مجلة الرسالة/العدد 211/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 211/الكتب

ملاحظات: بتاريخ: 19 - 07 - 1937



تاريخ بئر السبع وقبائلها

تأليف عارف العارف قائمقام بئر السبع

تعد منطقة بئر السبع أكبر مديرية في أرض فلسطين لأنها تشتمل على نصف مساحة أراضيها، وهي بلاد شاسعة الجوانب بعيدة الأطراف، وليس لها حدود طبيعية تفصلها عن شبه جزيرة طور سينا وبلاد شرق الأردن

وتقع هذه الناحية على طريق القوافل العربية، مثل قبائل سبأ ومعين وحضرموت وثمود التي كانت تأتي إلى أسواق كنعان وإسرائيل وأرام بعرض البضائع المختلفة، كما كانت طريق الجيوش البابلية والآشورية والفارسية واليونانية والرومانية الزاحفة لفتح الديار المصرية، وكما كانت طريق الجيوش المصرية المتوغلة منذ زمن بعيد في الديار الشامية والعراقية الشمالية.

يفتتح المؤلف كتابه (تاريخ بئر السبع وقبائلها) بذكر الروايات التي وردت في الكتب القديمة عن بئر السبع وعن الشأن الخطير الذي كان لتلك الأرجاء في عهد بني إسرائيل الأول أي من القرن الثالث عشر إلى القرن السادس ق. م. أي من عهد وفاة موسى إلى زمن بختنصر ملك بابل.

وقد أعتمد المؤلف في هذا البحث على ما ورد في أسفار الكتاب المقدس وحده مع أننا نعتقد أنه لو راجع أيضاً الروايات القليلة المبعثرة في كتب المشنا والتلمود وذلك أمر سهل عليه لأنه يتقن العبرية - لوقف فيهما على أخبار مهمة عن بني إسرائيل والعرب في تلك المنطقة من جنوب فلسطين.

ونلاحظ أيضاً أنه كان حريا بالمؤلف أن يذكر أسم هذه المنطقة في الآداب العبرية القديمة، فقد سميت في التوراة باسم نجب أي الجنوب، وعرفت في الطور الثاني من حياة بني إسرائيل بفلسطين أي بعد رجوعهم من بابل باسم الداروم، أي الجنوب أيضاً وعرفها العرب المسلمون بهذا الاسم أيضاً في عصر البعثة الإسلامية وزمن الخلفاء الراشدين، فقد ورد في سيرة ابن هشام أن أسامة بن زيد بن حارثة أرسل على رأس جيش صغير إلى الشام وأمر بأن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ولب موضوع الكتاب قد تضمنه البابان الثالث والرابع، لأن المؤلف يبحث فيهما عن الأحاديث والأخبار المتعلقة برجال القبائل في بئر السبع، ويتكلم عن الحروب التي وقعت بينهم وبين القبائل القريبة منهم والنائية عنهم وقد أبان المؤلف في هذين البابين عن مقدرة فائقة على تنظيم المعلومات الغزيرة التي جمعها في مثابرة ودأب من أفراد القبائل الضاربة هناك، ففتح لنا بذلك عالماً عظيم الشأن كنا نجهله مع قربنا منه واتصالنا به، وإذا كان المستشرقون قد جاءوا إلينا بأخبار عن حياة القبائل في بئر السبع فإن كل ما ذكره منها لا يكاد يذكر بالنسبة إلى ذلك الفيض الدافق من المعلومات التي قدمها عارف بك العارف، وذلك يرجع إلى أنه من أهل البلاد وحاكم على البدو

ويجد القارئ في هذين البابين كثيراً عما ورد في المصادر العربية عن أيام العرب في الجأهلية، كما يجد فيهما صورة مصغرة لحياة بني إسرائيل الفطرية في عصر القضاة قبل أن يأخذوا نصيبهم من الحضارة في أرض كنعان.

ونود أن نلاحظ أن كثيراً مما ذكره رجال البدو لمؤلفنا بعيد عن الحقيقة التاريخية وليس إلا محض خيال لأنهم لم يدونوا شيئاً ولم يكتبوا حوادثهم ولا قيدوا أنسابهم وإنما هي روايات ينسجها خيالهم وفقاً لمصلحتهم وتبعاً لأطماعهم

فما يقولونه من أن أغلبهم أو أن جميعهم وعلى بكرة أبيهم إنما نزحوا إلى هذه الديار من الجزيرة العربية ليس إلا نظرية ساذجة لا يقبلها عقل الباحث السليم، فإن مما لا شك فيه أن عدداً (عظيما) من هذه البطون ليس إلا سلالة تلك القبائل التي عمرت تلك الديار منذ أزمان بعيدة طويلة فبينهم بلا شك بقية تلك القبائل التي كانت في هذه المنطقة قبل الفتح الإسرائيلي مثل العمالقة والمدنينين والادوميين، ثم منهم بقية البطون الإسرائيلية مثل بني شمعون ودان ويهوذا، وكذلك لا ننسى وجود أرهاط من الأنباط في هذه النواحي القريبة من شبه جزيرة طور سينا، ولا ننسى كذلك أن هناك أفخاذاً من قبائل يمنية قديمة وصلت من أقصى بلدان الجزيرة إلى هذه الأماكن منذ زمن قديم

ولا شك أن العرب أخذوا يتسربون إلى هذه المناطق قبل الإسلام بعدة قرون واستوطنوا بعض أماكنها كما استوطنوا النواحي الأخرى من صحراء سوريا وتخوم بلاد العراق والشام.

وقد ذكر المؤلف، وحق له أن يذكر، أن هناك بعض قبائل تَمُتُّ بصلة إلى الإفرنج الصليبيين.

ونحن نعتقد أن البحث الدقيق في اللهجات المختلفة يساعد الباحث على كشف الغطاء عن هذه المشكلة الجنسية العويصة التي تبلبلت فيها الأجناس البشرية، وقد نرى في بعض الألفاظ المستعملة هناك بقية باقية من الاستعمال العبري القديم مثل كلمة نقابة عند البدو في هذه الأنحاء فهي تدل على المعابر والمسالك المنيعة في الجبال لأنها وردت في مخطوط عبري يرجع إلى القرن السابع. ق. م

وقد أحسن المؤلف بذكره نماذج من شعر أعراب القبائل ولكن فاته أن يأتي بمثل ذلك من رطانتهم العربية، ولو أنه فعل لقدم خدمة جليلة للبحث العلمي اللغوي حيث كان يمكن أن نقف على لهجاتهم وأن ندرسها دراسة علمية ونقارن بينها وبين اللهجات العربية الأخرى ونتبين ما فيها من الألفاظ الغريبة التي جاءتها بلا شك من اللغات السامية الأخرى.

ولا نستطيع أن نكف أنفسنا عن التساؤل: لماذا صقل المؤلف الأحاديث التي سمعها من الأعراب صقلا عربياً صحيحاً وفصيحاً؟ ولماذا لم يتركها في لغتها البدوية الطبيعية والفطرية؟. . .

لذلك نلح على المؤلف ونشتد في الإلحاح أن لا ينسى حين يقبل على طبع كتابه الطبعة الثانية أن يضيف إليه جملة أحاديث وأقاصيص لكثير من رجالات الأعراب من نواح مختلفة بلهجاتهم الطبيعية ورطانتهم الفطرية دون أن يتعرض لها بشيء من الزيادة أو الحذف.

ثم يأتي بعد ذلك الباب الخامس الذي يشتمل على تاريخ بئر السبع على ممر الأحقاب من أقدم الأزمنة التاريخية إلى يومنا الحالي

وثمة أمر آخر له خطره، وهو أن المؤلف الذي يتقن العربية والعبرية لم يقع في ذلك الخطأ الفاحش الذي وقع فيه غيره من المؤلفين الشرقيين الذين يجهلون اللغات السامية، وهو أنهم لا يضبطون كتابة أسماء الأماكن وأسماء الأعلام كتابة صحيحة كما ينطق بها أهل الشرق بل يكتبونها كما هي مدونة عند الغربيين الذين لا يستطيعون نطق الأسماء الشرقية نطقاً صحيحاً دقيقاً أما مؤلفنا فكان في أغلب هذه الأحوال محسناً لكتابة هذه الألفاظ بضبطها الصحيح.

ولنا في هذا النوع بعض ملاحظات على مؤلفنا منها أنه لم يكن يجوز لعالم مثله أن يستعمل أسم البتراء دون أن يشير إلى اسمها الحقيقي القديم الذي منه اشتقت كلمة بتراء المحرفة، فالمؤلف يعرف أن البتراء التي تعرف اليوم بوادي موسى كانت عاصمة لبني أدوم قديماً ثم للأنباط في العصور المتأخرة، وقد عرفت باسم سلع ومعناه: الصخرة، ثم جاء اليونان وترجموا هذه الكلمة إلى اليونانية وأطلقوا على هذا المكان اسم بترا أي الصخرة أو الحجر

وكان عالمنا المرحوم احمد زكي باشا كلما قرأ لبعض الكتاب كلمة بتراء بدلاً من سلع هاج وماج لأنه يعرف أن العرب أنفسهم كانوا يستعملون في القديم كلمة سلع لا كلمة البتراء، وقد أشار إلى ذلك في جملة مقالات نشرت بجريدة الأهرام قبل وفاته بزمن قليل

وفي الباب السادس يبحث في حالة بئر السبع في وقتنا الحاضر، ومع أنه موجز فإنه شامل كامل لأن المؤلف من الأفراد المعدودين الذين خبروا البلاد خبرة وافية.

ولا ننسى أن نشير إلى تلك الخريطة المفصلة لفضاء بئر السبع فهي بلا شك أول خريطة علمية دقيقة مبينة لمواطن القبائل العربية ومعينة لأسماء الأمكنة في تلك البيداء الشاسعة الأطراف.

إسرائيل ولفنسون

(أبو ذؤيب)

أستاذ اللغات السامية بدار العلوم