مجلة الرسالة/العدد 176/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 176/الكتب

مجلة الرسالة - العدد 176
الكتب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 16 - 11 - 1936

1 - في سنن الله الكونية

تأليف الأستاذ محمد أحمد الغمراوي

1 - النتائج السياسية للحرب العظمى

ترجمة الأستاذ محمد بدران

للأستاذ محمود الخفيف

- 1 -

تفضل الأستاذ الغمراوي فأهدى إلي كتابه (في سنن الله الكونية) فرأيت وقد فرغت من قراءته أن أقدمه إلى قراء الرساله، ولكنني أحس أني كي أصف موضوع هذا الكتاب، وصفا صادقا، ولكي أقدره حق قدره في مثل هاتيك العجالة، ينبغي أن أتجاوزه إلى كلمة عن مؤلفه، وإن كنت أشعر أن ذلك سوف لا يرضيه.

يجمع الأستاذ بين خلتين قليل اجتماعهما لشخص: فهو من ناحية شديد الإخلاص لدينه مع التفقه فيه، ومداومة البحث في مسائله، حتى لكأنك منه حيال رجل يقصر على الأمور الدينية همه؛ وهو من ناحية أخرى رجل من رجال العلم المعروفين بالفطنة وسعة الاطلاع مع الدقة وحب البحث، ثم هو من الناحيتين يكاد يعطيك نموذجا صحيحا لتلك (الحلقة المفقودة) التي نتوق إلى وجودها لنصل بها ما بين الثقافتين العلمية والدينية

فإذا قلت لك بعد هذا أن الكتاب صورة من صاحبه فقد قربت موضوعه إلى ذهنك، واستطعت بعد أن أزيدك معرفة به

كان من حسن التوفيق أن انتدبت الجامعة ألازهرية الأستاذ الغمراوي فيمن انتدبت من الأساتذة، فهذا الكتاب (ثمرة تدريس علم سنن الله الكونية في السنة الأولى من قسم الوعظ والإرشاد بكلية أصول الدين. وعلم سنن الله الكونية هو العلوم الطبيعية مطبقة على الدين)

بدأ الأستاذ هذا الكتاب بفصل ممتع بين فيه بيان خبرة ووثوق أن ليس ثمة أي تناقض بين حقائق العلم وحقائق الدين، وهو يؤيد دعواه بالحجة مستشهدا بآي الذكر الحكيم، فلا يسع إلا أن تسلم معه بأن (العلم قرآني بموضوعه) وأنه (قرآني بطريقته)، فقرآنية العلوم الطبيعية واضحة ملموسة فيما ورد في الكتاب الكريم من آيات التدبر والتفكر فيما خلق الله في السموات والأرض؛ وسبل العلم في طلب أسرار الفطرة أو في تفهم سنن الله في كونه هي السبل التي أمرَ القرآن باتباعها من حيث تمحيص الحقائق والاستناد إلى البراهين وتحكيم العقل. والاعتماد إلى جانب ذلك على المشاهدة.

راح الأستاذ بعد هذا يعرض المسائل العلمية التي يشتمل عليها كتابه، وهو فيها مقيد بمنهج دراسي خاص؛ وأحب أن أشير هنا إلى أني كنت احسبني قبل قراءتها حيال مسائل لا تهم كثيرا من يشتغل بالأدب، ولكني قرأتها في يسر واستمتاع وخرجت منها وقد كسبت من المعارف ما صرت أعتقد أنه لا غنى عنه لمن يطلب الثقافة. فالكتاب إذاً يستطيع أن يقرأه الإنسان على أنه كتاب عام لا كتاب مدرسي؛ وبهذه المناسبة يجدر بي أن أقرر أن الأستاذ قد توخى فيه سهولة العبارة وبساطة توجيه المسائل، وفي مثل هذا العمل لا ريب من العناء ما يعرفه كل من حاول أن يقرب إلى الأذهان موضوعات يعلم أنه يطرقها لأول مرة

هذا ولم يقف جهد الأستاذ المؤلف عند تبسيط المعلومات وحسن توجيهها، بل إنه تمشيا مع طريقة كتابه يقف عند المناسبات المختلفة ويشير إلى الآيات القرآنية التي تتصل بالموضوع فيعرضها في لباقة ووضوح مبينا لك مراميها وإعجازها في غير تكلف أو التواء، وتلك هي في الحقيقة حسنة الكتاب. وإذا كان لي أن آخذ على الأستاذ شيئاً، فذلك أنه مع مثل هذا الاستعداد وهذه المزايا، لا يخرج لنا كتابا واسعا يبسط فيه موضوع العلاقة بين العلم والدين، ذلك لأنه (إذا تم للإنسان هذا الجمع بين العلم والدين ثم ما يصح أن يسمى بعلم سنن الله الكونية، واستطاع الإنسان أن يدرس العلم بروح العبادة من غير أن يضحي بشيء من دقة العلم، وأن يدرس الدين ويطبقه بروح العلم من غير أن يضحي بشيء من عبادة الدين، وهنالك يتم للإنسان الاتحاد بين عقله وقلبه، وبين علمه ودينه، وهذا شيء ممكن تماما في الإسلام

- 2 -

يأتي بعد ذلك الكلام على الكتاب الثاني (النتائج السياسية للحرب العظمى). وهو كتاب ألفه بالإنجليزية الأستاذ رمزي ميور أستاذ التاريخ الحديث بجامعة منشستر سابقا، وترجمه إلى العربية الأستاذ محمد بدران، وقدمته لجنة التأليف والترجمة والنشر إلى الجمهور كحلقة من سلسلة معارفها العامة، تلك السلسلة المباركة التي أخرجت اللجنة عدة حلقات منها في نواحي المعرفة المختلفة من فلسفة وتربية وأدب وتاريخ وغيرها، والتي ستوالي اللجنة بعون الله إصدار بقية حلقاتها حتى تشمل جوانب النهضة العملية في مصر والعالم العربي.

أثرت الحرب العظمى تأثيراً عظيماً في مجرى تاريخ العالم وخلف ذلك الحادث من النتائج مالا تزال أوروبا حتى اليوم تخضع لمؤثراته. ولقد شمل أثر الحرب جميع نواحي الحياة من فكرية وفنية واقتصادية، ولكن أثرها في الناحية السياسية كان أبعد منه في غيرها، وعلى نوع هذا الأثر يتوقف مصير العالم بلا ريب في المستقبل القريب.

ولا نزاع في أن تتبع الأثر الذي أنتجته الحرب في العالم من أهم نواحي الثقافة العامة، ونحن من الوجهة السياسية على الخصوص لا نستطيع أن نفهم منشأ الحركات الدولية الحديثة، ولا أن نتبين مبادئها ومراميها دون أن نرجع في هذا كله إلى ما تمخضت عنه الحرب الكبرى. والكتاب الذي اضطلع بتعريبه الأستاذ بدران فأنجز مهمته على خير ما يرجى، كفيل بأن يعطيك فكرة واضحة قوية عما خلفته تلك الحرب (فهو خلاصة تاريخ العالم في دور من أدوار الانتقال لا يكاد يختلف عن الفوضى في شيء)، ومؤلفه أستاذ متضلع في التاريخ الحديث، ملم بتياراته واتجاهاتها، ولذا كان شديد التنبؤ لما أحدثته فيها الحرب، واضح الفكرة في تتبع الحوادث، حسن الأداء في عرضها، مما يجعلك تقرأ الكتاب في يسر ولذة، ومما يجعلك تغتبط أشد الاغتباط أن ترى مثل هذا الكتاب في متناول قراء العربية.

أما عن الترجمة، فلقد تجلت شخصية الأستاذ بدران فيها قوية متينة، فما تكاد تشع إلا كأنك تقرأ الأصل، فليس هناك غموض أو التواء في التعبير أو أية صعوبة في الأداء مما يصادفه المرء عادة في الكتب المترجمة؛ هذا إلى انتقاء دقيق للفظ العربي المطلوب مع الحرص على الإيجاز وإيراد المعنى في صورة واضحة. والحق أشهد أن الأستاذ بدران قد وفق في تعريبه إلى خير ما يطمع فيه المعرب المخلص النابه.

هنا ولقد ختم الأستاذ المعرب الكتاب بفصل من عنده هو (العالم بين يونيه سنة 1930 ويونيه سنة 1936، تكلم فيه عن النزاع بين الصين واليابان والمسألة الحبشية والحركة النازية وحوادث البلقان والشرق الأدنى، وهو فصل ممتع حقا رأينا فيه الأستاذ بدران كمؤلف حريصاً على الإتقان والتفوق حرصه على دقته فيما عرب مع صعوبة تناول مثل هذا الموضوع المتشعب في مثل هذا الحيز الصغير، وإنك لتقرأ هذا الفصل الأخير من الكتاب فتحس كأنك قرأت كتاباً كاملاً وتعجب كيف استطاع الأستاذ أن يلم بأطراف موضوعه في مثل هذا الإتقان.

الخفيف