مجلة الرسالة/العدد 190/تعليق على مقال

مجلة الرسالة/العدد 190/تعليق على مقال

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 02 - 1937



أثر المرأة في حياة الشيخ محمد عبده

للأستاذ عثمان أمين

كتب أستاذنا الكبير الشيخ مصطفى عبد الرزاق بك في مجلة (الشباب) مقالا عنوانه (أثر المرأة في حياة الشيخ محمد عبده). ونحن مع إعجابنا بما حوى هذا المقال من طرافة ودقة بحث، هما شأن أستاذنا فيما يسطر قلمه البارع، نرجو أن يسمح لنا في التعليق عليه بعض ملاحظات

ذكر أستاذنا كيف كان قصر الأميرة نازلي فاضل مجتمعاً للعظماء وقادة الرأي في مصر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وأشار كذلك إشارات لطيفة إلى ما اتصفت به الأميرة من صفات شخصية عالية جعلتها تميز قيم الرجال وتخص الشيخ محمد عبده بمكانة تجمع بين الحب والإجلال

ونحن من جانبنا نوافق أستاذنا مصطفى بك فيما ذهب إليه من أمر تلك المودة الصادقة التي قامت بين الشيخ محمد عبده وبين الأميرة نازلي والتي كان لها - من غير شك - أثر عميق في حياة الشيخ وفي نفسه الكبيرة الحساسة.

ولقد وقع لنا - أثناء بحثنا عن آثار الأستاذ الإمام - خطاب يشهد بوجود تلك الصداقة التي ذهب إليها حضرة صاحب المقال؛ والخطاب بالفرنسية كتبته الأميرة بخطها إلى الشيخ محمد عبده تدعوه فيه إلى القدوم لرؤيتها. وهذا نصه:

7

'

وإليك ترجمة الخطاب: السبت

صديقي العزيز:

أرجوك أن تحضر لرؤيتي هذا المساء بعد الساعة السابعة

أنا آسفة إذ فاتتني رؤيتك أمس

صديقتك المخلصة:

نازلي

فأمر الصداقة إذن حق. واختلاف الشيخ محمد عبده إلى قصر الأميرة أمر مقرر. ولعلنا الآن لا نبالغ إذا قلنا إن عناية الشيخ محمد عبده بإتقان اللغة الفرنسية ربما كان نفحة من نفحات الأميرة التي كانت تتكلم بالفرنسية كإحدى بنات (السين) ذوات الثقافة العالية والأدب الرفيع. ونظرة إلى مجموعة الكتب الفرنسية التي وجدت بمكتبة الأستاذ الإمام، والتي تعالج منها شؤون الأدب الفرنسي بنوع خاص، تؤيد ما ذهبنا إليه من أثر الأميرة في ميول الأستاذ الإمام واطلاعاته.

أراد أستاذنا الفاضل مصطفى بك أن يبين أثر الأميرة في حياة الشيخ محمد عبده من ناحية أخرى، فذكر في آخر مقاله أن الشيخ كان يجهر أول أمره بعداوته لإنجلترا ويكتب في ذلك فصولا ضافية، ثم قال: (أما بعد اتصاله بالأميرة نازلي التي كان هواها مع إنجلترا، وكانت صديقة للورد كرومر، فقد تلاشت عداوة إنجلترا من صدر أستاذنا (محمد عبده) وأصبح يجهر في كتاباته ودروسه أن بريطانيا العظمى أحسن الدول استعماراً).

فهل يسمح لنا فضيلة الأستاذ أن نبدي في هذه النقطة رأياً آخر؟

إذا كان الإمام محمد عبده، أول أمره، قد حمل على الإنجليز حملات شديدة، فقد كان ذلك في جريدة (العروة الوثقى) أيام اتصاله بأستاذه السيد جمال الدين الأفغاني. فكان يكتب وهو في باريس، مدفوعاً بحماسة الشباب، ومرارة المنفى بعيداً عن وطنه، ومتأثراً بآراء أستاذه الأفغاني، وقد كانت على ما يعلم الجميع - ترمي إلى الثورة سواء بتأليف الجمعيات السرية، أو الإذاعة بالقلم واللسان. أو استعمال العنف والقتل، وبالجملة القيام في وجه الظالمين المستبدين سواء أكانوا شرقيين أم غربيين. وكان محمد عبده، أول الأمر يعتنق أكثر آراء أستاذه الأفغاني، لكنه بعد عودته من باريس وحبوط الدعوة وانفصاله عن أستاذه، عدل آراءه الأولى، ومال إلى الأخذ بالاعتدال والتدريج متوخياً الإصلاح، لا من طريق السياسة والثورة، بل من طريق التعليم والتربية الاجتماعية والدينية، وكان الأستاذ المصلح يتحدث عن هذا فيقول:

(علينا أن نهتم الآن بالتربية والتعليم بعض سنين. وأن نحمل الحكومة على العدل بما نستطيع، وأن نبدأ بترغيبها في استشارة الأهالي في بعض مجالس خاصة بالمديريات والمحافظات، ويكون ذلك كله تمهيداً لما يراد من تقييد الحكومة. وليس من اللائق أن تفاجئ البلاد بأمر قبل أن تستعد له فيكون من قبيل تسليم المال للناشئ قبل بلوغ سن الرشد: يفسد المال ويفضي إلى التهلكة).

أما عن الإصلاح الديني فهو يقول في رده على هانوتو: (إن الغرض الذي يرمي إليه جميعه (أعني المصلحين من المسلمين) إنما هو تصحيح الاعتقاد وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدين، حتى إذا سلمت العقائد من البدع تبعها سلامة الأعمال من الخلل والاضطراب، وتهذبت الأخلاق بالملكات السليمة. ولم يخطر ببال أحد ممن يدعو إلى الرجعة إلى الدين سواء في مصر أو غيرها، أن يثير فتنة على الأوربيين أو غيرهم من الأمم المجاورة للمسلمين.) فلما أراد محمد عبده تطبيق وجوه الإصلاح على الأزهر بإدخال العلوم الحديثة في برامجه - وكانت أولى محاولاته الإصلاحية في عهد الخديو توفيق - قام في وجهه شيوخ جامدون على ما ألفوا من تقليد، ولم يفطنوا إلى مدى إصلاحه، وبعد ذلك نظر الشيخ عبده إلى السلطات العليا يتلمس عندها التأييد، فوجد من الخديو عباس الثاني مناوأة له ومناصرة لخصومه، ولقي الإمام في ذلك من الأذى كثيراً. ولسنا اليوم بحاجة إلى بيان ما كان فيه خصومة الخديو للأستاذ الإمام من شدة، فذلك أمر مشهور. وحسبنا أن نشير إلى تلك الوثيقة التاريخية الخطيرة التي نشرها أخيراً أحمد شفيق باشا والتي أرسلها الخديو إلى شفيق باشا - وكان إذ ذاك رئيساً للديوان العالي - يؤنبه فيها على السير في جنازة الشيخ محمد عبده إزاء الدسائس المتوالية والحملات المنكرة التي كانت توجه من كل صوب إلى رجل الإصلاح، لم يكن للأستاذ الإمام بد أن يدير وجهه إلى السلطات الإنجليزية فعرف (لورد كرومر) وأقنعه بوجهته في الإصلاح، ووجد محمد عبده المفتي من العون عند كرومر ما أخطأه عند عباس الثاني وعند شيوخ الأزهر. ومن اطلع على التقارير السنوية التي كان يقدمها لورد كرومر إلى حكومته وجد فيها ذكراً طيباً للشيخ محمد عبده وتقديراً لأعماله. وعميد الإنجليز في مصر يذكر لنا في نفسه إن مناصرته محمدا عبده لم تكن بالأمر اليسير نظراً لما كان يلقاه الإمام المصلح من خصومة المحافظين له وكراهة الخديو إياه، بل لولا كرومر ما بقي محمد عبده في منصب الإفتاء طويلا

نرى مما تقدم أن الشيخ عبده لم يصادق الإنجليز عفواً ولا إرضاء لهواه، بل ألجأته إليه الظروف: كان يريد الإصلاح حقاً، ولم يكن بمقدوره أن يمضي في إصلاح وأهل الجمود والتقليد يقيمون في وجهه العراقيل، ويحيكون من حوله ضروب الدسائس، فكان طبيعياً إذن أن يلتمس موافقة الإنجليز. وكان لهم حينذاك النفوذ الفعلي في البلاد

على أن رضاه عن سياسة بريطانيا في مصر لم يكن ينسيه واجبه كوطني، بل كأول من حاول بث الفكرة الوطنية في نفوس المصريين. ولم تكن تفوته فرصة دون أن يطالب فيها بقيام دستور للحكم العادل في البلاد، ووضع حد للتدخل الذي كان يدعيه لأنفسهم الموظفون الإنجليز كالمستشارين وغيرهم (بحيث لا يكون الموظفون المصريون مجرد ألعوبة في أيديهم) كما كان الحال في ذلك الزمان

ونحب في ختام هذا التعليق أن ننبه إلى إننا ما قصدنا إلا أن ندلي بتعليق جديد للموقف الذي اتخذه المصلح الكبير إزاء الإنجليز؛ وما أردنا مما ذكرنا من وقائع أن نتعرض بالنقد لرأي أستاذنا الجليل مصطفى عبد الرزاق بك. فنحن أول من يعترف بفضله، ونجل فيه شدة وفاءه لأستاذه الإمام محمد عبده وعمله الدائم على إحياء ذكراه

ويخيل إلينا أن الأستاذ الإمام قد توسم علائم هذا الإخلاص في تلميذه الشيخ مصطفى فكتب إليه سنة 1904 يقول: (ولقد عرفت مني على حداثة سنك ما لم يعرفه الكبار من قومك. فلله أنت ولله أبوك)

عثمان محمد خليل

مبعوث الجامعة المصرية بباريس