مجلة الرسالة/العدد 21/درس الجيولوجيا

مجلة الرسالة/العدد 21/درس الجيولوجيا

ملاحظات: بتاريخ: 15 - 11 - 1933



بقلم حسين شوقي

هي أيضا ذكرى من ذكريات الصبا والدراسة، وقعت حوادثها ببرشلونه. عندما دخلت المدرسة الإسبانية، وحضرت درس الجيولوجيا للمرة الأولى، رأيت المدرس قبل البدء في الدرس، يقترح رحلة جبلية في يوم الأحد المقبل ولكني لحظت في استغراب ودهشة أن الطلبة يتهربون منها، لذلك أخذ المدرس يختار لهذه الرحلة من يختار دون رضا ولا موافقة، فقلت للطالب الذي يجلس عن يميني، وهو فتى إسباني من الجنوب (الأندلس)، تدل سمرة جلده على أصله العربي، لماذا يرفضون وإنما يذهبون إلى النزهة وتسلق الجبال الشاهقة؟. فأجابني في ابتسامة خبيثة: أتريد أن تذهب أنت؟ فأجبته على الفور: أجل! ولم لا؟ فرفع زميلي إصبعه مستأذنا في الكلام، فلما سمح له المدرس به أطلعه على رغبتي، فنظر إلى المدرس نظرة الرضا والارتياح وقال: حسن! حسن جدا! ثم سألني في لطف عن اسمي لأني كنت طالبا جديدا فأثبته في القائمة، ثم استفهم عن جنسيتي التي استغربها لأنني الشرقي الوحيد في المدرسة. وعندما عرف الطلبة إني أريد المشاركة في رحلة يوم الأحد عن رضا وطواعية، أخذوا يتغامزون وينظر بعضهم إلى بعض، فاضطربت لذلك ولم أعرف سبب هذا التغامز وا أسفاه الا أخيرا.

وفي يوم الأحد كنت في المكان المعين للمقابلة، قبل الموعد بزمان طويل، لأني كنت مشتاقا إلى هذه الرحلة الجبلية مع رفاقي الطلبة على الرغم مما يحيط بها من الأسرار. ثم حضر المدرس وتبعه الطلبة واحدا بعد آخر. . وكنا جميعا عشرة، فركبنا الترام فخرج بنا في أقل من ساعة إلى ظاهر المدينة. . وكنا أثناء سير الترام وفي غفلة من الأستاذ، نخرج ألسنتنا للمارين، فيمطروننا وابلا من اللعنات والشتائم. ثم أخذنا نتسلق الجبال وبعد جهد جاهد بلغنا أعلى القمة في تلك المنطقة المعروفة بسانتا كروث (الصليب المقدس) وقد قام فيها صليب كبير من الخشب، بركة لعابري السبيل. عند ذلك شاهدنا منظرا للمدينة يملك الطرف ويصبى المشاعر، والبحر الأبيض يموج في جلبابه الأزرق الفضفاض، والجو يعبق برائحة عطرية كأنها تسربت من الفردوس. أما السحاب فكان قريبا منا إلى حد أنني كنت أخشى أن جنيا يبدو منه فجأة فيختطف أحدنا على سبيل المزاح! وإذا كان سروري عظيم بجمال الطبيعة في تلك الساعة، فان فرحي كان أعظم بالفراش الأصفر الكبير الذي شاهدته يتنقل في الخضرة والحشائش من غصن إلى غصن، وكأنه في حسنه زهور (البانسيه)، لأني كنت كرفاقي مولعا باقتناء الفراش وحفظه بالمنزل في علب خاصة غطاؤها من زجاج. ولكن ظهر أني كنت واهما حين ظننتني سأصطاد ما أشاء من هذا الفراش، لأني حضرت إلى درس جيولوجيا في هذا المكان لا إلى اللهو والتسلية! وكان ذلك سبب ضحك الطلبة في الفصل حينما تقدمت من ذات نفسي للاشتراك في تلك الرحلة! إذ أمرنا المدرس بالتقاط ما يصادفنا في الطريق من الحجارة الغريبة وعرضه عليه. . وكان إذا راقه حجر أخرج منظاره ففحصه في شغف كأنه (الحجر القيم). . ثم أمرنا بحفظه معنا. . لهذا أحضر رفاقي أكياسا من الجلد. أما أنا فكنت أضع الحجر في جيبي لأني لم أحضر كيسا، ولما بلغت المدينة كانت جيوبي ممزقة شر تمزيق! وكان أستاذنا إذا أطلعناه على حجر أخذ يشرح لنا أصله شرحا طويلا ويذكر ما كان بالحجر من معادن كالحديد والفحم والخشب المحجر. أما نحن فكنا نوافق على كلامه من غير سؤال ولا مناقشة لعله ينتهي بسرعة من شرحه الممل! ولما رجعنا في المساء إلى برشلونة، كنا نمشي متطرحين من الإعياء، وفي درس الجيولوجيا التالي حينما أخذ المدرس يجمع أعضاء الرحلة المقبلة كعادته قبل السير في الدرس، خاطبني قائلا: شوقي بطبيعة الحال يصاحبنا في هذه الرحلة؟ فقمت على الفور من مقعدي وأجبته في انفعال: شوقي مريض لا يذهب! فامتعض وتأثر ولكنه أراد أن يصرف النظر عن هذا الرد الجاف ليستر على الأقل خجله، ولكن الطلبة ضحكوا ضحكا عاليا من إجابتي، فاشتد حينئذ غضبه علي وعاقبني بالحبس ساعة!

من طرائف الشعر

طاقة الزهر

طرفة أخرى في الوصف للعالم الشاعر الأستاذ أحمد الزين

أهدت إلى النفس ريا نشرها العبق ... والطيب في الزهر يوحي طيب الخلق

رقت رسائلها للكون فاتخذت ... من النسيم بريدا شاع في الأفق

وما رأيت بريدا خف محمله ... مثل النسيم حكى المعنى بلا ورق أنباؤه كحديث الحب عاطرة ... أو ذكريات شباب ناعم أنق

ظلت تنسقها كف منعمة ... تكاد تحسبها من ذلك النسق

تداعب الزهر في رفق أناملها ... كالنوم داعب جفن الساهر الأرق

كلاهما بالهوى يرنو لصاحبه ... فاعجب لمختلف بالحب متفق

تحنو عليه فتنسيه منابته ... في الروض يندى بمنهل الحيا الغدق

كلاهما زهر في كف صاحبه ... فانعم بزهرين ملثوم ومنتسق

هذا يعيد بريا نفحه رمقا ... وذاك بالوجد لا يبقي على رمق

هذا على الصدر يسبى العين منظره ... وذاك في القلب يذكى لاعج الحرق

كم صور الزهر من معنى يجيش به ... قلب الشجى ويعيى فطنة اللبق

وكم له في الهوى نعمى تقلدها ... صرعى الغرام مكان الطوق في العنق

وكم يحمله العشاق لوعتهم ... صونا لمكنونها عن طائش نزق

كم حملوه إلى أحبابهم قبلا ... يا طيب مصطبح منها ومغتبق

واستودعوه حديثا من صبابتهم ... فصان سر الهوى عن سمع مسترق

وكم روى دمعة عن عين والهة ... وكم حوى زفرة عن قلب محترق

وكم على صفحات الزهر من كتب ... في الشوق يعيا بها ذو المنطق الذلق

كم زهرة وصلت في الحب منقطعا ... وجددت في حبال الود من خلق

وللأزاهير لطف في سفارتها ... كم ألَّفَتْ في هواها كل مفترق