مجلة الرسالة/العدد 212/الفلسفة الشرقية

مجلة الرسالة/العدد 212/الفلسفة الشرقية

ملاحظات: بتاريخ: 26 - 07 - 1937



بحوث تحليلية

بقلم الدكتور محمد غلاب

أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين

- 14 -

البوذية

نشأة الديانة والفلسفة البوذيتين

ذاعت في بلاد الهند قبل البوذية بزمن طويل أسطورة دينية مؤداها أن إنقاذ الإنسانية من آلامها سيكون على يدي شاب نبيل حسن الخلق والخلق، يولد بين أحضان النعمة ويشب بين أعطاف الترف والسعادة، ثم يتخلى عن المادة ويزهد في الشهوات فيصل إلى المعرفة الكاملة التي بها ينقذ الإنسانية من بين براثن الشر والألم. فلما ظهر بوذا وكان قد نشأ على النحو الملائم لبطل الأسطورة المتقدمة آمن الناس بأنه هو المنقذ المنتظر، وكان هو شخصياً يعرف هذه الأسطورة فآمن بأنه بطلها المنشود، فأعلن أنه لا شيء أنجع للوصول إلى النجاة من وسيلتين: أولاهما التخلي عن المادة، وثانيتهما المعرفة. ثم بدأ جهاده بتحقيق هاتين الوسيلتين في نفسه، فتخلى عن اللذائذ تخلياً عملياً، ثم لم يلبث أن أعلن أنه وصل إلى نهاية المعرفة كما أسلفنا

نشأت عن المبدأ الأول من هذين المبدأين الديانة البوذية التي هي وليدة الزهد والتقشف قبل كل شيء، وعن المبدأ الثاني وهو المعرفة نشأت الفلسفة البوذية. وسنحاول هنا أن نلم في شيء من الإيجاز بالديانة البوذية وأركانها وتطوراتها ثم بالفلسفة البوذية وعناصرها الأولية

الديانة البوذية

لم يشأ بوذا في أول أمره أن يقحم في مذهبه أي شيء له علاقة بما بعد الطبيعة، بل لم يتحدث عن الإله على أصح الأقوال، وإن كان بعض مؤرخي الفلسفة قد رووا عنه أنه تعرض للألوهية بالإنكار وصرح بأن ليس هناك إله على النحو الذي يصورونه به، وإنم هناك روح عام متغلغل في كل شيء. ويروي البعض الآخر أن بين أقدم النصوص البوذية نصاً ينكر الألوهية أصرح الإنكار، إذ هو يتساءل قائلا: (ما هو الإله؟ هل هو نفس العناصر؟ إذا كان ذلك فلا يكون في الأمر جديد سوى وضع اسم مكان آخر

وإذا كان غيرها، ولها هي هذه الخواص التي نشاهدها، فقد ثبت خلوه هو من بعض الخواص الثابتة للعناصر، وهو نقص فيه. وإذا كان له كل خواصها فلم يكن في حاجة إليها، لاتخاذها وسيلة لإيجاد العالم. وإذاً فنحن أمام خلاء من الألوهية يؤيده المنطق)

وأنا شخصياً أستبعد هذا الإلحاد على ذلك المتنسك النوراني والمصلح الأخلاقي العظيم، ولعل هذا النص قد دُسَّ عليه في العصر الذي تلا عصره

وكان أهم ما يرمي إليه هو تخليص الإنسانية من آلامها المتوالية التي يجددها التناسخ بقدر ما يعدده من وحدات العودة إلى الحياة التي هي في كل مرة مليئة بالألم والشقاء. وقد اعتبر بوذا - كما أسلفنا - الجهل والشهوة الأساسين الجوهريين لهذا الألم، وأكد أنه لا خلاص للإنسانية إلا بالمعرفة والتخلي عن المادة، وهما وسيلتان متلازمتان أبداً، إذ لا توجد المعرفة الصحيحة حيث يحل التهالك على المادة، ولا تستقر الزهادة حيث يوجد الجهل

ولا ريب أن هذا الحط من شأن الحياة وما فيها من متع ولذائذ قد قسم البوذيين إلى قسمين: القسم الأول الدينيون، والقسم الثاني المدنيون أو الأحرار، ولكن ليس معنى هذا أن طائفة الدينيين من البوذيين كانت مكلفة بتأدية طقوس دينية خاصة. كلا، فبوذا لم يكلف أتباعه بأي نوع من أنواع العبادة، وإنما كل ما كان يمتاز به الديني على المدني من البوذيين هو أن الأول أكثر تنسكا وأقل تعلقاً بالمادة من الثاني، وهو لهذا كان نموذجا له في حياته العملية، لأنه أسرع منه خطى في السير نحو الخلاص من شوائب المادة المدنسة

غير أنه لا ينبغي أن يفهم من هذا أن جميع أفراد الطائفة الدينية البوذية كانوا بعيدين عن جميع مظاهر الحياة، لأن الواقع يخالف ذلك، إذ كان أكثرهم مع تنسكهم يتصلون بالناس في المعاملة وأحوال المعيشة، لكن في شيء من الاعتدال، بل من الحذر والاحتياط. أما أقلهم فكانوا رهابنة يعيشون في عزلة من الناس لا ينشغلون إلا بالتأمل في أسرار الكون والنظر في عظمة الوجود

كان الملك محرماً على البوذيين الدينيين كافة حتى الذين يتعاملون منهم مع الناس، وكان الواجب على كل فرد منهم أن يتسول طعامه يوماً فيوما وألاّ يدخر شيئاً مهما قل إلى غده

أحس المدنيون من البوذيين في داخل أنفسهم بشيء من القلق المضني، فأيقنوا بأنهم لم يصلوا بعد إلى الهدوء النفساني المنشود الذي به وحده تتحقق السعادة، وبحثوا عن سبب ذلك فعلموا أنه التعلق بالمادة والتخلف عن الطريق القويم الذي سار فيه إخوانهم الدينيون، ولكنهم لم يستطيعوا أن يطبقوا على أنفسهم تلك المناهج الضيقة ولا أن يذعنوا لهاتيك القواعد التي كانت قد بدأت تقسو وتتشدد في جميع أساليب الحياة، فحظرت على البوذي أكل اللحوم والأسماك، وقيدته بأنواع محددة من الأطعمة والأشربة والثياب، ورسمت له الخطة التي يجب عليه أن يسلكها، فاكتفى أولئك الأحرار من البوذيين بالإيمان النظري ببوذا وباتباع الأخلاق البوذية السامية من: صدق وأمانة وحلم وحياء ووداعة وإيثار وتضحية وغير ذلك من جلائل الصفات، وجعلوا بيوتهم مأوي لإخوانهم الدينيين؛ أما مشكلة عدم وصولهم إلى السعادة النفسية، فقد وجدوا لها حلا طريفاً، وهو أن من آمن ببوذا وتخلق بأخلاقه وآوى رجال دينه وأكرم مثواهم وعاش عيشة مدنية، فإن روحه بعد موته تتقمص بوذ يادينيا، لتصل عن طريقه إلى الخلاص من المادة الذي يضمن لها السعادة والنجاة

مستحدثات البوذية:

أتت الديانة البوذية بمحدثات لم يكن للبراهمة بها عهد من قبل مثل نبع الوحي من داخل النفس بدل أن كان البراهمة يسندونه إلى الآلهة. ويعلق العلماء الأوربيون على هذا المبدأ بما يفيد عظمة بوذا وسموه على جميع سكان الهند وثقته بنفسه إلى الحد الذي لم يؤلف عند الشرقيين الذين وصلت ضآلتهم أمام أنفسهم إلى حد إسناد كل شيء إلى السماء، تلك الضآلة التي كادت تمحو منتجاتهم العقلية الخاصة من صحائف مجهودات الفكر البشري. وسنرد على هذه الحملة الجائرة حين نعرض للوحي والإلهام عند الكلام على الإشراقية إن شاء الله.

ومن الميزات التي اختصت بها البوذية إعلانها أن مهمتها نجاة العالم وإنقاذه من الألم والشقاء، وفي هذا الغيرية ما لم يخطر للبراهمة الأنانيين على بال، وبهذه النقطة يقترب بوذا من المسيح في نظر العلماء الذين يصدقون حادثة الصلب ويتخذون منها برهاناً على غيرية المسيح وتضحية نفسه في سبيل إنقاذ البشر من الخطايا والآثام.

ومن هذه المستحدثات البوذية إلغاء نظام الطبقات الذي مر بك مفصلا في البراهمية (الأرثوذكسية) ثم أقره عهد التطور حتى جاء بوذا فحرمه على جميع معتنقي ديانته، وإن كان الأستاذ (دينيس سورا) يرى أن بوذا لم يلغ نظام الطبقات، وإنما كانت المقاطعة التي نشر فيها ديانته خالية قبل وجوده من نظام الطبقات لأن من المسلم به أن البراهمة لم ينشروا ديانتهم في جميع بقاع الهند، ولكن هذا الرأي غير صحيح، لأن بعض النصوص البوذية روت لنا أن بوذا كان كثيراً ما يتلاقى مع بعض البراهمة يتيهون في البراري والقفار فلا يكترث بهم ولا يتلفت إليهم.

ومهما يكن في الأمر، فقد محا بوذا كل تلك الفروق التي كانت البراهمية قد وضعتها بين طبقات الشعب بزعمها أن الكهنة خلقوا من رأس براهما، والجند من ذراعيه ومنكبيه، وأرباب الحرف من ساقيه، والأرقاء من قدميه، فلما جاء هذا المصلح العظيم أعلن أن جميع بني البشر سواسية لا فضل لأحد على أحد إلا بالزهادة والمعرفة.

الأخلاق البوذية

بدأ بوذا منذ فجر اليوم الأول لتبشيره بديانته يعلم تلاميذه الفضائل التي رأى أنها وسائل الخلاص والنجاة، ولكنه شاء أن يعلمهم هذه الفضائل عن طريق إنبائهم بأضدادها، فأعلن أن الرذائل الواجبة التجنب عشر، وهي: الشهوة والمقت، والعمى والجهل، والإدعاء والرأي، والشك والإهمال، والخلاعة والوقاحة.

كانت هذه الرذائل في أول الأمر تذكر في تعاليم بوذا على النحو المتقدم، دون ترتيب ولا تخصيص، أما بعد ذلك فقد قسمت إلى فصائل اختصت كل ناحية من الإنسان بفصيلة معينة منها بعد تطورها وتحديدها في مجموعتها. وهاك هذا التقسيم: إن الرذائل التي تهوي بالإنسان عشر، وإن نواحيه التي تأتي هذه الرذائل ثلاث اختصت كل ناحية منها بعدد من تلك الرذائل، فرذائل الجسم ثلاث، وهي: التعذيب والسرقة والزنى؛ ورذائل النطق أربع، وهي الكذب والنميمة والسباب والطيش؛ ورذائل التفكير ثلاث، وهي: الطمع والخبث والتزييف.

لم تكن البوذية تسوي بين هذه الرذائل، بل جعلتها متفاوتة في مراتب الإثم كما هي متفاوتة في سرعة الانمحاء عن مرتكبها، ولكنها صرحت بأن الندم هو من أهم وسائل الخلاص منها

على أن الفضائل المضادة لهذه الرذائل المتقدمة ليست مجموعها من النوع العالي في رأي البوذية، وإنما هي فضائل سلبية لأن من تعفف عن السرقة مثلا لم يزد على أنه هجر رذيلة من شأنه أن يهجرها، وهو لهذا لا يسمو إلى درجة من يستعمل فضيلة الزهادة أو التضحية، أو ما شاكل ذلك.

وعندهم أن أهم تلك الفضائل الإيجابية ما يأتي:

(أ) حب الحقيقة.

(ب) الرأفة.

(ج) الطهر.

(د) الإحسان.

(هـ) مداومة التقوى.

(و) احتمال كل المؤلمات والمقززات. وغير ذلك مما يصادفه القارئ من أمثلة عالية في كل صفحة من صفحات السيرة البوذية الفاتنة.

(يتبع)

محمد غلاب