مجلة الرسالة/العدد 185/من ذكريات المجد!

مجلة الرسالة/العدد 185/من ذكريات المجد!

ملاحظات: بتاريخ: 18 - 01 - 1937



وحي دار ابن لقمان

بقلم الأديب محمد فهمي

نحن الآن في 22 صفر سنة 647 هجرية، والقصر الملكي بجزيرة الروضة يموج بالأمراء والعظماء والحاشية؛ الكل يغدون ويروحون في ردهاته الفخمة في قلق شديد يكاد لا يستقر أحدهم في مكان، وصاحب الجلالة الملك الصالح نجم الدين أيوب جالس على العرش تضطرب الدماء في شرايينه؛ أعصابه ثائرة، وقلبه يخفق خفقاناً شديداً. إنهم جميعاً ينتظرون النبأ الخطير: نبأ المعركة الدائرة رحاها حول أسوار دمياط. دمياط الواقفة كالسد المنيع أمام الجيوش الأوربية الصليبية وهي تتدفق كالسيل وتحاصرهم بقيادة ملك فرنسا (لويس التاسع). إنها ليست حرب المسيحية والإسلام، وإن سموها كذلك، وإنما هي نضال الشرق والغرب الذي لم يخمد أواره منذ أن كان هناك شرق وغرب؛ هي الحرب بين مصر العظيمة زعيمة الشرق والإسلام، وأوربا بأجمعها؛ هي حرب بين الغرب الطامع والشرق المدافع!

نعم إن أول من دعا إليها هم رجال الكنيسة باسم الدين، ولكن الدين من دمائها براء! فلم يخضها إلا ملك طامع في توسيع ملكه، أو أمير يمني نفسه بالذهب الوفير، أو فقير يطلب المال والغنى من بلاد النفائس والكنوز. . .

وبينما القصر الملكي على تلك الحال من الاضطراب والغليان إذا بفارس قد أنهكته وعثاء السفر أشعث أغبر يلهث من الإعياء ويتصبب عرقاً يقتحم ردهات القصر وطرقاته متخذاً سمته قدماً نحو قاعة العرش. وطلب الإذن بالمثول بين يدي صاحب الجلالة. فدخل الحاجب يعلن قدوم الرسول المنتظر! انتفض الملك في مكانه وحبس أنفاسه كأنما يتهيأ للنبأ الهائل. . . دخل الفارس وألقى بالنبأ الخطير في صوت أجش. فيه شجاعة وفيه ألم. . . مولاي! سقطت دمياط بعد معركة تشيب لهولها الولدان، ودفاع يشرف شهداءنا الإبطال! سقطت دمياط!! كانت هذه العبارة خنجراً مسموماً نفذ إلى صميم قلب الملك. . .

سقطت دمياط! وفي عهدي أنا؟ أبعد أن كان جدي البطل صلاح الدين يدوخ جيوشهم في ربوع سوريا وفلسطين، ويذيقهم مرارة الهزيمة المرة بعد المرة، يجرءون اليوم على الدنو من العرين الذي طالما رجفوا لذكره؟! هكذا ناجى الملك نفسه في حسرة ما بعدها حسرة. . . ثم أمر الجيش بالتجهز وسار على رأسه لملاقاة العدو المغير، وعسكر في مدينة المنصورة، وقد اتخذها قاعدة لحركات الجيش

ولكن قلبه كان دائماً يئن في حشرجة المذبوح من أثر الطعنة التي أصابته عند ما ألقي إليه نبا سقوط دمياط!! فما هي إلا فترة حتى اشتد عليه المرض، فحمل إلى قصره بجزيرة الروضة؛ وهناك وبين يدي المرأة التي أحبها وأخلص لها (شجرة الدر) أم ولده وولي عهده غياث الدين توران شاه فاضت روحه إلى ربها

وفي هذه اللحظة الرهيبة وقد نظرت شجرة الدر فإذا بمليك مصر وزوجها الأثير عليها مسجى على سرير الموت بين يديها، فتملكها الأسى على الفقيد العظيم، ولكنها سرعان ما أفاقت على صوت يهتف في أعماق نفسها. . . الوطن. . . الأعداء. . .! فولي العهد كان في تلك الأثناء ببلاد الشام ولم يبلغه بعد نبأ الرزء الفادح. وها هوذا العدو قد اقتحم أبواب البلاد متجهاً نحو العاصمة. فساءلت نفسها كيف يستطيع الجيش الثبات ومقاومة العدو إذا علم بموت الملك وفقدان الرأس المدبر؟ وهل تقاوم البلاد بغير رأس؟ إن الوطن في خطر فلابد من الحكمة والتبصر. . . وهنا لمعت في خاطرها فكرة جريئة. . . لا. . . يجب ألا يعلم الجيش بموت الملك. . . ثم خرجت من الحجرة وأشاعت أن الملك مريض ويرغب ألا يدخل عليه أحد؛ وأرسلت إلى قواد الجيش وأمرائه أن الملك يأمرهم بالتأهب للقاء العدو المغير في طريقه، بينما طيرت النبأ إلى ولي العهد ببلاد الشام بالقدوم على جناح السرعة. . .

أخذت الجيوش الفرنسية تخوض في أحشاء البلاد قاصدة المنصورة، والفزع يزداد يوماً بعد يوم، والاستعداد قائم على قدم وساق؛ في هذه الساعة العصيبة حضر ولي العهد توران شاه فأطلعته شجرة الدر على كل شيء وتسلم زمام الملك. فجمع الملك الشاب كل عزمه وأصدر أوامره للقواد، وعبأ الجيوش وتأهب لليوم العظيم. . . هذا هو يوم الفصل، فإما نصر لأوربا والجيوش الصليبية يملكها مصر وبيت المقدس، بل وقلاع الشرق جميعاً ويقضي على الإسلام في دياره قضاء مبرماً، وإما نصر لمصر يرد هذه الموجة الهائلة ويحمي ذمار الوطن والدين. وكم كانت مصر كالصخرة الهائلة تتكسر عليها أمواج الحملات الصليبية المتتابعة!. هاهي ذي أوربا بعظمتها وجيوشها الجرارة كاملة العدة هائلة العدد (كان جيش الصليبيين حوالي تسعين ألفاً) وعلى رأسها ملك من أعظم ملوك أوربا: لويس التاسع ملك فرنسا. . .

التحم الجيشان وبدأ الصراع الهائل: التقى صراع بين عدو مغير وبين أبطال يدفعون عن حمى الدين والوطن. وقد نفذ فيهم المليك الشاب من روح الشباب وعزيمته، فاندفعوا كالليوث يفتكون بالأعداء؛ ولما اشتد الضغط على العدو والتفت حوله ليكشف مكاناً للهرب، فما هاله إلا الماء قد حاصره من الخلف، إذ كانت الأوامر قد صدرت بفتح جسور النيل فتدفقت مياه الفيضان من وراء الأعداء كالسيول الجارفة. . نظر العدو فإذا البحر قد حصره من الخلف والجيش الباسل قد أطبق عليه يرمي عن قلوب تشتعل حمية وحماسة للوطن والدين، وينظر الملك لويس والحسرة تنهش قلبه فيرى أشلاء جيشه تتطاير تحت مطارق الأذرع الحديدية من جنود مصر. هاهم أولاء جنوده يتساقطون في الميدان حوله جماعات كالفراش. ومن طلب الفرار من شفرات السيوف ابتلعه اليم. . .

وإذا بفرقة من الجيش المنتصر تتقدم نحو الملك (لويس). . . هاهم أولاء بعض الأمراء والفرسان المحيطين به يناجزونها مناجزة اليائس المستميت مدافعين عن مليكهم. ولكن ماذا تجدي شجاعة بضعة أفراد أمام جيش كله أبطال؟! فما هي إلا جولة أو بضع جولات حتى كان الملك ومن بقي معه من الأمراء جميعاً في الأسر!! وإذا بالجيش العرمرم قد انهار كما ينهار البناء الشامخ!!. . .

انجلت المعركة عن فناء العدو وقد بلغ عدد قتلاه ثلاثين ألفاً خلاف الاسرى، وكتبت آيات النصر بمداد غزير من الدماء. هاهو ذا الملك المعظم توران شاه يعود إلى المدينة تجلله أكاليل النصر والفخار، ويسوق وراءه في السلاسل والأغلال ملك فرنسا وأمراءها. الكونت دنجواي، والكونت داراتوار، والكونت دوبواتييه!؟ والكونت دوبواتييه!؟ يا لروعة الذكرى التي يعيدها إلى الأذهان أسم هذا الكونت!! ويا لسخرية القدر الذي ساقه ليشهد بعيني رأسه كيف تثأر مصر لشهداء بواتييه (بلاط الشهداء سنة 732م) بعد خمسة قرون في معركة تكسو فرنسا عارا يطغى على بريق بواتييه ويسجل في تاريخ فرنسا بل في تاريخ أوربا كلها جبروت مصر وعظمة الشرق. . .

خيم الليل على دار ابن لقمان في مدينة المنصورة حيث أودع الملك الأسير وأمراء بلاده؛ وكان ليلاً رهيباً. وفي جوف الليل تذكر الملك الأسير بلاده وجيشه ومجده وآماله المحطمة والذل الذي يعانيه، فانحدرت الدموع غزيرة من عينيه. فخاطبه أحد أمرائه الذين يشاركونه الأمر قائلاً: (لقد نصحتك يا مولاي وقلت لك إن مصر عرين الشرق، وإن روح صلاح الدين العظيم لازالت تغذي أشبالها، فأبيت إلا محاولة ما أعجز قبلك إمبراطور ألمانيا وريكاردوس قلب الأسد)!؟ وهنا جلجل في حنايا القاعة صوت الحارس الطوشي (صبيح) الذي وكل إليه حراسة الملك الاسير، قائلاً: (نعم، صدقت أيها الأمير! أن أشبال الحمى وأبطال الوطن لتعد هذه الخاتمة لكل من رام مرام هذا الملك الأسير)

إن دار ابن لقمان لا تزال قائمة تنتظر الجيل الذي يعيد إليها حياة أبطالها. وإن من السواح الأوربيين والفرنسيين على الأخص من يقصدون هذه الدار ليشهدوا بأعينهم ويسمعوا بآذانهم عظة من أبلغ العظات ودرساً من أقسى الدروس تلقنهم إياه مصر؛ وإن الفرنسي الذي يتيه عجباً وخيلاء في رحاب دمشق وربوع ميسلون ليحنى الرأس إذلالاً أمام دار ابن لقمان. ولكن كيف يحتفظ المصريون بهذا الهيكل من هياكل المجد والفخار! إنهم ويا للعار قد أهملوه شر إهمال وتركوه نهب البلى والأقذار. وهاهي ذي أحجاره وجدرانه تصارع البلى في أنفة وكبرياء! فأية كرامة لامة لا ترعى هياكل المجد!؟ وكأني بزوار الدار من الأوربيين يقولون في أنفسهم وقد نظروا إلى حالتها المزرية هذه: (لو كانت لنا هذه الدار لجعلناها كعبة يحج إليها الشباب والفتيان ليستمعوا أبلغ أناشيد المجد والبطولة ترددها جوانب هذه الدار، وجعلنا منها رمزاً خالداً على الدهر، نمجد في رحابه أرواح أسلافنا الأبطال وهي ترفرف محومة بين جدرانه! ولكنها ويا للأسف المرير لشعب لا يرعى مجد آبائه!!)

إيه أيتها الدار!! لقد خط المجد على جدرانك أروع آيات البطولة؛ وفي رحابك سجن ملك من أعظم ملوك أوربا حاول اقتحام الوطن بجيشه العرمرم فتلقفته سيوف الأبطال والأشبال، فإذا الجيش أشلاء تتطاير على شفرات السيوف وأسنة الرماح، وإذا بالملك العظيم. . سجين جدرانك. .!!

ألا خبرينا أيتها الدار، كيف شهدت أوربا المتجبرة العاتية التي خرجت بجيوشها الجرارة لإذلال مصر؟ كيف شهدتها تذرف دموع الحسرة والتفجع، وأنات الأسى والحزن، وهي ترسف في قيود الأسر وذل الهزيمة. في شخص (لويس التاسع) ملك فرنسا. .!!

ألا تكلمي أيتها الدار، فكلمة منك توقظ الأسماع وتهز القلوب. لأنك تتحدثين بلسان من قد رأى وقد سمع!!

ألا تكلمي، فكلمة منك تقشع عناكب النسيان والجهل التي خيمت على صفحات المجد والبطولة من سفر تاريخنا الحافل!. .

أيها المصريون! ألا إن بقاء هذه الدار بحالتها الحاضرة المزرية لطعنة في صميم الكرامة المصرية والوطنية المصرية والشعور الحي لأمة تعرف مالها من كرامة ومجد وتاريخ. . .

(المنصورة)

محمد فهمي