مجلة الرسالة/العدد 221/محمد بن جعفر الكتاني

مجلة الرسالة/العدد 221/محمد بن جعفر الكتاني

ملاحظات: بتاريخ: 27 - 09 - 1937



بمناسبة مرور عشر سنوات على وفاته

للأستاذ محمد المنتصر الكتاني

تمهيد

في تاريخ الرجال كثير من الخلاف يكاد يعجز الباحث والمؤرخ عندما يريد التوفيق - وتاريخ رجال المغرب ورجال المشرق في هذا سواء - فبينا أنت تقرأ عن خالد مثلا انه ولد في القرن الثاني إذا بك تجد في تاريخ آخر أنه مات في القرن الرابع، ثم هو نفسه تارة يصوره لك بعض المؤرخين في صورة العابد العالم الثقة الصدوق، وحيناً تقرأ عنه عند غير المؤرخ الأول انه لم يكن بالعالم ولا الثقة وإن هو إلا كذاب مضل. وفي كتب التراجم أمثلة لهذا النوع كثيرة.

ويريد جمع من النقاد معرفة السبب فتعييهم المعرفة ويملهم تعداد الأسباب والاحتمالات فيقفون عندها دون جزم بواحد منها

وعندي أن لذلك أسباباً كثيرة أهمها:

(1) فقدان الثقة في كثير من المترجمين. إذ هؤلاء يكتبون - عمداً - ما توحيه إليهم أغراضهم وإن خالفت ما يعرفون.

(2) جهل بعضهم بحالة المترجم، فهم إذا سئلوا عنه حملهم الاعتداد الكاذب بالنفس أن يجيبوا بصفات لو قدر وعاش المسؤول عنه وسمعها لنفاها وأنكر أن تكون فيه؛ وقد يضطر هذا المجيب لكتابة ما أجاب به فيزيده تنميقاً وتزويراً في جمل مغرية مشوقة يستر بها تضليله وكذبه.

(3) الخصومة المذهبية. فترى المؤرخ في هذه الحالة يهتم اهتماماً مريباً بالبحث عن النقائص، حتى أنه ليجهد نفسه إلى حد الإعياء ليخرج له معايب من قصص وحوادث تافهة لا يؤبه لها عادة. وكنا نحسن الظن في هذا الخصم المذهبي لو اعتنى بالمزايا اعتناءه بالنقائص ولكنه لا يعرج له على مزية ولو كانت كوضح الشمس، وبالعكس الحب المذهبي، فبقدر ما يخفى من مزايا الأول ومحاسن يستر هذا الثاني العيوب والمخازي.

(4) الاستسلام لإحدى عاطفتي الحب والبغض، فذاك صديق المؤرخ أو سلف لصديقه توجب عليه المجاملة والإطراء المتبادل أن يخضع لمقتضيات هذه الصداقة فيحسن القبيح ويقبح الحسن ويعرف المجهول ويجهل المعروف، وبالعكس لو كان المترجم عدواً له أو سلفاً لعدو؛ وقد يكون الحامل على الحب أو البغض غير الصداقة والعداوة

(5) الخوف من ذي نفوذ أو سلطان، فهو إذا تكلم بالحقيقة عذب وأهين فيتحاشا هذه الإهانة وذاك العذاب - إذ لم يكن من الكلام بد - بالتقية متأولا على أنها مذهب لكثير من طوائف المسلمين إن لم يكن ديناً فتديناً! وقد يستغني عن التأويل. وهذا السبب الخامس لم يكد يخلو منه أحد من مؤرخي المتقدمين والمتأخرين

(6) الجبن الأدبي أو يسمونه بفقدان الشجاعة الأدبية، فهو إذا تكلم خاف ألا يقبل كلامه أو يتهم فيه بغرض، ومن خصائص هذا الجبان الأديب الخوف من النقد لحد الهلع، وإن تحمس يوماً واقتحم هذه الأوهام وكتب شيئاً لا يجرؤ أن يوقعه باسمه الصريح بل يكتفي بالرمز؛ وهذه العلة هي داء كثير من الثقات في هذا العصر لو تغلبوا عليها لأنتجوا وأفادوا

وأزيدك شيئاً وهو أني لا أرى علاجاً لهؤلاء أنفع من وجوب اعتبار الشروط المطلوبة في رواة الحديث من عدالة وضبط ومعرفة في مؤرخي الرجال، فكما أن المحدث لا تقبل روايته إذا فقد منه أحد الشروط الثلاثة فكذلك المترجم لا يلتفت لكلامه إلا إذا عرفت ثقته وعدالته ومعرفته بالرجل الذي يترجم له معرفة يثبت سندها ومصدرها؛ وبهذا فقط تسلم الأعراض من الأغراض وتحفظ الحقوق فلا يوضع رفيع ولا يرفع وضيع

لهذه الأسباب التي جعلتها كقواعد جامعة لما لم أذكر من العلل ولغيرها سقطت قيمة كثير من كتب التراجم قديماً وحديثً. وتمتاز الحديثة منها (والحمد لله الذي لا يحمد على شر سواه) بالتفنن في أساليب الطعن والغمز واللمز ببراعة لا يفطن لها الكثير من الناس إلا قارئ عنى بها عناية خاصة أو قارئ أتيحت له معرفة دخائل جامعيها ونواياهم. أضف إلى هذا ما فيها من تراجم قوم لم يعرفوا بين عشيرتهم حتى بالطلب قد أغدقوا عليهم من بحور العلم ما غمرهم ومن جبال السنة ما دك كواهلهم دكا، ومن صفات النبل والكرم ما أصبحوا به ملائكة تعوزهم الأجنحة إلا أن معرفة مرافقيهم بهم قصتها، ومن ضروب الإصلاح والإرشاد ما يشرحه العارفون بلغتهم على النقيض من ظواهر اللفظ والمعنى، وهنا يجمل المذهب القائل بان لكل لفظ ظهراً وبطناً واحداً ومطلعاً.

وبعد فهذه ترجمة إمام كبير عرفه الناس قبلي وترجموه لكن باختصار وعلى غير هذا الأسلوب، تربطني به صلة هي صلة الوالد بالولد، بل صلة الروح بالجسد؛ ولكي يطمئن قارئي ويهدأ روعه أعاهده عهداً أدين بوفائه ألا أكون أحد أولئك المترجمين الستة؛ وسأحمل نفسي على تناسي هذه الصلة الكريمة زمناً؛ وسأعني بالحق المجرد ولو كان علي أو عليه مقتصراً على ذكر حياته - دون تحليل - في شيء من التفصيل وتاركاً كثرة تلك التعاليق الفضفاضة التي اعتادها الناس اليوم والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على نفس المؤرخ أكثر مما تدل على نفسية المؤرخ له، ولا يفرغ إليها غالباً إلا من فقد مادة القول في أحوال من يترجمه وما جرياته. وفي اعتقادي أن ذلك مما يشوه الحقائق التاريخية ويغطيها بحجاب كثيف يعسر على الناقد النزيه تمزيقه ويقصي القارئ عن تفهم الأشياء بعقله لا بعقل سواه غير متأثر ببيئة أو مذهب

وقد رتبت حياته على فصول، فأذكر أولاً أسرته ثم نسبه فنشأته فمشايخه فتلاميذه، معرجاً على وصف خلقه وخلقه ومذهبه ومعارفه وثناء الكبار عليه ومدائح الشعراء فيه وتعلق الملوك به، ثم أرجع فأتحدث عن رحلاته ومؤلفاته وشرح العلماء لها أو ترجمتها أو نقدها واختم الترجمة بحادثة وفاته ورثائه ونقله فذكر مترجميه فأوهام بعضهم فمصادر الترجمة

وقد أخالف هذا الترتيب أو أسهب في فصل وأختصر في آخر مضطراً في الإسهاب والاختصار لما بيدي من ثروة المادة أو فقرها

أسرته

تنحدر أسرة الإمام ابن جعفر من سلالة الفاتح بن الفاتح إدريس بن إدريس المطلبي الهاشمي الحجازي ثم تتشعب بطوناً وأفخاذاً حتى تنحصر في ملك زواوة الكتاني يحيى بن عمران

كانت فاس مقر أسلافه في ظلال ملوك دولتهم الأدريسية التي ملكت مائتي سنة وثلاث سنين سوى شهرين تقريباً وكان عملها بالمغرب من السوس الأقصى إلى مدينة وهران وقاعدة ملكهم مدينة فاس ثم البصرة، وكانوا يكابدون مملكتين عظيمتين ومتغلبين كبيرين هما دولة العبيديين بمصر وأفريقيا ودولة بني أمية في الأندلس، وكانوا ينازعون الخلفاء إلى درك الخلافة العظمى ويقعدهم ضعف سلطانهم وقلة مالهم بالنسبة إلى هاتين الدولتين

وفي سنة 317 تغلب موسى بن أبي العافية السفاح البربري على جميع بلاد المغرب بعد حروب وفتن طالت وأزمنت بينه وبين الأدارسة انتهت أخيراً بانتصاره والانتقام منهم انتقاماً خسيساً فقتل كثيراً وذبح كثيراً ومن أفلت منهم أجلاهم عن بلادهم وأخرجهم من ديارهم مغلوبين على ملكهم مطرودين عن دار عزهم التي بناها أسلافهم وفروا بأجمعهم إلى قلعة حجر النسر فتبعهم السفاح إليها وشدد عليهم الحصار وحاول استئصالهم والقضاء عليهم لولا تقريع رؤساء المغرب وأكابر دولته له إذ قالوا (أتريد أن تقطع دابر أهل البيت من المغرب وتقتلهم أجمعين؟ هذا شيء لا نوافقك عليه ولا نتركك له) فخاف قولهم (ولا نتركك له) واعتبره تهديداً بالثورة عليه فارتحل عنهم لفاس وخلف عليهم قائده أبا الفتح التسولي في ألف فارس يمنعهم من التصرف

وقد ذكر الإمام المقري في كتابه الكنوز أسماء جماعة من الأدارسة الذين فروا من قلعة حجر لهذا الحصار المخنق الذي تركه عليهم بن أبي العافية، وذكر المواضع التي فروا إليها، فكان من بينهم جد أسرة الإمام الملك يحيى بن عمران. ولفظ المقري: (ثم فر إلى زواوة الكتاني أمير المؤمنين يحيى بن عمران بن عبد الجليل بن يحيى بن يحيى بن محمد بن إدريس)

وما أن وطئ يحيى بن عمران هذا التراب زواوة حتى بايعه أهلها ولقبوه بأمير الناس. يؤخذ هذا من كلام بن جزى في مختصر البيان حيث عرف الكتاني يحي وهو يتكلم عنه بملك زواوة أمير الناس. ومن كلام المقري حيث نعته بأمير المؤمنين بل صرح ببيعة قبائل زواوة ليحيى العلامة الشريف الزكي المدغري قال في درته: خرج هذا الجد - يعني يحيى - من فارس مع أبناء عمه واستقر معهم في حجر النسر ثم انتقل إلى جبل زواوة حوز الجزائر فاراً بنفسه وبويع بذلك الجبل وسمي أمير الناس.

ونقل عنهم هذا جماعة من متأخري المؤرخين

ويدل على وجود هذه الإمارة أو هذه الدولة التي لم أعرف من ملوكها غير يحيى بن عمران ما خلفت من معاهد وآثار في القطر الجزائري لا تزال مائلة إلى اليوم مما لا يكون عادة إلا من أثر الملوك والدول. ومن هذه الآثار مسجد سيدي الكتاني بقسطنطينية، قال عنه مؤرخ الجزائر الأستاذ احمد توفيق المدني: هو من أجمل وأبدع مساجد القطر الجزائري. ومنها مدرسة سيدي الكتاني التي بجانب المسجد قال عنها المؤرخ المدني: ولا تزال إلى يومنا مدرسة علم. وذكر في النبذة أن لها أوقافاً وناظراً ومدافن لبعض أهل العلم

وبما سقت من النقول والأدلة على إمارة الكتاني يحيى يظهر خطأ العلامة القاضي محمد الطالب ابن الحاج إذ يقول عنه في كتابيه الأشراف ونظم الدر: وكان يعرف بأمير الناس مع كونه لم تتقدم له ولاية إذ لم أقف على من ذكره من الأمراء. وإذا علمت أن حجة القاضي بن الحاج في نفي الإمارة عن يحيى إنما هي عدم وقوفه على من ذكره من الأمراء علمت وهن هذه الحجة بوقوف غيره على من ذكره منهم كابن جزى الكلبي والمقري والشريف المدغري - وكلهم أقدم منه - وغيرهم ممن نقل كلامهم؛ على أن قول القاضي: ولعل ذلك - يعني شهرة يحيى بالكتاني - لظهور الخباء من الكتان أيام إمارة بعض أسلافه ما يشعر باضطرابه في نفي هذه الأمارة إذ المعروف عند كافة من أرخ للعائلة - وهم كثير سيأتي ذكر بعضهم - أن يحيى هذا هو أول من استبدل خيام الصوف والشعر بالكتان أيام إمارته هو لا إمارة بعض أسلافه كما يزعم بن الحاج ويؤكده إجماع المؤرخين - وبن الحاج منهم - على أن يحيى بن عمران أول من لقب بالكتاني لهذا السبب

وفي بحر القرن السادس في دولة السلطان المرشد عبد المؤمن ابن علي الموحدي رحمه الله رجع أسلافه من زواوة إلى المغرب الأقصى واستوطنوا مدينة شالة وقيل بل استوطنوا قبيلة بني الحسن، ووفق الإمام في النبذة بين القولين بأن قبيلة بني الحسن كانت إذ ذاك من عمالة شالة فهي في حكم المحل الواحد. وهو توفيق وجيه، وتسمية الممالك باسم قواعدها استعمال شائع بين كل الناس منذ القدم، ويجوز في النبذة أن يكون الراحل الأول من زواوة هو الشريف محمد بن عبد الله بن هادي بن أمير الناس الكتاني يحيى وأن يكون ولده الشريف أبا بكر حفيد حفيد الكتاني الأمير

وفي سنة 656 أو 654 كما ذكر جماعة من المؤرخين، وقال الشريف الفضيلي سنة 666 أو 664 انتقل أسلاف الأمام رحمه الله من شالة إلى مكناسة الزيتون، وأفاد مؤرخ لا أعرفه! إن المنتقل الأول إلى مكناسة هو الشريف موسى بن أبي بكر بن محمد

واشتهر منهم بهذه المدينة علماء أجلة وفقهاء مهرة وعارفون كبار ترجم لبعضهم مؤرخ البيت المالك النقيب ابن زيدان في تاريخ مكناس

وفي آخر القرن التاسع كما حقق الإمام رجع من مكناس إلى فاس مدينة الآباء والجدود أول قادم منهم وهو الشريف محمد بن قاسم بن عبد الواحد ونزل بحي عقبة بن صوال وبقيت بها منهم فرقة انقرضت في أواخر القرن الثاني عشر وهم أولاد الشريف أحمد بن علي بن أحمد ولم تزل فاس عشهم إلى الآن سوى أفراد اختاروا السكنى بغيرها من مدن المغرب وآخرين طوح بهم الزمن إلى السنكال وصعيد مصر ودمشق

وكان أسلافه في كل هذه المدن التي حلوا بها كقبائل زواوة وتلمسان وضواحيها وشالة ومكناس الذروة والسنام لشهرتهم بينهم بالدين المتين والتقوى والعلم والفقه والشرف المتواتر

قال ابن خلدون في مقدمة العبر على شرف بني ادريس - وآباء الإمام منهم - إنه قد بلغ من الشهرة والوضوح مبلغاً لا يكاد يلحق ولا يطمع أحد في دركه إذ هو نقل الأمة والجيل من الخلف عن الأمة والجيل من السلف

وقال العلامة القاضي محمد الطالب أبن الحاج في نظم الدر واللآل: واشتهر هنالك - زواوة أولاده - الملك الكتاني يحيى - بصراحة الشرف، وظهروا ظهور النار على الشرف. قال ثم انتقلوا من زواوة إلى بني الحسن من عمالة ومنها لمكناسة الزيتون وكان لهم فيها الصيت الشهير بصراحة النسب وعلو المكانة وعظيم الحظوة عند ملوك بني مرين، ومنها انتقلوا إلى فاس ومن لدن انتقلوا إليها وأهلها يعظمون قدرهم، ويعدون في المحافل فخرهم، ويثبتون تواتر شرفهم ويتنافسون في مصاهرتهم، ويتفاخرون بمجاورتهم ومصاحبتهم

(له بقية)

محمد المنتصر الكتاني