مجلة الرسالة/العدد 204/الحياة على الكواكب

مجلة الرسالة/العدد 204/الحياة على الكواكب

مجلة الرسالة - العدد 204
الحياة على الكواكب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 31 - 05 - 1937


للأستاذ قدري حافظ طوقان

لقد خطا علم الفلك خطوات فسيحة أنارت للإنسان وأثارت دهشته وأذهلته وأصبح بفضل ما اخترعه من الآلات الدقيقة ومن جمعه بين مبادئ العلوم الطبيعية والكيماوية واستعانته بالرياضيات ومعادلاتها من معقدة وغير معقدة، أقول بفضل هذا كله استطاع العلماء أن يجلوا بعض المشكلات وأن يتفهموا بعض أسرار الكون.

من كان يتصور أن الإنسان يستطيع أن يعرف شيئاً عن تريب الشمس والأجرام السماوية، حتى الفيلسوف (كنت) وهو العالم ذو النظر الواسع والبصيرة النافذة لم يخطر على باله أن الإنسان سيصل إلى ما وصل إليه في علم الأفلاك فقال: (سيبقى الإنسان جاهلاً حقيقة تركيب الشموس ومعرفة عناصرها.) أما الآن فبفضل المختبرات والمراصد وما تحويه من آلات ومعدات عرف الإنسان بعض الشيء عن النجوم والكواكب والعناصر التي تتألف منها ووقف على خصائصها وقاس حرارتها.

لقد ثبت للعلماء من دراساتهم للأجرام السماوية أنه ما من عنصر موجود في تركيب هذه الأجرام إلا وفي الأرض ما يقابله، وأن الذرة بكهاربها وبروتوناتها وحركات هذه حول بعضها وحول الكهارب تشبه النظام الشمسي والنظم الشمسية الأخرى، أي إن الكون الأعظم يتألف من أكوان أخرى متشابهة في التركيب والبناء، وأن هناك تناسقاً ووحدة مادية كونية، فالنجوم والجزر الكونية، والشهب والنيازك والمذنبات وغيرها - كل هذه تتركب من العناصر الكيمياوية التي نعرفها وأن هناك قوانين تسودها ونواميس تسيطر عليها وعلى حركاتها، وأنه ما من شئ إلا يسير في دائرة من الأنظمة لا يتعداها ولا يشذ عنها؛ ولكن على الرغم من هذا كله ومن وقوف الإنسان على بعض الحقائق عن الكون لا يزال هناك أبواب مغلقة يحتاج فتحها إلى تعمق وجهود متواصلة. ومن الغريب أن الإنسان كلما تقدم في البحث انفتحت أمامه أبواب جديدة من المعرفة وزاد اعتقاداً بضآلته وإيماناً بأنه لا يزال على عتبة اليقظة العقلية.

وهناك أسئلة لم يستطع أحد الإجابة عليها؛ ويظهر أن أمام هذه الأسئلة صعوبات وعقبات لا يزال العلماء يجاهدون للتغلب عليها واقتحامها بما يكتشفونه من قوانين ونواميس، ومم يخترعونه من آلات وأدوات. وقد يكون السؤال الآتي من أكثر الأسئلة التي شغلت الناس وعلماء الفلك على السواء. هل يوجد في الأجرام السماوية أو في بعضها حياة كحياتنا؟ أم هل في الكون عوالم مسكونة غير الأرض؟ وعلى الرغم من معرفة الإنسان كثيراً عن خصائص الكواكب والنجوم فإنه لم يستطع أن يصل في مسألة (سكنى الكواكب) إلى نتيجة قاطعة. ويعود السبب في ذلك إلى عوامل عديدة أهمها: عدم تمكن الإنسان من اختراع آلات يستطيع أن يعرف بوساطتها وجود حياة على الأجرام السماوية. فقد يكون في بعض الأجرام حياة، وقد لا يكون؛ وقد تكون الحياة عليها من نوع لا نعرف كنهه أو ندرك حقيقته. وبحثنا الآن يدور حول الحياة على الكواكب التابعة للنظام الشمسي؛ ونعني بالحياة الحياة التي تماثل الحياة على سطح الأرض ولا شأن لنا بغيرها إن كان في الوجود أحياء أو حياة من طراز آخر. فالأرض كما لا يخفى هي بنت الشمس وهي أحد أفراد الأسرة الشمسية تدور حول أمها (الشمس) كما يدور أيضاً بقية شقيقاتها (السيارات).

وهذه السيارات، بما فيها الأرض، انفصلت عن الشمس ثم كونت كل واحدة منها فلكاً تدور عليه. وقد مرت ملايين السنين قبل أن أصبحت الأرض في حالة صالحة لظهور الحياة عليها. ولابد أن التطورات التي مرت عليها الأرض مرت (وتمر) على سيارات أخرى، وقد أدت (وتؤدي) إلى نفس النتيجة على غيرها من الأجرام، ولكن باستطاعة العلم من دراسة بعض السيارات أن يجزم بأن التطورات عليها لم تصل إلى درجة يصلح معها ظهور حياة أو أحياء.

فإذا أخذنا عطارد وهو أقرب السيارات إلى الشمس نجد أنه لا يحيط به جو وكذلك للسيار بلوتو (وهو أبعد السيارات المعروفة عن الشمس) لا يحيط به جو. وهذان السياران صغيرا الجرم إلى درجة أن جاذبيتهما لا تستطيع أن تحتفظ بالذرات الهوائية التي تفلت وتخرج إلى حيث الجاذبية أقوى. وينتج عن هذا عدم وجود أجواء على الأجرام الصغيرة.

أما المشتري وزحل فحول كل منهما غلاف جوي يمتد إلى آلاف الأميال؛ ويحدث هذا الغلاف ضغطاً عظيماً إلى درجة أن الغازات لا تستطيع تحت تأثيره أن تبقى في حالة غازية بل لابد لها من أن تتميع.

ويرجع السبب في وجود هذا الغلاف الجوي حول هذين الكوكبين وحول أورانوس ونبتون أيضاً إلى كبر أجرامهما. فكلما كان جرم الكوكب كبيراً استطاع (بفضل قوة جاذبيته) أن يحتفظ بالغازات حوله ومنعها من الانفلات.

وعلى ذكر أورانوس ونبتون نقول إن البرودة عليهما أشد من البرودة على زحل والمشتري، ويحتوي غلافهما الخارجي على غاز المستنقعات أكثر مما يحتوي على غاز النشادر. ويعلل العلماء ذلك بأن النشادر لا يبقى في حالة غازية في برودة كالبرودة الموجودة على أورانوس ونبتون.

يتبين مما مر أنه لا يمكن أن تكون بيئة هذه الكواكب الستة صالحة لظهور الحياة عليها، إذ كيف يمكن أن تكون صالحة وبعضها خال من الهواء والبعض الآخر محاط بالأجواء التي تمتد إلى آلاف الأميال محدثة من الضغط ما يستحيل معه وجود أحياء أو حياة. بقي علينا أن نبحث عن الزهرة والمريخ وهما الكوكبان اللذان نجد فيهما بيئة أصلح من غيرهما لظهور الحياة أو لسكنى الأحياء على سطحهما. فالزهرة يحيط بها جو ملئ بالغيوم حتى يصعب رؤية سطحها من ورائه؛ ولم يستطع العلماء أن يتأكدوا من وجود أوكسجين أو بخار ماء؛ ولكن ثبت لديهم وجود ثاني أوكسيد الكربون بكميات كبيرة تفوق الكميات الموجودة في جو الأرض. وثبت للفلكيين من دراسة هذا الكوكب أنه أصلح من غيره من حيث إمكان ظهور حياة عليه، فليس هناك من العوامل الطبيعية والجوية ما يجعل عليه الحياة مستحيلة.

وأما المريخ فقد شغل الناس وشغل علماء الفلك أكثر من أي جرم سماوي آخر؛ واختلفت الأقوال فيه وفي خصائصه ومميزاته، وكثر التحدث عن هذه الأقوال، وراحت الصحف والمجلات تكتب عنه كأنه مسكون، وراحت تصف سكانه وأحوال معيشتهم فقال بعضهم إن سكانه احتفروا ترعاً لري مزروعاتهم، ترعاً هي في الإتقان غاية في البناء آية يعجز أهل الأرض عن محاكاتها وعن الإتيان بمثلها ولو اجتمعوا لذلك

والمريخ أكبر من القمر وأصغر من الأرض، تشرق عليه الشمس كما تشرق على الأرض وتعطيه نوراً وحرارة. ويقول السر روبرت بول: (إن صغر كوكب المريخ يزيد صلاحيته لإقامة الأحياء التي لها حركات مستقلة؛ فثقل الأجسام على سطح المريخ أقل من ثقلها على الأرض، حتى إذا أردت الطيران مثلاً لم تجد فيه من الصعوبة ما تجده فوق سطح الأرض) وهو الذي يقول أيضاً (والمريخ من حيث جرمه ليس فيه ما يمنع كونه داراً للأحياء. . .) وعلل البعض الظاهر التي تحدث في فصل الشتاء بأن بقعاً بيضاء تتكون على كل من قطبيه ثم تضيق هذه البقع بالتدريج حينما يقرب فصل الصيف. وقال آخرون إن في المريخ ماء، وإن هذا الماء يتجمد ويصير ثلجاً عند القطبين. وهناك من العلماء من ينفي هذه الأقوال ويقول إنها من وحي الخيال.

وليس في المريخ بحور واسعة كبحور الأرض، فسطحه بر لا بحر فيه، يتعاقب عليه الليل والنهار كما يتعاقبان على الأرض؛ ويومه أطول بقليل من يوم الأرض، وله غلاف من الهواء يحيط به، ولكنه لطيف جداً بالنسبة إلى هواء الأرض، وهو يتركب من الأوكسجين وبخار الماء، ولاشك أن كمية الأوكسجين الموجودة في جو المريخ أقل بكثير من الكمية الموجودة في جو الأرض. وقد يتبادر إلى ذهن القارئ أنه مادام الأمر كذلك (أي قلة الأوكسجين) فلا مجال لظهور الحياة عليه، ولكننا نقابل ما تبادر إلى الذهن بالقول أن الأحياء الأرضية وجدت الأكسجين فاستخلصته بالانتخاب الطبيعي لأنه أصلح من غيره لتوليد القوة باتحاده مع الكربون، أي أن الأحياء تهيئ نفسها للأحوال التي توجد فيها، وعلى هذا فلسنا في وضع نستطيع معه الجزم بأن كمية معينة من الأوكسجين، أو أن الأوكسجين ضروري للحياة لا غنى لها عنه، فقد تكيف هذه الأحياء نفسها إلى الوضع الذي توجد فيه، وتستخدمه لما فيه نفعها واستمرار حياتها

ويقول الأستاذ (لول) وهو الذي درس المريخ أكثر من غيره وإليه ترجع أكثر معلوماتنا عنه - يقول إن سكان المريخ أرقى من سكان الأرض، ويستدل على ذلك بهندسة الأقنية العجيبة (الموجودة على المريخ)، ويجد في صنعها المثير للإعجاب ما يؤيد رأيه وأقواله

وعلى فرض وجود أحياء على سطح المريخ فصغر جرمه وما ينتج عن ذلك من ضعف للجاذبية - كل هذا يقضي بأن تكون تلك الأحياء كبيرة الحجم بالنسبة إلى الأحياء الموجودة على سطح الأرض، كما إن كبر جرم الكوكب يقضي بوجود أحياء (إن كان ثمة حياة) صغيرة الجرم. . .

وعلى العموم فالزهرة والمريخ أصلح الكواكب لسكنى الأحياء عليهما، وليس هناك من العوامل ما يمنع وجود حياة كحياتنا على سطحهما؛ وحالة الزهرة الآن هي الحالة التي كانت عليها الأرض قبل ملايين السنين، كما إن حالة الأرض بعد ملايين السنين ستكون مشابهة لحالة المريخ الآن؛ إذ يقل الأوكسجين وتقل الحرارة التي تأتيها من الشمس. وقد يكون هذا هو السبب في تعليل تفوق سكان المريخ (إن كان في المريخ حياة) على سكان الأرض؛ وقد يكون أيضاً هو السبب الذي دفع البعض إلى تعليل تقدم سكان المريخ في الحضارة ووسائل الرفاهية والمهارة في البناء والإنشاء.

والآن. . . وقد أنهينا الكلام عن الكواكب التابعة للنظام الشمسي نقول إن في الكون نجوماً وشموساً لا عدّ لها، ولهذه كواكبها وما يتبعها من مذنبات وشهب ونيازك. ولقد دلت المراصد على وجود 75 مليوناً من العوالم التي تشبه عالمنا، وآلاف الملايين من النجوم. وكلما تقدم الإنسان دقة في آلات الرصد تجلى له اتساع الكون بصورة أوضح وأجلى، وثبت له أن ما كشفه من الكون إن هو إلا جزء ضئيل جداً مما لم يستطع اكتشافه بعد. فكون هذه حالته وهذا اتساعه لمن الطبيعي أن يكون في من الكواكب ما اجتاز (ويجتاز) الأدوار التي مرت (وتمر) على الأرض. ومن المحتمل جداً أن تكون بيئة بعض هذه الكواكب صالحة لسكنى أحياء أو ظهور حياة عليها

وأخيراً إذا سئلت عن رأيي في مسألة الحياة على الكواكب لاكتفيت بالجواب الآتي:

ليس الغريب أن تكون بعض الأجرام السماوية مسكونة وعامرة بالأحياء، بل الغريب ألا تكون كذلك

قدري حافظ طوقان