مجلة الرسالة/العدد 211/رسالة الشعر

مجلة الرسالة/العدد 211/رسالة الشعر

مجلة الرسالة - العدد 211
رسالة الشعر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 07 - 1937


دمشق

للدكتور عبد الوهاب عزام

يا أخي صاحب الرسالة: هذه أبيات نظمتها في إحدى زياراتي لمشق العظيمة وطويتها. ثم رأيت أن موضوعها يشفع لما فيها من قصور فأرسلتها إليك لترى رأيك في طيها أو نشرها

هذى دمشق فخل القلب يمتار ... طالت على القلب أشواق وأسفار

كم ماطلتك بها الأيام أُمنيَة ... لها على الدهر إعلان وإسرار

حطّ الرحال فهذا جهرةً بَردى ... وذي دمشق هناك الأهل والدار

لا تٌعجلني فما الأيام مُسعدة ... لا تخدعني فصرف الدهر غدار

دعني أؤلف آمالا مشتّتة ... وأَسمع القلب. ملء القلب أسرار

دعني أزود قلبي ملء مُنيته ... ففي فؤاديَ أسفار وأخطار

وردت جلّق ملتاعاً ومغتبطاً ... تطفي بنفسي آمال وأفكار

دمشق مجتمع الأعصار قد زخرت ... فيها كما أندفقت في البحر أنهار

خطّت أمامي سراعاً فوق رقعتها ... من الوقائع أسطار فأسطار

فكل رجل على التاريخ سائرة ... وكل طرف إلى التاريخ نظّار

وللأذان دوي فوق أربعها ... وللأذان ببطن الأرض إسرار

يذيع قبر بلال في مآذنها ... صوتاً له من وراء الغيب تسيار

كالنبع شق الصفا والترب فازدهرت ... منه الخمائل، وهو الدهر ثرار

ذهبت للمسجد المعمور أسأله ... وقد تدل على الأعيان آثار

رأيت فيه خلال القوم ماثلة ... وللبناء من البانين أقدار

علوت في قمة التاريخ مأذنة ... لها من الحق وتاريخ أحجار

تطوف حولي خطوب الدهر في صخب ... وتزحم العين دولات وأقطار

أرى الوليد على ملك لسطوته ... ذل الزمان، وفيه المجد خطّار

دانت لهيبته الأهوال واجتمعت ... في همّة العُرب أقطار وأعصار

كأن ما بين سيحون وقرطبة ... على الخريطة أفنار وأشب أحييت دمشق رميم الشعر في خلدي ... لا غرو قد تبعث الأشعار أشعار

وقفت فيها أُسيم الطرف في فتن ... من الجمال لديها الطرف يحتار

كلا فؤادي وطرفي فوق بهجتها ... بين الحضيض وبين السفح طيار

تندى القلوب وتجوى من نضارتها ... ورب أخضر منه تقدح النار

واها لقلبي إن يبد الجمال له ... سطراً تبدت من الآلام أسفار

خاض المطامع، طماح المنى عرم ... عليّ الشدائد والسراء ثوار.

وقاسيون على الجنات مطَّلع ... بين الرياض وبين الشهب نظَّار

عاري المناكب بالشجراء متزر ... ثبت الجنان على الأحداث، جبار

نسرٌ يرى اللوح منه هامة عطلا ... لكنه ذنبَ الطاووس جرَّار

والصالحية حيا الله ساكنها ... وحَيَّ في سعدها دار وديار

شجا فؤادي دروس في تدارسها ... والدهر بالناس دولات وأدوار

يا دار هذا زمان السعد فابتسمي ... لافاتَكِ السعد بعد اليوم يا دار:

وقفت بالغوطة الخضراء أنشُدها ... قلباً أضلّته أفياء وأشجار

هفا كما أنطلق العصفور من قفص ... دعته في الروض أطيار وأزهار

قالت: رأيت دمشقاً في مفاتنها ... فكيف ينجو فؤاد فيك شعّار؟

فسل دمشق هناك الروض مزدهر ... والجو مبتسم والحسن سحّار

قالت دمشق: وما عندي به خبر ... سائِل بدُمَّر لا يخدعك إنكار

يا دمَّر الخير قلبي فيك مرتهن ... لا تجحديه فما يجديك إصرار؛

ردي فؤادي ففي دهري له عِدة ... وفي فؤادي لأرض العرب أوطار

فقد وردتك يوماً في حمى نفر ... من الغطاريف فيهم يأمن الجار

كأنما كل حرٍ في عزيمته ... نجم يضيء علي الأهوال سيار

وكان مجلسُنا أيْكاً على بردى ... تردد الحسن فيه فهو محتار

نزجي الأحاديث من شكوى ومن ألم ... ومن أمانٍ ذوت فيهن أعمار

نبني على أسُس التاريخ آتِيَنا ... وللمعالي من التاريخ أسوار

وننشد المجد تدعوه عزائمُنا ... والمجد مُصغِ إذا ناداه أحرار إما أرى المجد قد أضفى أشعته ... وأشرقت فيه دولات وأمصار

أبصرت في الظلمات الشمسَ طالعة ... لمّا تراءى لنجم الصبح إسفار