مجلة الرسالة/العدد 211/من ذكريات الحملة الفرنسية

مجلة الرسالة/العدد 211/من ذكريات الحملة الفرنسية

مجلة الرسالة - العدد 211
من ذكريات الحملة الفرنسية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 07 - 1937


رستم مملوك الإمبراطور

للأستاذ محمد عبد الله عنان

يرقد نابوليون في مثواه الخالد في مؤخرة صرح الانفاليد بباريس، في تابوت من المرمر القاتم. تظلله قبة فخمة رائعة، وقد ركزت حوله عدة من الأعلام التي ظفر بها الإمبراطور في الوقائع الشهيرة التي خاضها وكان النصر حليفه فيها مثل مارنجو، وفاجرام، وايلو، واوسترلتز، ويينا، والاهرام، وغيرها؛ وقد استوقفنا يوم أتيحت لنا زيارة قبر الإمبراطور منظر ذينك العلمين الممزقين اللذين كتب أمامهما موقعة الاهرام، فلم نستطيع أن نميز لهما لوناً أو علامة خاصة أو أن نقرأ فيهما شيئاً

كانت الحملة المصرية من أعظم الحوادث التي تركت في ذهن نابوليون أثراً خالداً؛ ومع إنها اختتمت بالفشل من الوجهتين العسكرية والسياسية فإنها تركت من الوجهة المعنوية أعمق الآثار؛ ولم يكن نابليون حين مقدمه إلى مصر فاتحاً يبحث وراء طالعه فقط، ولكنه كان يتصور أنه يستطيع أن يعيد حلم الاسكندر، فيبدل آلام والحضارات؛ ومن ثم فقد حشد في جيشه المطابع والأدوات العلمية إلى جانب المدافع، والعلماء المبرزين في كل فن إلى جانب الضباط والقادة؛ ولم يكن ظفر نابوليون بفتح مصر والبقاء فيها مدى حين، ليضارع تلك الجهود البديعة التي اضطلع بها علماء الحملة الفرنسية لدراسة مصر وحضارتها، وتلك النتائج العلمية الباهرة التي وفقوا إليها، ودونوها فيما بعد في كتاب (وصف مصر) أعظم وأقوى موسوعة ظهرت عن مصر، في العصر الحديث

ولما عاد نابوليون من مصر إلى فرنسا حينما تعقدت الحوادث وتجهمت، (أكتوبر سنة 1799)، لم يكن لديه أمل في استبقاء مصر طويلا، ولكنه أراد أن يغادرها جنده في افضل الظروف والشروط؛ وهذا ما وقع بعد قليل، فقد انتهت الحوادث بجلاء الفرنسيين عن مصر في أواخر سنة 1801؛ ولكن نابوليون لم يقطع صلته بمصر، ولم ينقطع اهتمامه بشئونها؛ فقد عني بعد ذلك بتأليف لجنة من العلماء الذين رافقوا الحملة إلى مصر مثل برتوليه ومونج وفورييه، لتضع موسوعة شاملة عن مصر، وظهر أول مجلد من هذه الموسوعة، أو كتاب وصف مصر الذي أشرنا إليه في سنة 1809، واستمر صدورها بعد ذلك أجزاء متعاقبة إلى سنة 1826، وكانت من أعظم ثمار الحملة العلمية

ولبث نابوليون وثيق الصلة بمصر وذكرياتها عن طريق آخر؛ ذلك هو حرسه الخاص الذي ألفه من بعض المماليك والأقباط والترك والسود الذين اصطحبهم معه من مصر؛ وكانت هذه الفرقة المختارة التي يرتدي أفرادها الثياب الشرقية الزاهية ويركبون الخيول المطهمة تصحب القنصل الأول، ثم الامبراطور، في غدواته وروحاته، إلى التويلري ومالميزون؛ وكان منظرها الفخم المروع معاً، يثير طلعة الباريسيين ودهشتهم، فيحتشدوا لرؤية أولئك الفرسان الشرقيين، أولي الشوارب المفتولة، والعمائم الملونة، والثياب الفضفاضة، كلما مر ركب نابوليون

وكان عميد هذه الكوكبة المختارة جندي مملوك يدعى رستم. ولرستم مع نابوليون قصة طريفة نرويها في هذا الفصل. كان رستم أحد أولئك المماليك الذين يصعب تعقب أصولهم أو حياتهم الأولى، ألقى به القدر إلى القاهرة بعد أن بيع مراراً ولقي خطوبا، وقدم إلى بونابارت في القاهرة حينما طلب أن يؤتى له ببعض الإدلاء الوطنيين. وكان رستم يومئذ فتى في عنفوانه وسيم المحيا، فراق نابوليون منظره، وسأله حسبما يقرر لنا رستم بعد ذلك في مذكراته، هل يجيد الركوب والطعان، فأجاب رستم بالإيجاب. وسأله نابوليون عن اسمه، فأجاب أن اسمه الأخير يحيى، ولكن اسمه الحقيقي الذي سمي به في بلاد الكرج مسقط رأسه هو رستم؛ فامره نابوليون أن يتسمى بهذا الاسم، ثم وهبه سيفاً دمشقياً رصعت قبضته ببعض الجواهر، ومسدسين زينا بالذهب، وألحقه بخدمته

ولم تمض أيام قلائل حتى اضطر نابوليون إلى مغادرة مصر مسرعاً إلى فرنسا، فلم ينسى أن يصطحب معه مملوكه الجديد رستم على ظهر السفينة (مويرون) التي أقلته إلى فرنسا مع بعض علماء الحملة من أصدقائه؛ وكان رستم يختص بخدمة سيده الجديد، ويقضي المساء على مقربة من الحلقة التي تتألف كل ليلة في مؤخرة (مويرون) من نابوليون والعالمين برتوليه ومونج يتحدثون في الشئون العامة أو يلعبون الورق؛ وكان نابوليون كثيراً ما يقول لمملوكه أنه سيجد في باريس كثيراً من المال والنساء الحسان، فيطرب رستم، وتضطرم مخيلته بالأحلام اللذيذة، ويتذكر ماضيه التعس الحافل بصنوف البؤس والمخاطرة، وما اسبغ الحظ عليه من رعاية ذلك السيد العظيم الذي سيقوده إلى مستقبل حافل بصنوف السعادة والنعيم

ووصلت (مويرون) إلى المياه الفرنسية بعد رحلة خطرة دامت نحو خمسين يوماً؛ ولما وصل رستم في ركب سيده إلى باريس، رأى منظراً رائعاً لم يتصوره من قبل، وسحرته عظمة العاصمة الفرنسية، التي لم تكن القاهرة أعظم مدينة شاهدها في الشرق إلى جانبها شيئاً مذكوراً؛ ولم تمض أشهر حتى ظفر نابوليون بإلغاء الحكومة الإدارية المؤقتة (الديركتوار)، وصدر دستور القنصلية (ديسمبر سنة 1799)، وانتخب نابوليون قنصلاً أولا، وانتخب معه صديقاه كامباسير ولبرون كقنصلين ثان وثالث؛ وهنا جاء دور رستم في الظهور إلى جانب سيده في المواكب العظيمة، وكان نابوليون يتوق دائماً إلى أن يحيط نفسه بتلك المظاهر الشرقية الساحرة، فكان رستم يتقدم عربة القنصل الأول دائماً، وهو على ظهر فرس بديع، وقد ارتدى صديرية من القطيفة الزاهية فوق ثوب واسع، ووضع على رأسه عمامة بيضاء أنيقة؛ وكان منظره الشائق الساحر معاً اجمل ما في ركب القنصل حين يغدو وحين يروح

وجاء دور الإمبراطورية وتألق نجم رستم سراعا، وشهد الحفلة الدينية الكبرى التي توج فيها الإمبراطور بالرغم من معارضة رجال الخاصة، واعد له بهذه المناسبة ثوبان فاخران وضع رسمهما (إيسابي) مصور الإمبراطور، وظهر رستم في كنيسة (الانفاليد) وعليه صدرية من الكشمير الفاخر المطرز بالذهب وعمامة رائعة الحسن، وذاعت شهرته حتى اصبح من طرائف باريس التي يعني برؤيتها كل زائر للعاصمة، وطبعت صورته ووزعت بالألوف في جميع أنحاء فرنسا؛ وأغدق الإمبراطور على مملوكه العطاء والصلة ورتب له عدة رواتب حسنة حتى غدا من أهل اليسار والنعم؛ وكان الإمبراطور يثق به ثقة لأحد لها، فلم يكن من أقطاب حرسه الخارجي فقط، ولكنه كان حارسه الأمين في حياته الداخلية أيضاً؛ فكان ينام عند عتبة غرفة الإمبراطور في البهو الملاصق، وكان هو الذي يحمل العشاء إلى الإمبراطور والإمبراطورة حينما يكونان في الفراش؛ وكان ملحوظا بالرعاية من جميع أعضاء الأسرة الملكية والحاشية، حتى أن الملكة هورتنس ابنة الإمبراطورة جوزفين، وزوجة الجنرال مورات، عنيت بتصويره، وكانت تغنى له المقطوعات الساحرة حتى لا ينام أثناء التصوير وتاقت نفس رستم إلى الزواج، وهام بحب آنسة تدعى دوفيل وهي ابنة أحد منادي الإمبراطور، وكانت رائعة الحسن في التاسعة عشرة من عمرها؛ ولما طلب رستم يدها قامت في سبيله بعض صعاب شكلية لأنه لم يكن كالفتاة كاثوليكي المذهب، ورفض الأسقف الموافقة على هذا الزواج فتدخل الإمبراطور وقضى على هذه الصعاب، وتم زواج رستم بالآنسة دوفيل في سنة 1806؛ ورزق رستم منها غلاما سمي (أشيل)، فطرب الإمبراطور لمولده وأغدق العطاء لمملوكه

وظل رستم متمتعاً برعاية الإمبراطور، يمرح في ظلال النعماء والنفوذ، حتى وقعت الكارثة، وهزم نابوليون في حرب التحرير واضطره الحلفاء الظافرون إلى التنازل عن العرش والسفر إلى جزيرة (إلبا)؛ وهنا سئل رستم كما سئل المخلصون من حاشية الإمبراطور، عما إذا كان يرغب في مرافقة الإمبراطور إلى المنفى، فتردد رستم في اللحاق به، وهرول إلى زوجه في باريس مغادراً ذلك القصر الذي أنفق فيه أعواما طوالا متمتعاً برعاية أعظم رجل في فرنسا، وفي أوربا بأسرها؛ ودلل بذلك على أثرته، ووضاعة نفسه؛ بيد أنه ندم على فعلته بعد، حينما رأى بداية العهد الجديد تميل إلى اضطهاد كل من كانت له صلة وثيقة بالعاهل المنفي؛ وكانت فرقة المماليك التي ينتمي إليها رستم قد انحلت مع مرور الزمن غادرها معظم رجالها ومات عدد منهم، وبقي رستم بعد ذلك ابرز أعضائها القدماء، ورأى رستم نفسه ينزل من علياء نفوذه بسرعة، ويجرد من سيفه وعمامته، وينظر إليه بعين الشك من الحكومة الجديدة. ألم يكن رسم اخلص حرس الإمبراطور وأقربهم إليه وأشدهم وطأة على أعدائه؟ وأحيط رستم برقابة صارمة، ونقل عيون الحكومة الجديدة عنه أغرب الأخبار، وقيل أنه يدبر مؤامرة لقلب الحكومة الملكية؛ والواقع أن رستم كان أبعد الناس عن هذه الريب، ولم يكن يود إلا أن يعيش في سلام بعيداً عن ذلك الماضي الذي يريبه ويزعجه

ولما عاد الإمبراطور من منفاه في إلبا توجس رستم شرا، وهرول إلى سيده القديم يلتمس الصفح والإعادة؛ فأبى الإمبراطور رؤيته، ورده باحتقار. وكان رستم يقيم عندئذ منزويا في بعض ضواحي باريس. فلم يكن أحب إلى نفسه من أن يستأنف حياة الانزواء والهدوء؛ ولم يمض غير قليل حتى وقعت الكارثة الحاسمة وهزم نابليون في واترلو وحمل إلى منفاه في سنت هيلانه؛ ولم يهتز رستم لهذه الحوادث، وقنع من الحياة بالهدوء والسكينة؛ وعاد إلى سكنى باريس بعد أن نسيته الحكومة الجديدة، ولم تحاول إقلاق راحته، بيد أنه لم يكن يتمتع بعد برخائه القديم بعد أن أنقصت رواتبه، وكثر عياله، فنراه في سنة 1824 يسافر إلى لندن إجابة لدعوة أحد أصحاب المسارح، وهنالك يعرض نفسه في ثيابه الشرقية القديمة ويكسب بذلك بعض المال

وقضى رستم في لندن نحو عام، ثم عاد إلى باريس، وانتقل بأسرته إلى بلدة دوردان على مقربة من باريس ليعيش فيها؛ وهنالك لم تفارقه صفة (مملوك الإمبراطور)؛ وكانت هذه الصفة تثير من حوله الفضول وتسبغ عليه مهابة خاصة؛ بيد أنه لم يكن يتمتع يومئذ بشيء من مظاهره الشرقية القديمة؛ وكان يحب الصيد، ويغشى مجتمعات المدينة، ويتصل بكثير من أهلها بأواصر الصداقة المتينة؛ وكان كثيراً ما يقص ذكرياته عن الإمبراطور ويفاخر بما لديه من آثار الإمبراطور مما أفاضه عليه من أيام عزه؛ وكان بعض الساخطين عليه يرمونه بالخيانة، ويقولون عنه أنه خائن لبلاده خائن لولي نعمته، بيد أن رستم لم يكن ليعبأ بهذه المطاعن، وكان يحتفظ دائماً بسكينته وهدوء نفسه

وتوفي رستم سنة 1845، في الرابعة والستون من عمره ودفن بمقبرة دوردان وكتب على قبره ما يأتي (هنا يثوي رستم رضا، مملوك الإمبراطور نابليون سابقاً؛ ومولده بتفليس من أعمال الكرج)؛ وكانت وفاته خاتمة لآخر الذكريات الحية في تاريخ الحملة الفرنسية على مصر

محمد عبد الله عنان