبيل الحرية والاستقلال. والخطب الخالدة في التاريخ التي ألقاها عظماء الرجال تستمد قوتها وخلودها من عظمة شخصياتهم ورهبة المواقف التي كانوا يقفونها، أكثر مما تستمد هذه القوة وذلك الخلود من قيمتها الذاتية. ولو أنك عرضتها على محك النقد الصادق، وحللتها في ضوء المنطق والمعقول، لوجدت أنها لا تكاد تجاوز دائرة غيرها من الخطب المألوفة. وإنما أثار طارق بن زياد الحمية في نفوس جنوده حين أهاب بهم: (العدو أمامكم والبحر وراءكم. . .) لا بجمال الصورة وروعة التمثيل وحدها، وإنما أثارها بشخصيته العظيمة، والموقف التاريخي الذي كان يقفه. وإذ هتف نابليون في جنود حملة إيطاليا غداة المعركة التي اشتبك فيها مع جنود النمسا فسحقهم في سهول لومبارديا: (إن الحكومة مدينة لكم بالشيء الكثير، ولكنها لا تستطيع أن توفيكم حقوقكم، واليوم ترون أمامك الثراء والمجد). نقول إن روح نابليون وموقف الجند هما اللذان أضرما في نفوسهم جذوة الحماسة أكثر مما أججتها كلمات نابليون. والزعيم الشاب مصطفى كامل حين أرسل الصيحة الخالدة: (بلادي! بلادي! لك حبي وفؤادي) تغلغلت في نفوس المصريين، لأنها خرجت من أعماق نفس وطنية مخلصة، ونفذت إلى أعماق قلوب تؤمن بالحرية وتدين بالاستقلال. وإن نظريتنا لتصبح بمأمن من كل معارضة، وبنجوة من أي نقد، إذا ذكرت أن الخطيب العظيم يُسمع ولا يقرأ، وأن الخطب الخالدة في التاريخ لا تكاد ترتفع فوق المستوى العادي.

كان للخطابة في الماضي شأن أي شأن، فقد ثلت عروشاً ودكت دعائم ممالك، وأقامت عروشاً وممالك مكانها، ونصرت أقواماً وخذلت آخرين، وقبرت دعوات وبعثت أخرى، ودفنت مبادئ وأحيت غيرها. وإنما تبلغ الخطابة شأوها وتصل إلى أوج مجدها إبان الثورات والفورات والهبات والانقلابات والفتن السياسية والاجتماعية وأطوار التحول والانتقال. ذلك بأن غليان النفوس وثورة الأفكار يجعل الناس كالهشيم اليابس الذي تكفي شرارة واحدة لإضرام النار فيه، وإذا كان هذا هو شأن الخطابة في الماضي فلا شك أن شأنها قد ارتفع، وأثرها قد تضاعف في عصر الديمقراطية الحديث.

وفي الواقع أن الخطابة أقوى أداة من أدوات النضال السياسي والتطاحن الحزبي، وكل حزب بحاجة إلى بث دعوته وترويج سياسته، والهتاف بمبادئه، وكسب الأنصال واجتذاب الأشياع. وهو يتوجه إلى جمهور متباين العقليات مختلف المشارب والمشاعر، جم المنازع والأهواء، فلا مندوحة للخطيب عن قوة الشخصية وسحر البلاغة، والإلمام بنفسية الجماعات لبلوغ مكان الإقناع من نفوسهم. ولابد للدعوة، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أن تبلغ الكوخ والقصر، وتصل إلى أدنى الطبقات وأسماها. والديمقراطية الحديثة أتاحت لكل رجل مهما كانت الطبقة التي نبت فيها، والبيئة التي نشأ بين أحضانها أن يصل بمواهبه وكفايته وملكاته وجهوده إلى أسمى مناصب الدولة، وهو إنما يتخذ من أكتاف الجماهير سلماً يصعد عليه إلى قمة السلطة وذروة المجد. أرأيت إلى لويد جورج وهتلر ومصطفى كمال وموسوليني كيف بلغوا مكان الزعامة من أقوامهم، ومركز السلطان من شعوبهم؟ ليس من ينكر أن الخطابة كانت أحد العناصر البارزة في تكوين نجاحهم. ولقد بات الكلام في الجماهير فناً يحرص الزعماء والقادة على إتقانه وتجويده، وأضحى التعبير عن إجادة الكلام يدل دلالة صريحة على مبلغ القوة والسحر الكامنة في ثنايا الكلام الخلاب، أولا تذكر قول الرسول عليه صلوات لله وسلامه: (إن من البيان لسحراً)؟ ثم ألا يسترعي نظرك تحولهم هذا من ملوك الكلام وذاك من أمراء البيان؟ ولو أنك رحت تفتش في تاريخ معظم القابضين على زمام الشعوب والآخذين بأعنة السلطة القائمين على مصاير الأمم لوجدتهم من الخطباء المصاقع والمداره المقاويل. فالوزراء في إنجلترا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها من دول الغرب جلهم إن لم يكن كلهم من الخطباء المفوهين.

بل لقد أصبحت الخطابة هي الوسيلة لتي تسمو بصاحبها إلى أسمى مناصب الدولة، وتبوئه مكان الزعامة من أمته، حتى ضاق خصوم الخطباء بنفوذهم صدراً وتبرموا بتضخم سلطانهم، فتراهم ينعون على الديمقراطية الحديثة طغيان حكومات المحامين عليهم.

طغت موجة الخطابة على الأمم في العصر الحاضر حتى لترى بعضهم بنسب مصدر المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحاضرة إلى نقص في كفاية المتولين لزعامة الأمم الذين لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بتزويق الكلام، وتنميق العبارات. ولا يرى هذا البعض دواء لداء المدنية الغربية إلا بالعدول عن الاسترسال بالثقة إلى تجار الكلام، وتفويض الأمور العامة إلى الفنيين من ذوي الكفايات.

والمعارك الانتخابية هي الميدان الفسيح لتجلي المواهب الكلامية، والملكات الخطابية. ولا بد من تعمق في درس نفسية الجماعات وتفهم ميول الجماهير لكفالة النجاح في ميدان النضال الانتخابي. ولذلك ترى بعض الخطباء لا يتورعون عن بذل الوعود والإسراف في العهود. بل إنك لترى بعض زعماء الأحزاب وقادة الهيئات لا تتراجع ضمائهم أمام تصوير الخيالات حقائق والمستحيل ممكناً مستطاعاً. والنظام البرلماني الحديث يتطلب نجاح أكبر عدد ممكن من مرشحي الحزب الذي يخوض غمار المعركة الانتخابية لإنجاح فرد أو أفراد. فقد تعددت الأحزاب والهيئات في أمم الأرض جميعاً. وإذا كانت تختلف في البرامج والميول الشخصية، فنجاح حزب من الأحزاب بالأغلبية في الانتخابات له أهميته وخطره. فإذا كانت التقاليد البرلمانية تقضي بأن الأغلبية هي التي تتسلم مقاليد السلطة، وتتولى زمام الحكم، وتوجه السياسة العامة، فنجاح هذا الحزب أو ذاك في الانتخابات له أهميته لأنه يدل على طريقة الحكم، وأسلوب دارة شؤون الأمة، والطابع الذي تطبع به سياسة الدولة. وليس يستوي أن يكون على رأس الأحكام في إنجلترا حزب المحافظين، أو حزب الأحرار، أو حزب العمال، فلكل حزب أسلوبه في الحكم ومبدؤه في السياسة العامة. كذلك ليس من الظواهر التي لا تسترعي النظر أن يكون على رأس الحكومة الفرنسية المسيو ليون بلوم أو المسيو بيير لافال.

ودور النيابة هي ميدان يتبارى فيه الخطباء السياسيون كل يحاول كسب الأصوات وجذب الأنصار إلى جانبه، وإذ كان أحد البارزين في مجلس العموم البريطاني قد قال: (إن الخطب البرلمانية تغير رأيي ولكنها لا تغير صوتي)، فلا يمنع أن للخطابة شأناً أي شأن في مجلس النواب، أو لم يكن كليمنصو يسقط وزارة بخطبة حتى لقبه مواطنوه الفرنسيون بالنمر وأسموه (هدام الوزارات)؟ أوليس ينقذ سفينة الوزارة من الغرق خطبة من تلكم الخطب الخالدة الموفقة؟ أرأيت كيف أن بريان يوم ضيق عليه خصومه الخناق واستجوبوه في مجلس النواب عن تصرفه إزاء العمال المضربين حين أنذرهم بالتجنيد إن لم يكفوا عن الإضراب، نقول أرأيت كيف أن بريان انتزع تصفيق المجلس وحصل على قرار الثقة بوزارته حين لوح بيده صائحاً من أعماق نفسه: (هذه يدي فانظروا إن كانت تلطخها قطرة من الدماء!) وهل من يجادل في أن القادة في المجالس النيابية يتجاذبون الأغلبية، ويبذلون الجهود الجبارة لانحياز الأنصار إلى صفوفهم؟ بل إن غزو السلطة والتنازع على الحكم وشهوة السلطان، لتهدد في بعض الأمم بالتقلقل الوزاري، والخطابة بلا ريب، سلاح من أسلحة النضال.

ولا تستطيع المعارضة أن تؤدي واجبها في النقد البريء النزيه حيال الأغلبية القابضة على زمام السلطة إلا بالكلام. بل لا يستطيع أي مجلس نيابي أن يقوم بواجبه المقدس في الإشراف والهيمنة على السلطة التنفيذية بغير الخطب الداوية. صحيح أن خطباء المجالس لا ينبغي لهم أن يحرصوا في خطبهم البرلمانية على إرضاء الجماهير وتملق شعور الجماعات، وإنما لابد لهم من الكلام المستمد من الشعور ومن الدرس العميق ومن مصلحة البلد ليؤدوا أمانة النيابة عن الأمة. لقد كان خصوم لامرتين يتهمونه ظلماً بأنه (يتكلم من النافذة): أي يرمي بخطبه البرلمانية إلى إسماع صوته للجماهير خارج المجلس. ولكن الرجل كان بريئاً مما افتروا عليه، وإنما كان حراً في عقيدته، مستقلاً في رأيه، غير فان في شخصيته أحد، ولا واقع تحت سلطان حزب من الأحزاب؛ ولذلك كنت تراه تارة يؤيد بيتر، وطوراً يؤيد جيزو على بعد الشقة بين السياستين، ولم يكن يأخذ عليه المنصفون شيئاً لأن الرجل جعل قبلته الحق ومصلحة الوطن.

وإذا كانت الخطابة سلاح المعارضة في الهجوم، فهي كذلك سلاح الأغلبية في الدفاع؛ وليس أمتع من قراءة الخطب التي يلقيها مصاقع الخطباء البرلمانيين في الغرب كرّاً وفرّا وهجوماً ودفاعاً، ناهيك بسماعها! وهل أروع وأبدع من قراءة خطب بت وفوكس ودزرائيلي وجلادستون ولويد جورج وبريان وفيفياني وجوريس؟ كان عام 1906 أول عهد كليمنصو بالدخول في الوزارة؛ ولطالما مزق النمر الفرنسي وهو في المعارضة خصومه تمزيقاً؛ وأصبح وزيراً للداخلية وأمست سياسته حيال العمال المضربين هدفاً يصوب إليه الحملات جماعة الاشتراكيين، وعلى رأسهم جوريس، وجوريس مدره مفوه؛ بل لقد ذهب بعض المؤرخين إلى اعتباره أعظم خطيب في القرن التاسع عشر في أوربا بأسرها. ووقف كليمنصو في وجه العاصفة الاشتراكية لا يجد الروع سبيلاً إلى قلبه. ثم صاح صيحته: (لقد لمست في الحال أن الحملة تنطوي على الرغبة في ذبحي على مذبح الاشتراكية، لكن وا أسفاه! فأني لست من تلك الضحايا المستسلمة، المستعدة لتقديم أعناقها البريئة طائعة إلى سكين القصاب. إني لأقاوم وأقاتل. إني لأصيح وأتمرد، وما حفزني إلى اعتلاء المنبر إلا الرغبة في إرسال صيحة الاحتجاج).

والمؤتمرات السياسية وغيرها هي الأخرى مجال فسيح لظهور المواهب الخطابية.

على أني أحب ألا يفهم أن قولي ينصب على الخطابة السياسية، والخطابة السياسية وحدها، ففي دور القضاء تتجلى الخطابة القضائية؛ وترى بين المحامين وأصحاب الدعوى العمومية والجالسين في كراسي الاتهام الخطباء المصاقع وأمراء الكلام، لكن لا ينبغي أن ننسى أن لون البلاغة السياسية يفترق عن لون البلاغة القضائية وإن كانا يتفقان في الغاية وهي الوصول إلى مكان الإقناع من النفوس. ومن الطبيعي أن تختلف هذه عن تلك، فالجمهور غير الجمهور والبيئة ليست هذه البيئة. وفارق بعيد بين أن تخاطب قضاة مرنوا على سماع مختلف الكلام حتى لا يخدعوا بالمزوق المنمق منه وبين جمهور محدود المواهب والملكات. وشتان بين موقف محام درس ملف قضيته وتأهب للرد على كافة حجج الخصوم، واستعد تمام الاستعداد لدفع اعتراضاتهم، وبين خطيب برلماني أمامه خصوم ومنافسون، وتنهال عليه الاعتراضات والمقاطعات من كل جانب. ومهما يكن من شيء فالبلاغة هي البلاغة، وسحر البيان هو سحر البيان، ولابد من التدرع بالبديهة الحاضرة والتذرع بالدرس العميق وعدم الاعتماد على شقشقة الكلام.

ولا نرى مندوحة عن أن ندرج المحاضرات العامة تحت كلمة الخطابة فالمراد هو الكلام في الجماهير.

ولم يخل عصر من العصور من الخطباء المصاقع الذين يملكون أعنة البلاغة. فلقد عرفت جزيرة العرب خطباء مفوهين من أمثال قس بن ساعدة الأيادي، وعلي بن أبي طالب، وزياد بن أبيه، والحجاج الثقفي، وسحبان وائل، وغيرهم وغيرهم. وديموستين اليوناني أبقى على الأيام من الأيام، وشيشرون الروماني أبقى على الزمن الباقي من الزمن. ثم ألا تزال صيحة ميرابو داوية يوم صاح في وجه رسول الملك: (اذهب وقل لمولاك: إننا مجتمعون هنا بإرادة الشعب ولا نخرج إلا بقوة السيوف!). ثم ألا يزال التاريخ يذكر صيحة نابليون وجنوده: (إن أربعين قرناً تشرف عليكم من سماء هذه الأهرام). وأخيراً أو ليست خطبة طارق بن زياد خالدة على وجه الزمان حين جلجل بكلمة الحق وأهاب بجنوده: (العدو أمامكم والبحر وراءكم. . .) فأقسموا أن يقاتلوا حتى تدين لهم بلاد الأندلس أو يموتوا دون الغاية.

والآن نسأل: هل الخطابة ملكة أم اكتساب، وموهبة أم مران؟

ولكنا نرى أن قد امتد بنا نفس الكلام إلى حد نخشى معه الملل فموعدنا معك الأسبوع القادم إن شاء الله.

عبد المجيد نافع المحامي