مجلة الرسالة/العدد 210/التقاء النجف بالأزهر

مجلة الرسالة/العدد 210/التقاء النجف بالأزهر

ملاحظات: بتاريخ: 12 - 07 - 1937



رأي العلامة الشهرستاني

للأستاذ عبد المنعم خلاف

العلامة الكبير السيد هبة الدين الشهرستاني رجل من رجالات العراق الذي يشار إليهم، ويعتمد على رأيهم في شئون الدين والدولة، تولى وزارة المعارف العراقية لأول عهد البلاد بالاحتلال الإنجليزي، فكانت له فيها مواقف جريئة مع مستشارها الإنجليزي لا يزال الناس يتحدثون بها ويثنون عليها. وكان العامل الأول على نشر التعليم بين المسلمين بعد أن كانوا يعزفون عنه نظراً للصبغة الاحتلالية التي كانت تسيطر عليه. وهو فوق ذلك صاحب قلم بارع في سرد حقائق الإسلام وجلاء مآثره، يشهد بذلك كتبه العديدة وخصوصاً كتابه (المعارف العالية) الذي نحى فيه منحى عصرياً حميداً يحبب إلى الشباب قراءته، وهو محاضر طلق اللسان لين الصوت وقور المظهر، وديع النفس تشعر أن فيضاً من سمو الروح وجلال الخلق يغمرك وأنت في مجلسه. وهو من كبار مجتهدي إخواننا الشيعة، وإن كان لسمو خلقه وغزارة علمه وأتساع أفقه لا يختص بفريق دون فريق. وكان على رأس الرعيل الأول من علماء الإصلاح في النجف الأشرف أهاب بعلمائه وطلابه سنة 1328هـ في مجلته (العلم) أن يرموا بأبصارهم إلى ما وراء أسوار معاهدهم الدينية من شئون الحياة والعلوم العصرية، كما أهاب الأستاذ الأمام محمد عبده برجال الأزهر. وقد صار له الآن تلاميذ ومريدون يتولون نشر دعوته وتعميم طريقته.

وقد كان من حسن حظي أن أتيحت لي فرصة زيارته فملأت بصري بصورته الجليلة. وشيخوخته الوقور التي ذكرتني بالصور الذهنية لعلماء بغداد الأولين، بعد أن ملأت سمعي بذكره العاطر وثناء الناس عموماً عليه. فصدق العيان الخبر.

وكان لا بد أن يتطرق الحديث إلى شئون المسلمين والآمال في المستقبل الذي تحفز التاريخ ليكتب فيه صفحة جديدة للنهضة الدينية والدنيوية في ديارهم.

وهو يرى أن الوحدة الإسلامية المنشودة التي يمهد لها المخلصون من رجال الإسلام، ويدعون إليها لا يمكن أن تتم إلا بالتقاء النجف بالأزهر بتبادل الزيارات بين العلماء والبعثات بين الطلاب، وإطلاع رجال كل من المعهدين على الأنظمة في الآخ وهذا رأي لا ريب سديد وقريب التحقيق يجب أن يلتفت إليه العاملون لجمع الشمل وتحقيق الوحدة. أنقله إلى مسامع حضرة الفضيلة الأستاذ الأكبر المصلح الشيخ المراغي الذي تركزت فيه آمال النهضة الإسلامية، وسار الأزهر في عهده خطوات موفقة إلى الغاية التي ينشدها الناس من رجال الدين.

والواقع أن الخلاف بين الشيعة وأهل السنة الذي يجسمه العوام والإغفال، وينفخ فيه أعداء الطائفتين جميعاً من وراء ستار، لا يمكن أن يزول إلا إذا رأى العوام رجال الدين من الفريقين يتآخون ويتبادلون الزيارات ويتعلم كل منهم على الآخر في أخوة وصفاء، فالعوام هم الذين يعظمون الصغائر ويكبرونها، أما العلماء من الفريقين فهم أفقه وأعقل من أن يجدوا مواضع الخلاف القليلة محلا لجفاء وهوة تفصل بين أهل التوحيد.

ولقد وجدت هذه الرغبة في التوحيد متجلية عند علماء الشيعة في مواقف عدة، فالسيد محمد حسين آل كاشف الغطاء يدعو إليها في المؤتمر الإسلامي بالقدس، وها هو ذا العلامة الكبير السيد هبة الدين الشهرستاني رجل الإصلاح، يرسم الطريق ويضع الخطة لها ويعد بمواصلة العمل في سبيلها على رغم شيخوخته، والأستاذ حسين مروة يدعو إليها منذ شهرين في الرسالة. . . . كل هذا يبشر باقتراب الموعد ومواتاة الظروف، ولم يبق إلا أول العمل فهيا.

عبد المنعم الخلاف