مجلة الرسالة/العدد 204/دمعة خالصة من النجف على الرافعي

مجلة الرسالة/العدد 204/دمعة خالصة من النجف على الرافعي

مجلة الرسالة - العدد 204
دمعة خالصة من النجف على الرافعي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 31 - 05 - 1937


فقيد البيان الرفيع

للأستاذ حسين مروة

إننا - علم الله - لنشعر بالتياع حزاز في قرارة النفس إن لم تؤآتنا الفرصة للجهر برأينا في أدب المغفور له الأستاذ مصطفى صادق الرافعي إلا في هذه الساعة الرهيبة إذ تفجؤنا أنباء وادي النيل بنعي الرجل راحلاً إلى دار الله الباقية، ملقياً عن نفسه هذا العبء الذي كانت تضطلع به في سبيل الله، وفي سبيل الفصحى الكريمة لغة القرآن الكريم، وفي سبيل البيان الرفيع اللهجة، العلي النغمة، النبيل المعنى والقصد والأداء. وإننا لنشعر بالألم يشيع في أحناء الصدر أن رزئت دولة الأدب والبيان العربي هذه الرزيئة بفقد علم خفاق من أعلامها لم يطل به عهد الجهاد في سبيلها، ونكسته يد القدر قبل أن يؤدي رسالته العالية، وإن هي إلا الرسالة التي تنتظرها الروح العربية الناشطة من عقال الخنوع والاستعباد، والنهضة الإسلامية الطالعة اليوم من كل فج وواد؛ بل هي الرسالة التي تتحرق الإنسانية كلها شوقاً إلى سلسلها العذب وخمرتها العلوية الخالدة؛ فلقد كان الرافعي الراحل كياناً أدبياً شامخ السمك رفعته يد العناية في هذا الجيل ليبث فيه عبق الفصاحة العربية التي أسنت في آنية الزمن حتى كادت تستحيل على أسلات الأقلام الناشئة المتأدبة في هذا العصر ريحاً غريبة ما تكاد تتبين فيها نفحة العروبة أو عذوبة الضاد، أو شمائل الأجداد. ولقد كان الرافعي الراحل كلمة إسلامية جامعة تتلخص بالدعوة الصارمة الصارخة الصادقة إلى فضائل الإسلام في زمن كادت تتقلص فيه عن هذه الأرض الواسعة ظلال الفضيلة وخلائق الخير ومثل الإنسانية العليا. ولقد كان - إلى هذا - فكراً تتدفق في مطارحه أشعة الحقائق الإسلامية، وقلباً يطفح بفيوض الإيمان بعبقرية هذا الدين الحنيف، فكان من أجل هذا وذاك أنطق ناطق في التعبير عن (الإشراق الإلهي) الذي يطفو على وجه هذه الشريعة السمحة الغراء في كل قضية من قضاياها التشريعية أو الروحية العبادية الخالصة؛ وكان من أجل هذين أيضاً أبرع بارع في تفسير (النبوة) على ما يريد الله منها في بعث الرسل إلى الخلق وبث النبوات في الكون؛ وكان أقوم لسان في حكاية (فلسفة الإسلام) على وجهها الذي ينبغي أن ندين الله به.

هذا هو الرافعي في أدبه من الوجهة الروحية كما فهمته في جملة ما قرأت له من كتب ومقالات؛ ولاسيما هذه المقالات التي كان يكتبها (للرسالة) في المناسبات الإسلامية التي جرت (الرسالة) على الاعتداد بها، وعقد الفصول حولها، وتخصيص بعض الأعداد لها؛ ولكن المصيبة في أمر الرجل أن الجيل الناشئ يتجافى عن أدبه، وينقبض عنه انقباضه الهازل اللاهي السادر في هزله ولهوه، إذا ما جئته بالأمر الجد ولوحت له بشأن من الحق. ولعل كثيراً من المؤمنين بعظمة الرافعي من هذه الناحية ما كانوا يستطيعون الجهر بإيمانهم هذا خشية أن يرميهم جمهرة من الناس لها شأنها في هذا الجيل بهذه الرمية التي اتخذت سبيلاً إلى غل الأفكار عن البوح بما تفكر فيه، هذه هي ما يسمونها (الرجعية) كما اتخذ غير هذه الكلمة سبيلاً إلى ذلك عند جمهرة أخرى من الناس لها شأنها كذلك، تلك هي ما يسميها الجامدون (هرطقة) أو (كفراً)، أو (عصرية). . .؛ والويل لنا من هاتين الفئتين. . .

أما رأيي في أدب الرافعي الذي فصل الموت بين عالمنا هذا وبينه في عالم الآخرة - أما رأيي في أدب الرجل من الوجهة الفنية، فهو رأي كونته لنفسي منذ بدأت (الرسالة) تنشر له أدبه، وقد كان قبل ذلك يشرف على الناس من كوة ضيقة؛ وكان يتلهى في الأدب تلهياً، وكان يعبث فيه عبثاً؛ وكانت الفصاحة اللفظية كل همه فيما ينشئ من مقالات أو كتب أدبية، وكانت الصناعة الظاهرة والزينة والبهرج كل ما يطمح إليه. وقد كنت أرغب عنه يومئذ كما يرغب عنه اليوم كثير من ناشئة المتأدبين وقراء الأدب؛ وقد انقطعت عن قراءته من أجل ذلك زمناً؛ ثم قامت في مصر مجلة (الرسالة) وأقبلنا عليها في كل دار من ديار العروبة، وكانت لي رغبة حينئذ في أن أجدد عهدي بالرافعي، وقد جاءت هذه المجلة الجديدة به إلى حظيرتها فأقبلت عليه بعد موقف قصير ترددت فيه بين عقل مستطلع ونفس تطلب اللذة السهلة الميسورة؛ وما طال عهدي معه في هذا الدور حتى أصلحت رأيي فيه، وكونت لي هذا الرأي في أدبه من الوجهة الفنية. . . هذا الرأي الذي قلت في مستهل الحديث أنني أشعر بالتياع حزاز في قرارة النفس أن لم أجهر به إلا في هذه الفرصة الأليمة إذ رحل الرجل إلى دار الخلود الحق

ورأيي هذا في أدب الرافعي هو أن الفصاحة العربية الخالصة وإن كانت أولى مطامحه حين يجلس إلى كتابة المقالة، ولكنه يأبى الإباء كله أن يضع جملته الفصيحة المشرقة قبل أن ينحت لها المعنى الدقيق العالي. وأشهد أنه ينحت هذا المعنى من قلب الحياة أحياناً، وقد يستأسره بلباقة من أرحب أجواء الخيال الشعري الصافي؛ فإذا امتلك عنانه وصار قيد قريحته الخصبة كساه هذه الأجنحة الطاووسية الأخاذة، ونفحه بريح طيبة من نفس العروبة الشذى الأفيح. وإذا كان في بعض ما يقرأ له الناس ما يسمونه تعقيداً فليس هو - في رأيي - بتعقيد؛ ولكن هذا الجهاد الفكري الذي يلقى نفسه في غمراته كي يقتلع المعنى من قلب الحياة، أو يستأسر الصور الجميلة من جو الخيال الشعري، ثم هذا الترفع الذي يطلبه في (الكسوة) اللفظية، وهذه النفحة العذبة التي يقصدها في مهابها من الأدب العربي القديم؛ كل هذه مجتمعة تعمل في إنتاجه هذا العمل الذي يخيل للقارئ البعيد عن روحه أنه تعقيد. ولو كان الصبر والجلد مما يسره الله لنا في طبيعتنا واستعملنا هذا الصبر والجلد في مرافقة الرافعي قليلاً لأنست به أذواقنا الفنية وأرواحنا، ولأفدنا من فصاحته العالية الشيء الثمين الغالي؛ ولكن مصيبة الرجل في هذا الجيل كما قلت لك هي مصيبة الجاد بالهازل، مصيبة من يطلب الحق بمن لا يطلب إلا موارد اللهو الميسور الرخيص. ومن الحق أن نقول - آخر الأمر - إن ضآلة ما يحمل الرجل من ثقافة أبناء الجيل الحاضر هي الأخرى من جملة العوامل على ضيعته فيهم، وذهابه عن دنياهم قبل أن يفيدوا من رسالته ما هم في أشد الحاجة إليه. ولعل هذا الجهد العظيم الذي يجهده حين يكتب فيخيل لقرائه أنه يقصد إلى التعقيد - لعل هذا يرجع إلى قلة بضاعته من الثقافة الحديثة. ولعل من آثار هذا الأمر ما نرى من عنايته في إخراج الجمل قوية دون أن يعنى، أو دون أن يستطيع العناية، بوحدة المقالة وجعل الموضوع وحدة كاملة متماسكة.

وبعد فإن الرافعي الراحل هو - في عقيدتي - بنيان أدبي شامخ ينهار قبل أن يصل إلى أهدافه السامية. رحمه الله رحمة واسعة، وعوض الأدب العربي خير العوض عن هذه الخسارة الجسيمة.

(النجف)

حسين مروة