مجلة الرسالة/العدد 204/الخادمة

مجلة الرسالة/العدد 204/الخادمة

مجلة الرسالة - العدد 204
الخادمة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 31 - 05 - 1937


للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

وقفت نعيمة أمام المرآة تنظر فيها، وتتأمل نفسها بادية في صقالها، وفي يدها منفضة من الريش الناعم، ثم صوبت عينها إلى أدوات الزينة المرصوصة. . لقد صارت الآن خادمة وصار عملها أن ترتب هذه الغرف الوثيرة الأثاث. . فلشد ما انتقلت بها الأحوال!! منذ سنتين اثنتين، لا أكثر، كانت تنام على مثل هذا السرير. . وكان لها خدم، وحولها حشم. . وكانت قلما تقوم قبل الضحى. . كانت تفتح عينيها، وتتمطى، وتتثاءب، وتنظر إلى الساعة الدقيقة على معصمها فتعلم أن الشمس قد ارتفعت؛ وأنه آن لها أن تنهض. وتمد يدها إلى الزر، وتضغط فتجيء الخادمة - بهية - وتسألها (نعم يا ستي؟) فتقول لها أعدي الحمام، فتفعل وتجيئها قبل ذلك بالشاي وتنحي الستاير. . . وتهم بهية بالخروج فتناديها وهي تتقلب على السرير من الكسل، (والنبي يا بهية دوسي لي على كتفي. . .) كان هذا منذ سنتين. . كأنه حلم!. . زالت النعمة كلها وأفلس أبوها (إفلاساً بتدليس). . وانتحر. . . وتركها تملك قوت يومها. . استطاعت أن تحيا، على نحو ما، بضعة شهور، ثم لم يبق بد من ابتغاء الوسيلة إلى القوت. . وهذا أول بيت غريب دخلته لتعمل فيه

وانتقلت نعيمة إلى السرير، وتناولت الوسائد الصغيرة المبعثرة عليه، لتصلحها وترتبها، فأوحى إليها منظر السرير الواطئ اللين الشعور بالحاجة إلى التمطي. . أن تستلقي عليه وتمد رجليها وتفتح ذراعيها وتتثاءب وتقول (آ. . الخ). . . ولم لا؟. . إن هذا الجناح من البيت ليس فيه أحد. . وقد خرج سيدها منذ ساعة، وهي الموكلة بهذه الناحية. . وليس هناك من تخشى أن يفاجئها سوى (حسن). . ما أثقله!! هو رئيس الخدم. يدخل في رحمته من يشاء ويخرج منها من يشاء. لم يكن في بيتها هي أيام النعمة رئيس للخدم. كانوا جميعاً خداماً، وكانت هي الرئيسة دون سواها. . أمها ميتة. وأبوها يدع لها هذه الأمور. . ولكن جميل بك يؤثر نظاماً غير هذا. . ولاسيما بعد أن فسد ما بينه وبين زوجته فخرجت من البيت

وجلست على السرير، وهي تحدث نفسها بأنها لاشك تستطيع تسمع وقع قدمي حسن، إذا خطر له أن يجيء إلى هذه الناحية. فإنه ضخم غليظ ثقيل. . ومشيه دبدبة. ومالت على السرير، وأراحت جسمها البض على فراشه اللين، وحدثت نفسها، وهي تحس أن جسمها يسترخي، أنها خليقة أن تحمد الله على التوفيق إلى العمل، في بيت كهذا، بعد الذي نزل بها، وإنها إذا كانت لا تنام على السرير فإن من بواعث سرورها أن يكون أمره موكولاً إليها، وأن يكون في وسعها أن تروح وتجيء في هذا البيت الحسن، وأن تكون في خدمة هذا السيد الكريم الوديع المهذب. . الحمد لله على كل حال،.

ولو أن سيدها رآها، وهي راقدة على سريره، وأخذت عينه هذا المنظر الفاتن، لكان الأرجح أن يقف مفتوح الفم من دهشة الإعجاب ولسحره؛ وسمره في مكانه، هذا الخط المتموج الذي بدأ من فخذها الأملس، ويرتقي ويستدير مع ردفها، ثم ينحدر في لين مع خصرها، ثم يعود فيرتفع حتى يبلغ الحلمة الحوة الناشزة من ثديها الراسخ. . وكان شعرها الذهبي مرسلاً، كأنه أمواج من النار على الوسادة. وأسندت نعيمة خدها الأسيل على الحرير الناعم، وتنهدت، وخطر لها أن حظها على كل حال خير مما كان يمكن أن يكون. . كل شئ هنا حسن (إلا حسن). . . فإنه دميم غليظ، وثقيل الدم بارده. وفظ شرس. . . ونظرته أعوذ بالله منها!. . . إنها لتتعلق بصدرها، فتحس أنها نفذت إلى ما تحت ثيابها، فكأنها واقفة أمامه عارية لا كاسية!. . . وما أكثر ما يلمس كتفها، وهو يحدثها، أو يدعوها إلى الوقوف،. . فتسري الرعدة في بدنها. . وأصابعه؟. . يا حفيظ!. . قصيرة، غليظة، مبططة!

وأغفت نعيمة، وهي تفكر في هذا وما إليه من مظاهر حياتها الجديدة، ثم انتفضت قائمة وفي يقينها أن بعضهم ينظر إليها. ولكنها لم تر في الغرفة أحداً، فلاشك أنها كانت تحلم أو لعل هذا ضميرها يزجرها عن الاجتراء والتسحب بهذه الطريقة

ووقفت نعيمة وأجالت عينها فيما حولها، فلمحت زجاجة عطر صغيرة، فقد كانت فيما مضى تتخذ مثلها، بل كان هذا هو العطر المفضل عندها. واضطربت يدها، وهي تتناول الزجاجة. وترفع عنها الغطاء. . وأدنتها من أنفها الجميل، لتشم، وتنعم بالأرج المفتر. . وإذا كان لا تسعها الآن أن تتعطر، فلا أقل من متعة الأنف. . وما البأس. . وأحست وهي تنشق العطر الخفيف بالحنين إلى الأيام السالفة. . وتفلتت الزجاجة من بين أصابعها فارتفعت كفها الرخصة، بسرعة، إلى فمها، لتكتم صرخة جزع حين رأت الزجاجة تهوي على السجادة، وقد حمتها السجادة أن تتكسر ولكن ما فيها أريق كله، وملأ الغرفة بأرجه، فصار المكان كأنه بستان زهر. وصوبت عينها إلى السجادة فرأت العطر قد رسم دائرة كبيرة داكنة على النقوش الفارسية الجميلة، فانحنت والتقطت الزجاجة الفارغة، وردتها إلى مكانها. وسمعت في هذه اللحظة صوتاً فريعت ودارت على عقبها، فإذا حسن أمامها يتئرها النظر كأنما يريد أن يأكلها بعينيه، وكان قد دخل كالقطة، وساعده لين السجادة السميكة على إخفاء صوت قدميه الغليظتين

وكان حسن ينهج كأنما يجري، وكانت أنفاسه تروح وتجيء بسرعة، وعيناه كالجمرتين، ونعيمة ترى هيئته، وترعد كأنها في ثلاجة، وقد أيقنت أنها فقدت عملها. . وهل يبقيها حسن وقد رأى ما صنعت؟؟. . ربما. . فما صنعت شيئاً في الحقيقة سوى أن زجاجة عطر سقطت من بين أصابعها؛ ولكن الرجل فيه جفوة وغطرسة، وهو قاس، وقد أطغاه أن سيده ترك له أمر الخدم. . فهل يطردها. . أم تراه سيترفق بها ويعفو عنها؟. .

ولم تمض في تفكيرها، فقد مد حسن يديه إليها، بغتة، وتناول كتفيها - أو على الأصح ثوبها على كتفيها - وهزها وقال لها (سيكون هذا آخر لعبك هنا)

فتوسلت إليه، وأقبلت عليه تستعطفه، وتقول له إنها محتاجة إلى البقاء، وأين تذهب إذا طردها؟. .

فقال بجفوة (تريقين زجاجة ثمنها ثمانون قرشاً وتظنين أن في وسعك أن تبقي؟)

فأيقنت نعيمة أن هذا آخر عهدها بالبيت الجميل، والسيد الوديع الظريف، وصار صدرها يعلو ويهبط.

ولم تفت حسن حركة صدرها المغرية، فدنا منها وقال: (ثم إني رأيتك راقدة فوق هذا السرير أيضاً)

فكادت نعيمة تسقط على الأرض، وأحست أن رجليها تخذلانها. . ستفقد الآن عملها على التحقيق!! ومن ذا الذي يستخدم مثلها وهي حديثة عهد بالخدمة؟. وكانت يدا حسن لا تزالان على كتفيها فشد بهما على جسمها، حتى لقد أحست نعيمة أن أصابعه انغرزت في لحمها، وشعرت بأنفاسه الحارة على وجهها وسمعته يقول (إذا أردت البقاء فليس هناك إلا طريقة واحدة) وكانت نعيمة تعرف أن له أن يخرج الخدم، فقالت وهي ذاهلة (كيف؟ ماذا تعني؟)

وكانت تعلم ماذا يعني، وتقرأه في عينيه، ولكنها كانت تؤثر الطرد والجوع على هذا. . كلا. . أبداً

فقال (إنك تعرفين ما أعني. . لقد رقدت على هذا السرير مرة. . ارقدي عليه مرة أخرى)

ففزعت وإن كانت تعلم مراده، وصاحت به (أبداً. . مستحيل)

ولكن حسن حملها كالدجاجة بين ذراعيه، وألقاها على السرير، وركع أمامها، وأهوى بشفتيه الغليظتين على غلالتي شفتيها الرقيقتين، وكانت يداه قاسيتين، وكانتا تجرحان جسمها الغض، وهي تحاول أن تتفلت منه، وهو يشد عليها؛ وهمت بأن تصرخ فوضع كفه على فمها، وأخرسها، ثم تناول ثوبها عند صدرها وجذبه فتمزق وتعرى صدرها فأكب عليها كالمجنون، فلم تعد تطيق الصبر، وفضلت أن تخسر عملها، وأن تتضور وتتسول في الطريق، وأطلقتها صيحة مجلجلة خليقة أن تجمع عليهما كل من في البيت فانتفض حسن قائماً وصاح بها بدوره (إنك مطرودة. اخرجي)

وشرع يخرج من الغرفة بسرعة قبل أن يجيء أحد على صوتها، وإذا بسيده في الباب.

وقال جميل بك (ما هذا)؟

فقال حسن: (سيدي. . لقد رأيت نعيمة ترقد على هذا السرير؛ ولم يكفها هذا، بل أراقت زجاجة العطر. .)

ولكن جميل بك لم يكن يسمع شيئاً مما يقول حسن، وإنما كان ينظر إلى نعيمة، وهي واقفة في هذا الثوب الذي صار هلاهيل، وكانت تجمعه بيديها على صدرها لتستره. ولكنها لم تستطع أن تستر منه إلا قليلاً. . والتفت جميل بك من نعيمة المطرقة المتقدة الوجه من الحياء إلى هذا الخادم النذل وصاح به: (اخرج فإنك أنت المطرود. .)

فخرج وظهره مقوس

ثم التفت جميل بك إلى نعيمة وقال (إني آسف لما حصل. لم أكن أتصور أن هذا الرجل الذي ائتمنته وحش. . . فلننسه. .)

فأدارت نعيمة وجهها إلى حيث أريقت الزجاجة وقالت (لقد سقطت مني. . أريقت كلها ولم يبق فيها ولا قطرة) فقال جميل بك ببساطة: (لا بأس. . لا بأس. . إذا كنت تستحقين عقاباً، فقد لقيت فوق ما تستحق أية مجرمة صغيرة مثلك)

فابتسمت نعيمة، وكانت لا تزال تحاول عبثاً أن تضم طرفي الثوب الممزق الذي أصارته يدا حسن كالعباءة لولا ضيقه. ومشى جميل بك إليها وقال لها وهو يلمس الثوب (لم يعد هذا يصلح) وأشار إلى خزانة الثياب وقال (اخلعيه وخذي شيئاً من هنا بدلاً منه) ولم يتركها تفعل ما أمرها به، بل نزعه عنها فصارت أمامه في ثيابها التحتية، وهي كافية للستر، ولكنها تظهر من الصدر والكتفين أكثر مما يكشف في العادة. على إن جميل بك لم يكن ينظر إلى ما بدا له من جسمها، بل إلى نفاسة الحرير الذي تلبسه تحت هذا الثوب الممزق، فقد هز رأسه كالمتعجب، ومضى إلى الخزانة فجاء منها بثوب من أثواب زوجته ألقاه إليها ومشى إلى النافذة. ولم يخف على نعيمة معنى النظرة فقد كانت صريحة فارتدت الثوب وقالت (هذه الثياب التحتية بقية من زمن النعمة وقد اشتريتها بنفسي)

فدار وقال (إيه؟)

فقالت ببساطة وابتسام (لقد كنت أستطيع أن اشتري ما أريد. . قبل الكارثة)

فذهب إلى السرير وقعد عليه وقال وهو مقطب: (ما اسمك؟ اسمك كله)

فذكرته له فقال (اسمعي. . . هل كان أبوك تاجراً في الحمزاوي. . .؟)

قالت (نعم)

قال (وماذا صنع الله به حتى احتجت إلى هذا؟)

قالت (مات. . . انتحر. . .)

فقال (اممممم!. . . إني آسف. . .، لم أكن أعرف هذا. . . لو كنت أعرفه لما تكلمت بهذه اللهجة عنه)

فابتسمت ولم تستطع أن تقول شيئاً. فقال وجذبها إليه وأجلسها بجانبه على السرير: (اسمعي. . . أن مثلك لا يجوز أن تعمل كخادمة)

فقالت بإخلاص (إني مسرورة. . . وجودي هنا خير مما كنت أنتظر. . . والآن اسمح لي أن أذهب وأغير الثوب وأرد هذا)

وأشارت إلى الثوب الذي كساها فقال (خله لك. . . وغيره أيضاً. . . كل ما في الخزانة خذيه)

فقالت (سيدي. . . لم أعتد أن آخذ شيئاً من أحد)

قال وهو ينهض (أوه. . . هذه مسألة يسهل أن نسويها فيما بعد. . .)

وكانت هي قد نهضت أيضاً فوقفا متقابلين. وقد يكون الأرج المتضوع في الغرفة أو غيره هو الذي أدار رأسيهما فقد مال عليها فلم تبعد، ولثم فمها. وكانت القبلة في أول الأمر خفيفة - لمساً لا اكثر - ولكن الأيدي ارتفعت إلى الأكتاف فكان عناق طويل

وقال جميل بك (نعيمة. . . إنك ساحرة. . . كان دائماً يخطر لي أنك لست من الخدم. . . ويخيل إليّ أنك ستبقين هنا. . . سيدة. . .)

وكان قلب نعيمة يخفق بشدة فنأت عنه قليلاً وهي تفكر في معنى ما سمعت ثم قالت (ولكن الست؟)

قال (لا تقولي الست كأنك مازلت خادمة)

قالت وهي تضحك (زوجتك إذن؟)

قال (آه. . . نسيت أن أخبرك أننا اتفقنا - أبوها وأنا - على فض الإشكال بالحسنى. . . لا محاكم ولا شئ. . . طلقتها اليوم وانتهى الأمر)

قالت: (ألست آسفاً؟)

قال (كلا. . . كان هذا أحسن حل. . . حياتنا مستحيلة. . . لا وفاق)

ولأول مرة منذ سنتين شعرت نعيمة أن لها بيتاً، ونظرت إلى السرير - سريرها الآن، أو هو سيصبح سريرها بعد العقد. . . ثم ردت عينها إلى جميل بك فالتقت الشفاه مرة أخرى في قبلة معسولة

إبراهيم عبد القادر المازني