مجلة الرسالة/العدد 174/في الأدب المقارن

مجلة الرسالة/العدد 174/في الأدب المقارن

ملاحظات: بتاريخ: 02 - 11 - 1936



الخرافة في الأدبين العربي والإنجليزي

للأستاذ فخري أبو السعود

تفشو الخرافة - وهي الاعتقاد بالمستحيل عقلاً - بين الجماعات الأولية، حتى تشمل ديانتهم وعلومهم وفنونهم القليلة، وعرفهم وتقاليدهم، لأن تلك الجماعات في نشأتها كالطفل في صغره، قليلة الإدراك للأسباب والمسببات، سريعة الانقياد للعواطف والأوهام والمخاوف، فلا تلبث أن تنمو بينها شتى الأساطير، تفسر بها قوى الطبيعة ومظاهرها، وتمجد بها أسلافها، وتدعم كيان مجتمعها. هكذا كان لقدماء المصريين خرافاتهم المتعلقة بواديهم ونهرهم، وآلهتهم وفراعنتهم؛ وكانت لليونان والرومان أساطيرهم التي تدور حول أعمال آلهتهم وحروبها، وحبها وغضبها.

وكانت للعرب خرافات شتى، انتزعت من حياتهم البادية، وما توحي إلى النفس من رهبة وبأس، بفلواتها وحزونها، وسباعها وأنوائها، وحيكت حول الآلهة والجن والغيلان، وحول أبطالهم وملوكهم وغابر دولهم، وتناولتها الأجيال المتعاقبة بالزيادة والتهويل، والتغيير والتبديل، في حوادثها ومشاهدها.

وكانت للإنجليز في عهود همجيتهم أساطير متشعبة، مشتقة من حياة أهل الشمال، المضطربة بين ظلمات الأحراج ومتون البحار، حافلة بأخبار هجراتهم وغزواتهم، ممتلئة بأوصاف شياطين البر والبحر، ممجدة لبلاء ملوكهم أمثال الملك آرثر، وألفرد الأكبر، في دفع هجمات المغيرين الذين تعاوروا الجزيرة على كر العصور، من رومان وسكسون ونرمانديين؛ وتمازجت أساطير كل هؤلاء، واختلط مسيحيها بوثنيها، وجنوبيها بشماليها.

والخرافة على ما بها من مجاوزة للمنطق وتهويل وتحريف واستحالة - لا تقل عن حوادث التاريخ صدقاً في وصف أحوال المجتمع الذي هي وليدته، والبيئة التي هي نتاجها؛ فالخرافة العربية التي نمت في البادية، مثلاً، ملأى بذكر الغيلان والسعالي والعنقاء، وبأسماء العدائين الذين يسبقون الظباء، والحديدي النظر الذين يرون القادم والمغير من رأس أميال، كزرقاء اليمامة. والخرافة الإنجليزية التي ترعرعت في الغابة ودرجت على أثباج اليم حافلة بحكايات عرائس الغاب وآلهة البحار، ومناظر الغسق والضباب.

على أن الخرافتين تلتقيان، والمخيلتين تتقابلان في نواح، حتى لتخال إحداهما صدى للأخرى أو محاكاة له، لولا بعد الأمتين في تاريخيهما بعداً يحول دون كل محاكاة أو اقتباس؛ فأخبار تأبط شراً، وسليك بن السلكة وأشباههما من شذاذ العرب وطريدي العرف والمجتمع، مماثلة لحكايات روبن هود وأصحابه الذين كانوا يعيشون على اقتناص الظباء في غابات ملك إنجلترا؛ وقصة مقتل أحد أقيال اليمن على يد أخيه الطامع في عرشه، التي وردت في كتب الأدب العربي وروى فيها شعر لشاعر يدعى ذا رُعَين، منه قوله:

فأما حِمْيَرٌ غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين

واستشارة الخائن للعرّافين قبل اقتراف جريمته، والخدعة الحربية التي لجأ إليها جيش ابن الملك القتيل من استتار كل مقاتل بشجرة اقتلعها في طريقه وحملها أمامه، حتى بدا الجيش كأنه غابة تسير؛ كل ذلك مشابه للحوادث التي اتخذها شكسبير موضوعاً لروايته ماكبث، والتي تدور حول مصرع بعض ملوك اسكتلندا، وهي بلاد تشبه بوعورتها واستقلالها وبأسها وتأثيرها في عقول أهل إنجلترا، حالة اليمن في جزيرة العرب؛ وقد عبثت الخرافة بكلتا القصتين ونمقتهما بمظاهر السحر والتنبؤ بالغيب.

حتى إذا ما ارتقت الجماعة البشرية، وأخذت بأسباب العلم الصحيح، وعرفت الفلسفة المنطقي، واعتنقت ديناً راقياً، فترت حماستها لخرافاتها القديمة، وقل تصديقها لها، وسخر منها العلماء والفلاسفة الأتقياء، وهبطت إلى طبقة العامة، فوجدت فيهم وحدهم أمناءها الأوفياء، يتوارثونها كما توارثها آباؤهم من قبل، وتروي من نفوسهم ما لا تروي العلوم الجافة، فهم يؤثرونها على تلك العلوم، ويمزجون رواياتها بحقائق العلم تارة، ويخلطون عقائدها بعقائد دينهم الجديد الراقي تارة أخرى.

على أن أكثر الأمم، كاليونان والرومان وأمم أوربا الحديثة، حين بلغت طور نضجها العلمي والديني، لم تنبذ خرافات طفولتها ظهرياً، وإن بطل تصديقها برواياتها، وذهب إيمانها بخوارقها ومعجزاتها، ولكنها اتخذتها غذاء دسماً للعلم والفن؛ فجعلها العلم موضع فحصه وبحثه وتنقيبه، وأقامها مقام الشك حتى تثبت البينة على ما فيها من بذور الصدق؛ واستمد منها النحت والتصوير والشعر والنثر مادة لا تفنى للتفنن في الوصف والتأمل والتجوال في مشاهد الحياة ومرامي التاريخ ومنازع النفس الإنسانية.

ذاك أن أكثر تلك الخرافات - على ما بها من وهم ومغالات - تحوي ما لا يحصر من صفات الجمال ومظاهر الروعة، ودلائل العظمة، وأحاديث البطولة والمخاطرة التي يغرم بها الطبع الإنساني، وصور الفضائل والرذائل، التي يرتاح الإنسان إلى رؤيتها مصورة معروضة، كما أن تلك الخرافات، بما تقص من وقائع بعيدة العهد وتعرض من مشاهد نازحة المزار، تروي في النفس حب البعيد والشغف بالماضي القديم والولوع بالمثل الأعلى، وهي النزعة التي تعرف في الإنجليزية بالرومانس؛ زد على ذلك أن استعارة مشاهد تلك الخرافات ووقائعها وأسماءها في الوصف، يكسب التشبيه قوة ووضوحاً. فما أجود قول امرئ القيس، وليت الشعراء أكثروا الضرب على وتيرته:

أيقتلني والمشرفيُّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟

لذلك حفل الأدب الإنجليزي بالخرافات الإنجليزية، وما تحني من جسائم الأعمال وبدائع الصور، كحروب الملك أرثر ومغامرات فرسان المائدة المستديرة، تلك التي كانت وحياً لسبنسر وتنيسون في أجود قصيدهما. ولم يكتف الأدباء بخرافاتهم الوطنية، فاصطنعوا خرافات اليونان والرومان، وتحدثوا طويلاً عن آلهتهم واقتبسوا كثيراً من الإلياذة والأوديسة؛ وزاد غيرهم فاستعاروا خرافات كل من عرفوا أو سمعوا عنهم من أمم الغرب والشرق: فاتخذ ملتون لقصيدته الكبيرة سمسون الجبار موضوعاً عبرانياً، وتحدث تنيسون عن هارون الرشيد، وطار كولردج على جناح الخيال إلى قصر قبلاي خان عاهل الصين. أما شكسبير فاستعار مواضيع رواياته من كل ما أصاب من تراث الأمم لا فرق بين تاريخّيها وخرافيّها، ورصعها بما كان لا يزال يساور أهل جيله من اعتقاد في عجائب السحر والمعجزات.

ومن الأدباء من لم يكفه كل هذا المدد الزاخر من غرائب الأساطير وأفانين خيال الأقدمين، فأطلق لخياله هو نفسه العنان، وابتكر مواضيع لقصائده من صنعة الوهم، وحلاها بروائع الصور وممتع الخطرات، كما فعل كولردج في خريدته الملاح القديم، وبروننج في فريدته تشايلد رولاند، وتوماس هود في أنشودته أينس الحسناء، وكما صنع سويفت في كتابه العالمي الصيت (رحلات جليفر).

ألفى أدباء الإنجليزية في أرجاء تلك الخرافات، مجالاً رحباً لفنهم وخيالاً، وتحريراً لأفكارهم من عقال الحقائق المتحجرة، وغذاء لقولهم الجوالة في مظاهر الكون وشؤون الخلق، المستطلعة إلى المجهول، ووسيلة لتصوير المناظر الطبيعية، بين جبال ووهاد، وغياض ومياه، ورصعوا أشعارهم في كل ذلك وكتاباتهم بأشتات الآراء، في المسائل التي كانت تشغل أذهان معاصريهم، ولونوا خرافات الأجيال المتقادمة بألوان أجيالهم ومجتمعهم الذي عاشوا في مضطربه.

أما موقف العرب من خرافات أسلافهم - حين اعتنقوا دينهم الحنيف وتحضروا وتثقفوا - فكان غير هذا: فقد أعرضوا عنها ترفعاً وازدراء، ولم يحفظوا منها إلا ما كان شبه بالصدق، وما دار حول يوم عظيم من أيامهم، أو شاد بمجد بعض قبائلهم. وفي تلك الحال كانت الروايات تختلق اختلاقاً، ويبذل الجهد لوسمها بميسم الصدق. ولما اطلع العرب على ثقافات الأمم الأخرى من يونان وفرس وهند، لم يهتموا إلا بما صدقوه من تواريخهم، وما استملحوه من حكمهم وأمثالهم، ولم يعنَّ لأحد من الأدباء أن يستخدم الخرافة مادة لفنه، أو يستعير ما فيها من جمال وروعة ليفيد بهما أدبه.

وغاية ما يذكر في هذا الباب، أن بعض الأدباء - كابن دريد أطلق لخياله شيئاً قليلاً من الحرية، ومضى يخترع الروايات والنوادر، يفسر بها بعض الأمثال السائرة المنحدرة من عهود الجاهلية، كقولهم (عند جهينة الخبر اليقين)، و (الصيف ضيعت اللبن)، و (جزاء سنمار)؛ وقد أخرج من صنعوا ذلك أحاديثهم مخرج الحق، وأسندوا بعضها، كي يضمنوا لها الرواج بين المتأدبين، كما أن أصحاب المقامات الذين أسلسوا لخيالهم العنان قليلاً حرصوا على ألا يبعدوا كثيراً عن حيز الإمكان، لئلا يعرض عنهم أولو الألباب.

ذلك بأن العرب كانوا شديدي الحرص على العلم الصحيح حيث ثقفوه، موكلين بالصدق التاريخي، زاهدين جداً في الأساطير وجمحات الخيال، وهو خلق أورثهم إياه دينهم منذ اعتنقوه، فإنه وإن أثبت وجود الجان وائتمارهم بأمر سليمان، واستماع نفر منهم إلى القران، قد أوسع أساطير الأولين سخراً واستخفافاً؛ وكثيراً ما جمع بينها وبين الشرك، وهو قد جب ما قبله مما هو شبيه بالكفر والزيغ، ودعا المؤمنين إلى التفكير في خلق السموات والأرض، وطلب العلم الصحيح، فلا غرو أن زهد المسلمون في تخريف الجاهليين وأوهامهم؛ وقد زادهم نفرة من الأساطير ومختلق الأقاصيص ما تنبهوا إليه من جرأة بعض الدخلاء والمغرضين على الأحاديث النبوية، يخترعونها ويفسرونها بما تمليه أهواؤهم.

زد على ذلك أن الإسلام قد حرم الخمر، وهو تحريم راعته أغلبية الأمة، وإن تجوزه بعض الشعراء، بل الخلفاء والكبراء. وهذا الإمساك عن المسكر قد كسب الأمة عامة صفات التؤدة والصحو والتوقر والإحجام عن مجاراة الخيال، والتحليق في فضاء الأوهام؛ وطبيعة بلادهم ذاتها تبث هذا الصحو في طبائعهم، فإنها في الغالب مصحية سريعة التحول من وضح النهار إلى حلك الظلام، لا تطول بها كما تطول في البلاد الشمالية فترات ذلك التحول، من غلس وغسق، ولا يكثر بها انتشار الضباب الذي يحجب الأشياء إلا أشباحها ويوقع في النفس التوجس والوهم، والخرافة الإنجليزية حافلة بتلك المشاهد بين غلس وغسق وضباب.

كل ذلك جعل مثقفي المسلمين سريعين إلى إنكار الخوارق ونبذ الأغراب والسخرية من المغربين، فدعبل الخزاعي مثلاً يهزأ ملياً بنفر من قبيلته ذاتها زعموا أن أحد أجدادهم حادث ذئباً، فهو يقول:

تِهتُم علينا بأن الذئب كلمكم ... فقد لعمري أبوكم كلم الذيبا

فكيف لو كلم الليث الهصور؟ إذن ... أفنيتم الناس مأكولاً ومشروباً

ومن جهة أخرى لم يحس أدباء العربية كبير حاجة إلى ذلك الضرب من الأدب، تحفزهم إلى التأول في الدين وتمييز ما نهى عنه مما لم ينه، فهم لم يكونوا شديدي الولع بتقصي مناظر الطبيعة وتصويرها، فيتوسلوا للتفنن في ذلك بالطيران على أجنحة الخيال إلى شتى المنائر والأودية والشطآن؛ ولا كانوا شديدي التوفر على نقد أحوال عصورهم السياسية والاجتماعية، فينتزعوا لذلك الصور من خرافات الأقدمين مماثلة لصور مجتمعهم؛ أضف إلى ذلك ما لازم الأدب العربي دائماً من نزعة محافظة وولع بمحاكاة بدائع المتقدمين، ولعاً لا طموح معه إلى تجديد شديد المباينة لمناهجهم في الأدب.

تلك هي العوامل التي صرفت أدباء العربية عن الاحتفال بالأساطير، وجعلتهم جميعاً يسلكون الطريق (المباشر) للإفصاح عن خواطرهم، طريقة القصائد المتوسطة الطول، والأبيات المحكمة الموجزة، ورائدهم قول قائلهم:

وإنَّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقا وقد رُوي أن سهل بن أبي غالب صنف كتاباً في سير الجن وأحوالهم ورفعه إلى الرشيد، فقال له الخليفة: إن كنت رأيت ما ذكرت فقد رأيت عجباً، وإن كنت اخترعت ما رأيته فقد وضعت أدباً. ولكن أحداً من معاصري ذلك المؤلف أو من جاءوا بعده لم يحفل بهذا الضرب من الأدب، وأهمل الكتاب حتى ضاع.

أقصيت الخرافة عن حظيرة الأدب العربي، وتركت للعامة يخففون بالاستماع إليها أعباء عيشهم، ويُسرُّون بالإنصات إلى مغامراتها ومصاولاتها هموم حياتهم المتشابهة الرتيبة، ويلونها لهم القُصاص بألوان الدول المتعاقبة والأحوال المتوالية، وتنفث فيها السياسة أحياناً أغراضها، حتى أتيح لها مَن دونها فكان منها أقاصيص ألف ليلة وليلة، وعنترة ومهلهل، وسيف بن ذي يزن، وقد اطلع عليها بعض أدباء العربية في العصر الذي دونت فيه فاستخفوا بها ونبذوها.

بيد أن تلك الأقاصيص على عاميتها وركاكة أسلوبها، وفحش بعض مواقفها، تحوي من روائع الوقائع، وجميل المناظر، وآثار الخيال، ما يعوز الأدب العربي كله؛ وبفضل ما فيها من روعة وجمال وخيال قد نالت الخلود وحظيت بالشهرة والترجمة إلى شتى اللغات، وأعجب بها من الغربيين من لم يسمعوا بحِكَمِ المتنبي، وأمثال الطائي، وبديع ابن المعتز.

فخري أبو السعود