مجلة الرسالة/العدد 210/هل التقليد هو النظرية السائدة في التعليم والتشريع

مجلة الرسالة/العدد 210/هل التقليد هو النظرية السائدة في التعليم والتشريع

مجلة الرسالة - العدد 210
هل التقليد هو النظرية السائدة في التعليم والتشريع
ملاحظات: بتاريخ: 12 - 07 - 1937


بمصر الحديثة؟

للدكتور محمد البهي قرقر

في مصر يلاحظ الإنسان العادي إذا ما تتبع الصحف اليومية فحسب تغييراً متتالياً في برامج التعليم وتعديلا من وقت لآخر في قوانين البلاد المدنية.

تؤلف وزارة المعارف لجاناً لتهذيب مناهج التعليم، يكاد يكون ذلك في آخر وفي أول كل سنة دراسية، وتكلف وزارة الحقانية في فترات قصيرة متتالية بعض رجالها المسئولين على شكل هيئات استشارية - تغير بعض مواد القانون الجنائي أو المدني مثلا. كل ذلك تتسابق الصحف في الإعلان عنه، وهو أيضاً حقيقة واقعة تتكرر كلما حدث تغيير أو بعض التغيير في هيئة الحكومة المركزية.

قد يمر الإنسان العادي بمثل هذه الأخبار دون أن يوقف بها وقفة تفكير، بل ربما يعدها مثلا النشاط الحكومي، ولكن الباحث الاجتماعي الذي يربط الحوادث بأسبابها، أو الباحث النفسي الذي يفتش للظواهر النفسية عن مصادرها، لا يدع هذه الظاهرة، ظاهرة التعديل المتكرر، تمر إلا ويستخلص منها نتائجها، ولكن لا في صورة نهائية يقينية - فذلك ما لا يعمد إليه الباحث المتروي - وإنما يضعها في صيغة استفهامية مرددة، وأول ما يخطر بفكره: هل لهذا التغيير والتحوير من سبب؟ هل ذلك السبب أساسي؟ أي له علاقة بالأساس الذي بني عليه التعليم وأرتبط به التشريع، أم هو عرض إضافي؟

وأساس التعليم والتقنين يختلف طبعاً باختلاف أحوال كل أمة، ويتكيف بالظواهر الاجتماعية والأوضاع الجغرافية لكل شعب: فالجنس والدين واللغة والعادات من المقومات الأولية في تكييف التعليم والتشريع. فالجنس - وأقصد به الجنس التاريخي الذي يتكون بمرور الزمن وتنشأ عنه وحدة جنسية - له صفات وغرائز نفسية ربما تباين كل التباين صفات وغرائز جنس آخر، فالجنس الشمالي مثلا عرف بالبطء في الفهم والتروي في التفكير، بينما الجنس الجنوبي - وخاصة سكان البحر الأبيض المتوسط - حاد الذكاء كثير الأخطاء في استنتاجاته العقلية. والدين له دخل كبير إلى حد ما في تكوين العادات الخلقية، الفردية والاجتماعية منها، في كل شعب، بل في وسط شعب واحد، فقد يرى الإ الشعب مظاهر خلقية متباينة ترجع في اختلافها إلى اختلاف معتقدات الشعب نفسها. وكل لغة - بسبب تميزها بوسائل التعبير التي تنم عن طرق في التفكير لكل أمة خاصة - تعتبر عاملاً مهماً في تلوين التعليم والتشريع لا يقل عن عوامل العادات والوضع الجغرافي والحالة الاقتصادية للأمة.

فالتعليم الطبيعي إذن يسير على وفق غرائز الشعب وصفاته النفسية، لا بد أن يلاحظ فيه دين الدولة ولغتها وعاداتها. وسواء اعتبرت هذه كلها أو بعضها في نظر أمة أخرى أو أفراد منها - بناء على صورة نفسية مخصوصة ملقنة مثلا - ساذجة فطرية أو راقية، فالمبدأ الأساسي هو ربط التعليم بها ربطاً وثيقاً؛ وهذا الربط عينه هو ما يسمى عند علماء النفس والتربية بنظرية التعليم الوطني.

كذلك التشريع. فالجنائي والمدني منه يرتكزان على نفسية الشعب التي تتمثل في أفراده وعلى أخلاق الشعب وعوائده التي للدين فيها أثر كبير. فالمشترك الحديث لا يفرض عقوبة على جرم مثلاً إلا إذا وثق أن من وراء ذلك الردع والتهذيب، والردع والتهذيب كلاهما مرتبط بمعرفة نفسية المجرم وبظروف الإجرام، والمرآة الوحيدة التي تنعكس عليها نفسية المجرم وتتشخص فيها هي تحليل نفسية الشعب الموروثة والمكتسبة، والمقياس الذي يوضح ظروف الجريمة هي عادات الشعب وقانونه الخلقي، وليست المبالغة في العقوبة وحدها كافية في الردع والتهذيب كما يظن بعض المشترعين. وتشريع العائلة أساسه أيضاً دائماً عادات العائلة نفسها والعرف الشعبي الذي يحيط بها ومعتقدها الديني الثابت فيها ومنهجها الخلقي الذي تسيطر عليه. فإذا كان التشريع على هذه الأسس كان أيضاً تشريعاً وطنياً والتعليم والتشريع إذا كانا وطنيين كانت الغاية منهما محققة وثابتة وهي رفع المستوى التهذيبي للشعب من ناحيتين يلتقيان عند نقطة واحدة؛ إلا أن إحداهما وهي ناحية التعليم، ذات أثر داخلي، والأخرى وهي ناحية التشريع؛ أثرها من الخارج.

وكل حركة سياسية وطنية ترمي - إذا كانت سائرة في طريقها الصحيح - أولاً وقبل كل شيء إلى جعل التعليم والتشريع وطنيين، ولكن لا معنى صبغهما بالصبغة الحزبية وإلا كانت الغاية منهما خدمة شخصية بحتة.

على ضوء هذا التعريف الوجيز يمكن للإنسان أن يتبين أسباب التعديل والتغيير في مناهج التعليم وفي حركة التشريع بمصر الحديثة.

قسمت مدارس الحكومة إلى درجات معينة: إلزامي وابتدائي وثانوي وجامعي. ووضع لكل نوع من هذه المدارس منهاج خاص، وربما - بل هو الواقع - لا يكون الخطوة الضرورية للنوع الذي يليه من التعليم. ثم لوحظ أنه لا بد أن يكون في المنهاج الخاص لكل نوع وحدة عامة قد تتنافى مع الحالة الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي تكتنف كل مدرسة والتي تؤثر إلى حد ما في محيط تعليمها.

ففي التعليم الإلزامي مثلاً يوجد برنامج واحد شامل لمواد التعليم لكل مدارس القطر الإلزامية، بينما المناطق الجغرافية المختلفة وأحوال البلاد الاجتماعية المتباينة لم تنل أية عناية فيه. وهنا يمكن للباحث الاجتماعي أن يدعي أن هذا المنهاج ليس وطنياً؛ إن هو إلا منهاج عبر سفينة التقليد من حيز إلى آخر، من شعب إلى غيره، ولكنه لا يقطع بأجنبيته إلا إذا تحقق من نتائجه، ونتائج التعليم مهما أختلف في أسلوبه يجب أن تكون التهذيب، وبلا ريب لم يكن التهذيب في يوم من أيام حياة التعليم الإلزامي نتيجة له، وإن كان مقصداً له مرسوماً، بل كانت نتائجه، وستكون كلما طال أجله على هذا النحو، إيجاد مشاكل اجتماعية تزداد تعقيداً على ممر الأيام. وليس أصرح في بيان هذه النتيجة من كلمة النائب المحترم الأستاذ عزيز أباظة عند مناقشته ميزانية وزارة المعارف في مسألة التعليم الإلزامي. فهو يقول: (إن الوسيلة المتبعة في التعليم الإلزامي بمصر قد تكون متفقة مع الأحوال الفنية - وطبعاً هو يعني أنها قد تكون طبق النظريات المقلدة - ولكنه يعتقد أن هذا التعليم في وضعه الحاضر لا يفيد البلاد شيئاً) لأنه لم يقم على أسس البلاد الوطنية.

كذلك إذا جاوزنا التعليم الابتدائي والثانوي، وناقشنا التعليم الجامعي، وخاصة ما يدعى منه زعامة التعليم الأدبي والثقافة العربية، رأينا ما يسمى (بالتجديد) الذي صار نغمة تسمع في كل جدل ومناقشة، ليس ما يجري فيه من التعديل إلا تعديلاً وتغييراً لا يعدو أن يكون سببه التقليد أيضاً أو هو التقليد نفسه. فمثلاً إنشاء سنة توجيهية، كمقدمة لدراسة الأدب العربي، يدرس فيها آداب اللغتين اليونانية واللاتينية، مع شدة ما بينهما من ناحية وبين الأدب العربي من ناحية أخرى من تباعد وانفكاك، محض تقليد للجامعات الأوربية، فهذه تحتم دراسة اللغة اللآتينية، لأنها مرجع النقل في العلم الغربي وأصل لمصطلحاته الفنية لليوم.

كذلك تحتم هذه الجامعات على طلب التخصص في الفلسفة الإغريقية دراسة اللغة اليونانية القديمة للعلة نفسها بخصوص هذا الموضوع من الفلسفة عامة، ولكن أمصطلحات فن دراسة الأدب العربي مشتقة كذلك من اللغة اللاتينية أو اليونانية مثلا؟ أم ذلك هو التقليد (والتجديد)؟

كذلك يجد الباحث الاجتماعي نظرية التقليد هي أساس محور التعديل والتغيير في التشريع المصري. فعند قراءتي: (يوميات نائب الأرياف) للأستاذ توفيق الحكيم في مجلة (الرواية) أستوقف نظري حكاية حادثة قضائية هي نفسها تعد من الحوادث اليومية العادية، ولكنها تعطي للباحث صورة واضحة عن هذا التقليد: (سيقت امرأة ريفية إلى الوقوف أمام محكمة جزئية للحكم عليها، لأن جريمتها أنها غسلت ملابس في ترعة عمومية، فلم يجد القاضي بداً من تغريمها، لأنه أمام نص قانوني) هذا النص القانوني أقتبس من النص الفرنسي الذي هو نتيجة لازمة لمخالفة نظام قائم في فرنسا. هذا النظام القائم هو أن البلديات هناك شيدت أولاً أحواضاً عامة للفقراء للغسل والاستحمام تسهيلا لهم من جهة، ومنعاً لانتشار الجراثيم في مياه عمومية من جهة أخرى، ثم شرعت بعد ذلك هذا النص وهو تشريع طبيعي. فتعديل القانون المصري وإدخال هذا النص الفرنسي فيه دون أن يكون بريف مصر منشئات مثل هذه، تعديل لم يراع فيه إلا التقليد من ناحيته السلبية، ولم يلاحظ بأي حال أسلوب المعيشة في قرى مصر وحالتها الاجتماعية وعوائد أهلها.

وليست أمثال هذه الحوادث القضائية هي التي تظهر فقط أن أساس تعديل القوانين في مصر هو التقليد، بل ما زال بعض كبار رجال القانون المصري المسئولين يباهي ويفتخر بأن التشريع المصري الحديث أصبح يضاهي أحدث القوانين لدى الأمم الراقية. ولكن الأمم الراقية نفسها إذا افتخرت بقوانينها فإنما تفتخر لأنها وفق حضارتها وثقافتها، وفق حالة شعوبها الاجتماعية والاقتصادية؛ وبالعكس تسخر من الشعوب الأخرى التي تحاول تقليدها في تشريعها لذات التقليد وحب الانتساب إلى الرقى والمدنية في شكلها الظاهري. فكثير من الشعوب الغربية يعيب تركيا الحديثة في اقتباسها القانون السويسري مثلاً في أحوال العائلة، والقانون الفرنسي في المسائل المدنية والتجارية - مع إن العائلة التركية لا تجتمع مع العائلة السويسرية إلا في النسبة البشرية؛ أما التربية، أما الغرائز النفسية، أما العادات المتناقلة فشتان ما بينها من اختلاف -. التقنين عند تلك الأمم الراقية ليس عملية هينة يقوم بها القانون وحده، وإنما ساعده الأيمن في ذلك العالم النفسي الذي يبحث في تكييف صفات الشعب النفسية، والعالم الاجتماعي الذي يربط ظواهر الأمة الاجتماعية بأسبابها ويقارن بينها وبين ظواهر أمة أخرى، والعالم الاقتصادي الذي يبحث أسباب ضعف أو ارتفاع ميزان الأمة التجاري وحالة معيشتها.

فالتعليم والتشريع إذا في مصر الحديثة كما يراه أي باحث اجتماعي نفسي أساسه التقليد أو على الأقل هو الجزء الأعظم المكون لهذا الأساس، أما العوامل الوطنية المحلية فنصيبها في ذلك ضئيل. وما يسمى بالحركة الوطنية لا يتجاوز للآن أن يكون حركة صورية فحسب لم تنفذ بعد إلى الباب بل ربما يقال عنها أيضاً إنها تقليدية.

تعليم وطني، تشريع وطني وحركة وطنية في مصر - لم تزل كلها بعد ألفاظاً معانيها غير محدودة، وخيالات لم تقابلها إلى الآن حقائق راهنة. نعم هنالك المواد الأولية لبناء حركة تعليمية تشريعية وطنية، هنالك عادات للأمة، هنالك مقاييس خلقي - وليكن فيها بعض نواحي النقص أو الضعف أو الانحطاط فمعالجة ذلك موكولة إلى المصلح الاجتماعي - ثم هنالك دين ولغة تتمثل فيهما ثقافة الأمة الموروثة كما تتمثل في أبي الهول وأهرام مصر مدنيتها القديمة؛ هناك أيضاً البناء الذي ينقصه فقط الإتمام والتوسيع، هنالك الأزهر الذي رجع بنظره الآن إلى ألف عام مضت - وهو لم يتقوض ولن يتقوض - كمصدر لهذه الثقافة الوطنية، كمصدر لهذا التشريع الوطني. ذلك هو فخر مصر، فجامعة اكسفورد اللاهوتية، جامعة اكسفورد التي هي معقل الثقافة الإنكليزية القديمة الموروثة جيلاً عن جيل، معقل لتقاليد لم تزل وستبقى فخر الشعب الإنكليزي مادام اعتزازه بالمحافظة على التقاليد.

حركة وطنية ما هي إلا حركة رجعية، وليست تقليدية، حركتها تنظر إلى تراث الماضي لتبني عليه مجد المستقبل لا لتقوضه وتستبدل به غيره؛ فالتبديل معناه إنشاء خلق جديد على رغم الطبيعة وسنة الكون، وتلك محاولة شاقة لم تخطر ولن تخطر ببال مصلح اجتماعي عاقل، لأنها محاولة عبث وخيال لن يتحقق. تقليد وحركة وطنية شيئان لا يجتمعان في نظر عالم اجتماعي نفسي، لا يجتمعان في نظر زعيم وطني، وإن كانا قد يجتمعان في نظر روائي خيالي لم يلمس الحقائق بعد؛ قد يجتمعان في نظر من شغف (بالتجديد) والانتساب إلى البحث لا لأنه يحب الجديد ويميل إلى البحث، بل لأنه قد لا يدري ما هو التجديد وما هو البحث. في المقال التالي سأعالج العلل النفسية لهذا التقليد.

محمد البهي قرقر

دكتور في الفلسفة وعلم النفس من جامعات ألمانيا