مجلة الرسالة/العدد 214/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 214/البَريدُ الأدَبيّ

مجلة الرسالة - العدد 214
البَريدُ الأدَبيّ
ملاحظات: بتاريخ: 09 - 08 - 1937



دولة الأدب والعهد الجديد

يحق لدولة الأدب أن تتطلع إلى العهد الجديد، عهد الملك الفتي فاروق الأول، وأن تؤمل أن تجتني من الرعاية والشباب والجدة ما يسبغ عليها قوة جديدة ويحملها إلى آفاق جديدة أوسع وأعظم من آفاقها الحاضرة، وقد كنا وما زلنا نؤمل أن تفتتح الهيئات الرسمية والعلمية العهد الجديد بطائفة من المشاريع العلمية والأدبية الجليلة؛ ومن بواعث الأسف أن الجهات الرسمية لم تفطن إلى أهمية هذه المناسبة السعيدة وكونها من أصلح الظروف لوضع المشاريع الأدبية وترتيب الجوائز العلمية والأدبية، وقد رأينا الأمم الأوربية تتخذ هذه المناسبات لتنظيم الرعاية الأدبية وتنظيم المشاريع والجوائز العلمية الجليلة، ورصد الاعتمادات والهبات لتشجيع الحركة الفكرية وتشجيع الكتاب والمفكرين، وافتتاح العهد الجديد بنوع من الحملة الأدبية والعلمية تسبغ على الحركة الفكرية حياة جديدة. أما في مصر فقد مرت هذه المناسبة الجليلة، مناسبة تتويج الملك الشاب وافتتاح عهده الغض الجديد دون أن تحظى الحركة الأدبية من جهاتنا الرسمية والعلمية بما كان خليقاً أن تحظى به من المشاريع والجوائز؛ ولم يفطن إلى هذه المناسبة سوى دار الكتب المصرية إذ رتبت عدة جوائز أدبية من الكتب للمتفوقين من الطلاب؛ وهذا الإجراء على ما ينطوي عليه من معنى مشكور إنما هو إجراء متواضع كنا نود أن يصدر مثله مضاعفاً من هيئاتنا الرسمية العلمية؛ وقد كان خليقاً بوزارة المعارف العمومية والجامعة المصرية والأزهر ومجمع اللغة أن تنظم جميعاً مشاريع وجوائز علمية تعلن في مفتتح العهد الجديد وتكون عنوان عصر جديد من الأحياء العلمي والأدبي ولكنها جميعاً غفلت عن هذه الفكرة الجليلة. على أن الوقت ما زال متسعاً للتفكير والعمل؛ وما زلنا نؤمل أن تنتهز هيئاتنا العلمية هذه الفرصة لتعمل على شد أزر الحركة الأدبية بصورة عملية؛ وإذا كانت الحركة الأدبية قد حققت لنفسها في العصر الأخير تقدماً يبعث إلى الفخر والرضى، فقد كانت في ذلك مستقلة تعمل من تلقاء نفسها، ولو حظيت بقسط من الرعاية الرسمية لكان تقدمها مضاعفاً، فهل نظفر في العهد الجديد بمثل هذه الرعاية الكريمة؟ هذا ما نرجو، وهذا ما ندعو إليه.

آثار للشاعرة سافو بمص عثر أحد علماء الآثار الإيطاليين وهو السنيور بريشا والسيدة ليديا نورسا أثناء مباحثهما في مصر عن الآثار الخزفية القديمة على قطعة من الخزف ترجع إلى القرن الثاني من الميلاد، وقد نقشت عليها ثمانية عشر سطراً من نظم الشاعرة اليونانية الشهيرة (سافو)، وهي أول مقطوعات من نوعها وجدت لهذه الشاعرة وقد قام بترجمة هذه النقوش العلامة الإيطالي جو فريد كوبول، وظهر من تلاوتها أن الشاعرة قد كتبتها أثناء إقامتها بجزيرة أقريطش، وهي في ملخصها ترنم بمحاسن الطبيعة والأحراج الخضراء في تلك الجزيرة.

وسافو كما هو معروف أعظم شاعرة عرفت في التاريخ، وهي يونانية عاشت في أواخر القرن السابع وأوائل القرن السادس قبل الميلاد، وهي صاحبة أعظم وأجمل مقطوعات غنائية عرفتها دولة الشعر.

ومن الغريب أن تخرج هذه التحفة الأثرية من مصر؛ ومن الأسف ألا تجد السلطات المصرية وسيلة لمنع هذا السيل المتسرب من تحفنا وآثارنا.

مؤتمر للصيد تمثل فيه مصر

من أنباء برلين أنه سيعقد بها مؤتمر دولي عظيم للصيد في شهر نوفمبر القادم؛ وسيقام إلى جانبه معرض للصيد يكون أعظم ما عرف العالم من نوعه إذ سيغطي مساحة قدرها نحو عشرة أفدنة، وسيضم نماذج من آلات الصيد ومناظره المختلفة منذ فجر التاريخ إلى يومنا، وستشترك مصر في هذا المؤتمر، وترسل نماذج وصوراً من آثارها المتعلقة بالصيد عند الفراعنة لتعرض في هذا المعرض العظيم.

العيد المئوي لدار نشر عظيمة

احتفلت دار النشر الألمانية الشهيرة (تاوخنتز) بعيدها المئوي؛ ولعله لا يوجد بين مئات الملايين اللذين يقرءون الإنكليزية في مختلف أنحاء الأرض من لا يعرف مطبوعات هذه الدار الشهيرة التي اشتهرت بجمالها وأناقتها واعتدال أثمانها؛ وقد كان تأسيس هذه الدار في سنة 1837 على يد كرستيان برنهارد تاوخنتز، أسسها لتقوم بنشر مؤلفات الكتاب البريطانيين والأمريكيين وبالفعل لم تترك علماً من هؤلاء الكتاب اللذين يكتبون بالإنكليزية إلا نشرت جميع مؤلفاته في قطع جميل موحد، وتضمنت مطبوعاتها مؤلفات جميع كتاب العصر الفكتوري مثل ليتون وتاكري وكارلايل ودكنز وكولنس وهاردي وكونان دويل وكابتن ماريات، وجميع الكتاب الأمريكيين مثل كوبر ومارك توين وبريت هارت وادجار بو وهاو تورن وغيرهم؛ وقد جرت الدار على أن تنشر مؤلفات الكاتب كلها في نفس القطع والشكل؛ وقد أخرجت حتى يومنا أربعين ألف مجلد و5260 كتاباً للمؤلفين الإنكليز والأمريكيين في القرن الماضي والقرن الحاضر.

ومن الغريب أن دار تاوخنتز كانت تنشر كتب المؤلفين دون استئذان ولكنها كانت ترسل إليهم بعض تعويضات عن حقوقهم وكان ذلك صنيعاً يحمد من جانبها لأنه لم يكن هناك في ذلك العصر تشريع دولي لحماية المؤلفين وحقوق التأليف، ولكن مطبوعات تاوخنتز لم يكن يسمح بدخولها في إنكلترا ولا الأملاك البريطانية لاعتدائها على هذه الحقوق فيما يظهر، بيد أن السائح الإنكليزي يشتري منها خارج بلاده بكثرة، ويشتريها جميع اللذين يتكلمون الإنكليزية في مختلف البلاد. ويقدر أن قراءها من الإنكليز لا يزيدون على عشرين في المائة بينما يقدر قراؤها من أبناء الأمم الأخرى بنحو ثمانين في المائة.

وفي سنة 1934 بيعت حقوق أسرة تاوخنتز في النشر إلى دار نشر ألمانية أخرى في ليبزج هي دار أوسكار براندشتتر، وهي تقوم أيضاً بنشر المؤلفات الإنكليزية تحت عنوان معروف هو (مكتبة البتروس)

التاريخ السياسي المعاصر

صدر أخيراً بالإنكليزية كتاب عن التاريخ السياسي المعاصر عنوانه (العلاقات الدولية منذ معاهدة الصلح) لمؤلفه المؤرخ الأستاذ هنري كار وقد كان الأستاذ كار مدى أعوام طويلة، من كبار موظفي وزارة الخارجية البريطانية، وأتيحت له فرصة حسنة لدراسة العلاقات الدولية عن كثب ومراجعة المحفوظات والوثائق الهامة؛ وهو يقدم لنا في كتابه عرضاً موجزاً للحوادث والعلاقات الدولية منذ عقد معاهدات الصلح في سنة 1919 حتى سنة 1937، ومن رأيه أن معاهدة فرساي كانت وثيقة سيئة لم يحسن وضعها، لأنها قصدت في مجموعها إلى إذلال ألمانيا وانتهاز فرصة هزيمتها وضعفها إلى حدود أبعدت الشعب الألماني نهائياً عن أوربا الغربية وجعلت من المستحيل على الحلفاء السابقين أن يطمعوا في ولائه أو مصادقته، ثم يستعرض الأستاذ كار سياسة إيطاليا الفاشستية وألمانيا النازية في النمسا وأوربا الوسطى، وأن ما يجمع بين السياستين هو عاطفة السخط على الدول التي استغلت ظفر الحرب واستولت على جميع الثمار والأسلاب، ولكن هذه الجامعة السلبية ينقصها كثير من عناصر الوئام والتناسق. وكتاب الأستاذ كار على العموم سجل بديع لتاريخ الدبلوماسية الأوربية منذ خاتمة الحرب الكبرى إلى يومنا.

الحب والشعراء

قرأت المقال الطريف (في الحب أيضاً) للأستاذ الأديب إبراهيم عبد القادر المازني في الرسالة عدد 208 حتى وصلت إلى قوله: (وخليق بالمرء وهو ينظر إلى هذه الفتنة المجتمعة، أن تدركه الحيرة، وأن يزوغ بصره، فلا يعود يدري أي هؤلاء الجميلات أولى بحبه، فإن لكل جسم فتنة، ولكل محيا سحره، ولو أني وقفت على البحر لكان الأرجح أن أحب هؤلاء جميعاً، جملة، وأن أشتهي أن أضمهن كلهن في عناق واحد فإن الظلم قبيح. ونفسي لا تطاوعني على غمط الجمال في أية صورة من صوره. ومن يدري لعل القدرة على إدراك معاني الجمال في مظاهره المختلفة هي التي وقتني الحب، ومنعت أن أعشق واحدة على الخصوص وأجن بها) الخ

وهنا رأيت أن روح التصوف قد حلت في الأستاذ من غير أن يعرفها، أو يعرفها ولا يريد أن يتظاهر بها. فإنه بين الصوفية من يقول: (همه أوست) أي كل شيء هو؛ ويرى أن الله روح سائر في الكون. فكل شيء فيه مظهر من مظاهر جماله تعالى. لذلك لا وجود للقبح عندهم بل كل شيء حسن في ذاته. وهؤلاء غير من يقول (همه أزوست) أي كل شيء منه. فهم لا يقولون كقولهم إن الله روح سائر في الكون، بل إنه تعالى مصدر لوجود الكون، وإن كل شيء في الكون وميض جمال قدرته وشعاع كمال صنعه؛ وعلى هذا فلا وجود للقبح بالنسبة إلى قدرته تعالى وصنعه

ولكن هؤلاء الصوفية مع تلك العقيدة لم يضنوا بقلوبهم على فرد خاص من أفراد الجمال الكثيرة في هذا العالم كما يضن الأستاذ بقلبه. فإننا كلما تتبعنا حوادث حياتهم ودرسنا سيرتهم وجدنا أن قلب كل منهم تقريباً علق بفرد خاص من أولئك الأفراد وأصبح فيما بعد دليلاً لسموهم النفسي، وسبباً لتقدمهم الروحاني

بقى ما هو الحب؟ فينظر الأستاذ إليه نظرة المتشائم ويقول إنه مرض، وينسب ما أتصف به الحب من المزايا والمحاسن في الشعر والأدب إلى الشعراء ومبالغتهم فيه. فكأن الشعراء هم اللذين وصفوا هذا المرض المستحق للذم بالأوصاف والمزايا تفاؤلاً فيه، وإلا فهو نفسه لم يكن خليقاً بها. لذلك ختم الأستاذ مقاله بالدعاء على الشعر والشعراء. ولكننا نقول للأستاذ ألا يبادر في الدعاء عليهم فإن للتشاؤم وجوداً في كل مكان مهما كان مصدره، سواء أكان خيبة أمل، أم كبر السن، أم فساد الطبع. فبين الشعراء أيضاً من يرى رأي الأستاذ. قال الشاعر الفارسي:

جنين قحط سال شداندر دمشق

كه ياران فراموش كردند عشق

اشتدت المجاعة في دمشق إلى درجة أن نسى الناس العشق.

وقال الآخر: أين نه عشق أست آنكه در مردم بود

أين بلا أزخوردن كند بود

إن العشق الذي يوجد في الإنسان لا أصل له فأن هذا البلاء يوجد من أكل القمح.

السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي

القسام والقسامة، السمحة

قال الأستاذ فكري أباظة: (لماذا لا يستعمل الناس هذا اللفظ الجميل البليغ - يعني الكسم - ولا أعلم ما رأى مجمع اللغة العربية في فصاحته ودقته وروعته)

قلت: هذا (الكسم) العامي هو القسام والقسامة محرفين ناقصين ففي (التاج والأساس): (قسم قسامة والمقسم والقسيم: الجميل معطي كل شيء منه قسمة من الحسن فهو متناسب كما قيل متناصف. ورجل قسيم وسيم بين القسامة والقسام)

ومن استثقل (القاف الثقيلة) لفظها سعدية زغلولية أو محمودية رازقية (نسبة إلى محمود باشا عبد الرزاق رحمة الله عليه) أو علوية وقراءة جماعة منهم في القرآن بها - كما قال ابن خلدون - وهي متوارثة فيهم، ويرون أنها الصحيحة المضرية. وقاف الجماعة هي بين القاف والكاف

وما دمت في ألفاظ. . . فأقول: إني وجدت في هذا الشهر العربي في جريدة ومجلة وكتاب هذه الكلمة غير الصحيحة: (السمحاء) وهي لفظة لا توجد في الأرض ولا في السماء، وإنما هي (السمحة) أي السهلة كما في (النهاية) والحنيفية السمحة هي الملة التي ما فيها ضيق ولا شدة كما في (اللسان والتاج) فهناك السمح والسمحة لا الأسمح ولا السمحاء. والحديث المشهور الذي رواه الخطيب عن جابر هو: (بعثت بالحنيفية السمحة، ومن خالف سنتي فليس مني) وهو من الأحاديث الضعيفة كما في (الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير)

للحافظ الأسيوطي

قارئ