مجلة الرسالة/العدد 214/مصطفى لطفي المنفلوطي

مجلة الرسالة/العدد 214/مصطفى لطفي المنفلوطي

مجلة الرسالة - العدد 214
مصطفى لطفي المنفلوطي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 09 - 08 - 1937


بمناسبة ذكراه الثالثة عشرة

- 2 -

كان مولد المنفلوطي كمولد الرافعي في بيت كريم بالدين جليل بالفقه توارث أهله قضاء الشريعة ونقابة الصوفية قرابة مائتي سنة؛ ولكنه كان خِلْفةً لنبعتين مختلفتين: فأبوه عربي صريح النسب إلى عترة الحسين، وأمه تركية شابكة القرابة إلى أسرة الجوربه جي؛ ونهج المنفلوطي سبيل آبائه في الثقافة، فحفظ القرآن في المكتب، وتلقى العلم في الأزهر؛ لا أن للأدباء من أبناء الفقهاء نَبوةً في بعض الحالات على إرادة الوراثة والنشأة؛ فهم يصدفون في منتصف الطريق عن دروس الفقه والأصول والعقائد، إما لأن أذواقهم الأدبية الموهوبة لا تسيغ أساليب كتبها المعقدة، وإما لأن طباعهم المدنية الحرة لا تطيق الحياة الدينية المقيدة. فكان السيد مصطفى على الكره من ورع قلبه ورعاية أبيه لا يُلقي باله كثيراً لغير علوم اللسان وفنون الأدب؛ فهو يحفظ الأشعار، ويتصيد الشوارد، ويصوغ القريض، وينشئ الرسائل، وتسير له شهرة في الأزهريين بذكاء القريحة وروعة الأسلوب فيقربه الأستاذ الإمام ويرسم له الطريقة المثلى إلى الغاية من الأدب والحياة. ثم يستفيد المنفلوطي من قربه إلى الإمام صلته بسعد باشا، ومن زلفاه لدى هذين العظيمين نُفوقه لدى (المؤيد)؛ والإمام المجتهد محمد عبده، والسياسي الخطيب سعد باشا، والصحفي الكاتب علي يوسف، كانوا أقوى العناصر في تكوين المنفلوطي الأديب بعد استعداد فطرته وارشاد والده؛ وأولئك الثلاثة كانوا على ما بينهم من التفاوت في نواحي النبوغ أفهمَ رجال العصر الحديث لحقيقة الأدب وأشدهم حدبا على بؤس أهله.

كان المنفلوطي لا يعمل جادّاً لشهادة الأزهر، وإنما كان يعتمد في نيلها على جاه الإمام، كما كان يعتمد من هم على شاكلته من أبناء العلماء على وساطة والديهم؛ والإمام المفتي مفسر وحي الله، وشارح فن عبد القاهر، ومعيد الأدب إلى الأزهر، كان يقيس كفاية الطالب بمقياس سيبويه لا بمقياس أبي حنيفة. فلما قبضه الله إلى رحمته جزع المنفلوطي فيه على سنده وأمله، وارتد مقطوع الرجاء إلى بلده. ثم نعش الله عاثر أمله بعد فترة من الزمن فهب يبتغي في (المؤيد) الوسيلة إلى النباهة والنجح، وأوى من الوزير سعد باشا حامي النبوغ إلى ركن منيع، فخلق له منصب التحرير في وزارة المعارف فضمن له به رغد العيش ووفرة الإنتاج حتى اختار الله له ما عنده

كان المنفلوطي أديباً موهوباً حظ الطبع في أدبه أكثر من حظ الصنعة؛ لأن الصنعة لا تخلق أدباً مبتكراً ولا أديباً ممتازاً ولا طريقة مستقلة؛ والنثر الفني كان على عهده لوناً حائلاً من أدب القاضي الفاضل، أو أثراً ماثلاً لفن ابن خلدون؛ يتمثل الأول قوياً في طبقة المويلحي وحفني ناصف، ويظهر الثاني ضعيفاً في طبقة قاسم أمين ولطفي السيد؛ ولا يستطيع ناقد أن يقول إن أسلوبه كان مضروباً على أحد القالبين؛ إنما كان أسلوب المنفلوطي في عصره كأسلوب ابن خلدون في عصره بديعاً أنشأه الطبع القوي على غير مثال؛ والفرق أن بلاغة (النظرات) مرجعها إلى القريحة، وبلاغة (المقدمة) مرجعها إلى العبقرية.

أَعلم أن المنفلوطي تأثر في القديم بابن المقفع وابن العميد، وفي الحديث بجبران ونعيمة، ولكن هذا التأثر دخل في فنه دخول الإلهام والإيحاء، لا دخول التقليد والاحتذاء؛ فله من الأولين إشراق الديباجة وقوة النسج، وله من الآخرين جدة الموضوع وطرافة الفكرة، ولكنك لا تتذكر وأنت تقرأه أحداً من أولئك جميعاً.

عالج المنفلوطي الأقصوصة أول الناس وبلغ في إجادتها شأواً لا ينتظر من نشأة كنشأته في جيل كجيله. وأذكر أننا كنا نقرأ (غرفة الأحزان) و (اليتيم) وأمثالهما فنطرب للقصة على سذاجتها أكثر مما نطرب للأسلوب على روعته. وسر الذيوع في أدب المنفلوطي ظهوره على فترة من الأدب اللباب، ومفاجأته الناس بهذا القصص الرائع الذي يصف الألم ويمثل العيوب، في أسلوب طلى وسياق مطرد ولفظ مختار. أما صفة الخلود فيه فمأتيةٌ من جهتين: ضعف الأداة وضيق الثقافة. فأما ضعف الأداة فلأن المنفلوطي لم يكن عالماً بلغته ولا بصيراً بأدبها، لذلك تجد في تعبيره الخطأ والفضول ووضع اللفظ في غير موضعه. وأما ضيق الثقافة فلأنه لم يتوفر على تحصيل علوم الشرق، ولم يتصل اتصالاً مباشراً بعلوم الغرب؛ لذلك تلمح في تفكيره السطحية والسذاجة والإحالة. فإذا قدر الله لأدب المنفلوطي أن يفقد سحره وخطره في أطوار المستقبل، فإن تاريخ الأدب الحديث سيقصر عليه فصلاً من فصوله يجعله في النثر بمنزلة البارودي في الشعر. وكفى بذلك عرفان فضل وخلود ذكر. أما مسألة الأدب الباكي والأدب الضاحك، أو الأدب الضعيف والأدب القوي فمغالطة مريضة من النقد سنعرض لها في فرصة أخرى.

احمد حَسن الزياتْ