مجلة الرسالة/العدد 223/الأدباء المحترفون

مجلة الرسالة/العدد 223/الأدباء المحترفون

مجلة الرسالة - العدد 223
الأدباء المحترفون
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 10 - 1937


للأستاذ مصطفى جواد

الأدب في كل أمة غذاء النفوس من كدر المادية المُبْرَأَة من أمراض الطمع والجشع، السالمة من إسار المكايد والخدائع؛ والأدباء في كل شعب هم الطبقة الرفيعة في المراتب البشرية، المحلقة في سماء الصفاء بأجنحة لطف ارق من الهواء. والمادية لا تؤمن بدين الأدب ولا عطف لها على البشرية ولا رحمة، فالأديب نورانيّ والمادة بهيمية ترجع بالإنسان إلى عصور كان ينازع فيها الوحوش فرائسها، وبعد الشبع والري من الدنيا نفائسها؛ وكلما رقى العقل في الصناعات انخفضت العاطفة واستبدت المادية واستحكمت الوحشية، فلولا الأدباء بين الناس كالنجوم الزهر في السماء الدنيا لبدا ليل المادية اشد ظلاماً وأهول منظراً. ولعله سيأتي زمان يتخفى فيه الأدباء كما كان الأنبياء يتستّرون من الناس في أول الاستنباء، ورأس المحنة وأيام الدعوة، خشية الاستهزاء والإزراء والتعذيب والتقتيل، وإذن لا يعصم الأدباء يوم ذاك من ضربة المادية إلاّ شبه جمهورية أفلاطون وإلا مثل المدينة الفاضلة التي أفكر فيها فيلسوف فاراب. أما ما فعله الشيوعيون لأدباء الشيوع في روسيا من قصرهم في قريةٍ نزهةٍ وإمدادهم بضروري المادة ليستهتروا بالاستشاعة ويدعوا إلى التشارك فهو أخلق بالأدب المبتذل والشعور المنتحل والعواطف المعطوفة والنفوس المأسورة والانفعالات المكبوته، فما أغنى الشيوعيين عما فعلوا وما كان أحرى الأدباء بالإباء على هذا الازدراء! وكلما علت امتاز الأدباء عن أهل المادة وعبدة الحيوانية، فيعيشون منفردين معتزلين كالمتصوفة في الربط الهادئة إلا من تسبيح وتحميد، وكالرهبان في الأديار الواجمة إلا من تكفير وارتسام، يزرعون فيحصدون ويغرسون فيجتنون، لا تجارة تلهيهم ولا تكالب يقسيهم ولا انخداع يؤذيهم، فهم حينذاك صفوة الصفوة، وأيتام الإنسانية وملائكة البشر، يضيع أحدهم بين الناس كما يضيع إذا هبط بين البشر، بل هو أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، فويل لأهل الأدب من شر قد اقترب.

الأدب عدوّ المادة، والمادة غائلة الأدب. وأعني بالأدب في كل ما أسلفت من القول (مولدات العواطف ونتائج العقول من وصف حزين وأسباب حزنه، ونعت فرح وأسباب فرحه، مزخرفاً ببدائع الكون، أو مطلياً ببهرجه وغلوائه، ممهداً له بوصف الجمال وذك القبح وتبيان الخلق أو سوئه والتصريح بالمدح والقدح، فيكون ذلك للأدب كالحلي للعروس أو كالحطب للنار) وحد هذا الأدب (حركة العواطف واشتغال العقل والتأسيس على الحقيقة والخيال) فهو - كما قدمنا - غذاء النفوس البشرية الرائقة وحبيب الإنسانية وربيب الحقيقة والامكان؛ فالمحترف بحرفة المادة لا يقدر على دخول جنة الأدب؛ والأديب لا يستطيع الخروج إلى جهنم المادة وما أعفه عن ذاك. فكيف يبلغ امرؤ أن يتردد بين الجنة والنار ويجمع بين السلم والحرب؟ وإذا ما رأينا واحداً قد ألم بالبرزخ تنفح إليه نسمات جنة الأدب من أمام، وتلفحه شرارات المادة من وراء، فهو لا أديب ولا مادي بل صاحب اختيار في الاختبار، ثم يصير إمّا إلى الجنّة وإما إلى النار، فلذلك ومن ذلك قل الأدباء المحترفون لجمع المادة واحتجان البيضاء والصفراء؛ وإنما سميناهم على سبيل أدب القدماء؛ وهم في رأينا (برزخيون) وصلهم الأدب كوصوله لمن قال (وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل) وماتوا وهم في عهد الاختبار والفتن والمحنة. ومن الأدباء من يضطره الزمان إلى الاحتراف فيستدفع الحرفة ضنك الزمان، ولو ترك ونفسه وأنجى من ذل الحاجة ما لجأ إلى الحرفة ولا قاربها. ومن الأدباء المحترفين أبو القاسم نصر بن أحمد بن نصر بن مأمون الخبزأرزي، نسبة إلى حرفته (خبز الأرز) فقد كان هذا أميّاًلا يتهجى ولا يكتب، وكان يخبز الأرز بمربد البصرة في دكان له، وينشد الناس أشعاراً مقصورة على الغزل، والناس يزدحمون عليه، ويطربون باستماع شعره، ويتعجبون من حاله وأمره؛ وكان أبو الحسين محمد بن محمد المعروف بابن لنكك البصري الشاعر المشهور - مع علو قدره عند البصريين - ينتاب دكانه ليسمع شعره، وقد اعتنى به وجمع له ديوانا؛ وذكره الثعالبي في اليتيمة، والخطيب في تاريخ بغداد، وياقوت الحموي في معجم الأدباء، وابن خلكان في الوفيات. قال ياقوت: (وكان ممن يفضلون الذكور على الإناث، فكان أحداث البصرة يلتفون حوله، ويتنافسون بميله إليهم، ويحفظون شعره لسهولته ورقته) وقد نزل نصر هذا بغداد وأقام بها دهراً طويلاً وقرئ عليه ديوانه فيها. حدّث الخطيب بسنده إلى أبي محمد عبد الله بن محمد الأكفاني البصري، قال: خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفاني الشاعر وأبى الحسين ابن لنكك وأبي عبد الله المضجع وأبي الحسن السماك في بطالة عيد، وأنا يومئذ صبي أصحبهم، فمشوا حتى انتهوا إلى نصر بن أحمد الخبزأرزي وهو جالس يخبز على طابقه، فجلست الجماعة عنده يهنئونه بالعيد ويتعرفون خبره، وهو يوقد السعف تحت الطابق، فزاد في الوقود فدخّنهم، فنهضت الجماعة عند تزايد الدخان؛ فقال نصر ابن احمد لأبي الحسين بن لنكك: متى أراك يا أبا الحسين؟ فقال له أبو الحسين: إذا اتسخت ثيابي؛ وكانت ثيابه يومئذ جُدَداً على أنقى ما يكون من البياض للتجمل بها في العيد؛ فمشينا في سكة بني سمرة حتى انتهينا إلى دار أبي أحمد بن المثنى، فجلس أبو الحسين ابن لنكك وقال: يا أصحابنا، إن نصراً لا يخلي هذا المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله فيه، ونحب أن نبدأه قبل أن يبدأنا واستدعى دواة وكتب:

لنصر في فؤادي فرط حب ... أنيف به على كل الصحاب

أتيناه فبخرنا بخوراً ... من السعف المدخن للثياب

فقمت مبادراً وظننت نصراً ... أراد بذاك طردي أو ذهابي

فقال: متى أراك أبا حسين ... فقلت له: إذا اتسخت ثيابي

وأنفذ الأبيات إلى نصر فأملى جوابها فقرأناه فإذا هو قد أجاب:

منحت أبا الحسين صميم ودي ... فداعبني بألفاظ عذاب

أتى وثيابه كقتير شيبٍ ... فعدن له كريعان الشباب

ظننتُ جلوسه عندي لعرس ... فجئت له بتمسيك الثياب

فقلت متى أراك أبا حسين ... فجاوبني: إذا اتسخت ثيابي

فإن كان التقزز فيه خير ... فَلِمْ يكنى الوصي أبا تراب

وحكى الخالديّان الشهيران في كتاب الهدايا والتحف أن الخبزأرزي بن نصر بن احمد هذا أهدى إلى ابن يزداد والي البصرة فصاً وكتب معه:

أهديتُ ما لو أن أضعافه ... مطرح عندك ما بانا

كمثل بلقيس التي لم يبن ... إهداؤها عند سليمانا

هذا امتحان إن ترضهُ ... بإن لنا أنك ترضانا

قال ابن خلكان (وأخبار نصر ونوادره كثيرة وتوفي في سنة سبع عشرة وثلاثمائة. وتاريخ وفاته فيه نظر، لأنه ذكر في تاريخه أن احمد بن منصور النوشري المذكور سمع منه سنة خمس وعشرين وثلاثمائة) قال الخطيب: (روى عنه مقطعات من شعره المعافى بن زكريا الجريري واحمد بن منصور النوشري وأبو الحسن بن الجندي وأحمد بن محمد العباس الأخباري وغيرهم؛ وذكر النوشري أنه سمع منه ببغداد بباب خراسان في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة) والصحيح أن وفاته في سنة 327 كما ورد في معجم الأدباء، ومما أورده له ابن خلكان:

خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولى تمشي إلى عبد؟

أتى زائراً من غير وعد وقال لي: ... أجلك عن تعليق قلبك بالوجد

فما زال نجم الوصل بيني وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسعد

فطوراً على تقبيل نرجس ناظرٍ ... وطوراً على تعضيض تفاحة الخد

ألم يكفني ما نالني من هواكم ... إلى أن طفقتم بين لاهٍ وضاحكِ

شماتتكم بي فوق ما قد أصابني ... وما بي دخول النار في طرّ مالكِ

كم أناس وفوا لنا حين غابوا ... وأناس جفوا وهم حضّارُ

عرضوا ثم أعرضوا واستمالوا ... ثم مالوا وجاوروا ثم جاروا

لا تلمهم على التجني فلو لم ... يتجنوا لم يحسن الاعتذارُ

بات الحبيب منادمي ... والسكر يصبغ وجنتيه

ثم اغتدى وقد أبتدأ ... صنع الخمار بمقلتيه

وهبت له عيني الكرى ... وتعرضت نظراً إليه

شكراً لإحسان الزما ... ن كما يساعدني عليه

كم أقاسي لديك قالاً وقيلا ... وعدات تترى ومطلاً طويلا؟

جمعة تنقضي وشهر يُوَلِّي ... وأمانيك بكرةً وأصيلاً

إن يفتني منك الجميل من الفع ... ل تعاطيتُ عنك صبراً جميلا

والهوى يستزيد حالاً فحالاً ... وكذا ينسلي قليلاً قليلاً

ويكَ لا تأمننْ صروف الليالي=إنها تترك العزيز ذليلا

فكأني بحسن وجهك قد صا ... حت به اللحية: الرحيلَ الرحيلا

فتبدلت حين بُدّلت بالنو ... ر ظلاماً وساء ذاك بديلا

فكأن لم تكن قضيباً رطيباً ... وكأن لم تكن كثيباً مهيلا عندها يشمت الذي لم تصله ... ويكون الذي وصلتَ خليلا

رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر

فلم أدر من حيرِتي فيهما ... هلال الدجى من هلال البشر

ولولا التورّد في الوجنتين ... وما راعني من سواد الشعر

لكنت أظن الهلال الحبيبَ ... وكنتُ أظن الحبيبَ القمر

وذاك يغيبُ وذا حاضر ... وما من يغيبْ كما من حضر

ومما ذكره له ياقوت الحمويّ:

شاقني الأهل لم تشقني الديار ... والهوى صائر إلى حيث صاروا

جيرة فرقتهم غربة البي ... ن وبين القلوب ذاك الجوارُ

كم أناس رعوا لنا حين غابوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إلى آخر الأبيات المتقدّم ذكرها منقولة عن الوفيات

فلا تمنَّ بتلفيق تَكلَّفُهُ=لصورةٍ حسنها الأصلي يكفيها

إن الدنانير لا تجلى وإن عتقت ... ولا تزاد على الحسن الذي فيها

وأورد له الخطيب:

بأبي أنتَ من مَلولٍ ألوف ... رُضتني بالأمان والتخويفِ

حار عقلي في حكمك الجائر العد ... ل وفي خلقك الجليل اللطيفِ

أنتَ بالخصر والمؤزّر تحكي ... قوّة الشوق بالفؤاد الضعيفِ

ليس عن خبرة وصفتك لكن ... حركات دلّت على الموصوفِ

لك وجه كأنه البدر في التم ... م عليه تطرّق من كسوف

وأغرب ما في الحياة هذا الرجل المشهور بمزاورة اللذات وملابسة الشهوات وقوفه موقف الحكيم المتنصح والعفيف المتنطس فتسمع منه قوله:

كم شهوة مستقرّة فرحاً ... قد انجلت عن حلول آفاتِ

وكم جهول تراه مشترياً ... سرور وقتٍ بغم أوقات

كم شهوات سلبن صاحبها ... ثوب الديانات والمروءات

وقد جمع جملة من الحكم وأشتاتاً من الأخلاق وركاماً من التجارب في قوله: لسان الفتى خنق الفتى حين يجهل ... وكل امرئ ما بين فكيه مقتل

إذا ما لسان المرء اكثر هذره ... فذاك لسان بالبلاء موكل

وكم فاتحٍ أبواب شر لنفسه ... إذا لم يكن قُفل على فيه مُقفل

كذا من رمى يوماً شرارات لفظه ... تلقته نيران الجوابات تشعَل

ومن لم يُقيّد لفظه متجمّلاً ... سيطلق فيه كل ما ليسَ يجمل

ومن لم يكن في فيه ماء صيانةٍ ... فمن وجهه غصن المهابة يذبلُ

فلمْ تحسبنَّ الفضل في الحلم وحده ... بل الجهل في بعض الأحايين أفضل

ومن ينتصرْ ممن بغى فهو ما بغى ... وشرّ المسيئين الذي هو أوّلُ

وقد أوجب الله القصاص بعدله ... ولله حكم في العقوبات منزلُ

فان كان قولٌ قد أصابَ مقاتلاً ... فان جواب القول أدهى وأقتل

وقد قيل في حفظ اللسان وخزنه ... مسائل من كل الفضائل أكملُ

ومن لم تقرّ به سلامةُ غيبهِ ... فقربانُهُ في الوجه لا يتقبّل

ومن يتخذ سوء التخلف عادةً ... فليس لديه في عتاب مُعوَّلُ

ومن كثرت منه الوقيعة طالباً ... بها عزّةً فهو المهين المذلّلُ

وعدلٌ مكافأة المسيء بفعله ... فماذا على من في القضية يعدل

ولا فضل في الحسنى إلى من يخسها ... بلى عند من يزكّو لديه التفضل

ومن جعل التعريض محصول مزحه ... فذاك على المقتِ المصرّح يحصلُ

ومن أمن الآفات عجباً برأيه ... أحاطت به الآفات من حيث يجهل

أعلمكم ما علمتني تجاربي ... وقد قال قبلي قائل متمثّل:

إذا قلت قولاً كنت رهن جوابه ... فحاذر جواب السوء إن كنت تعقل

إذا شئت أن تحيا سعيداً مسلماً ... فدبّر وميّز ما تقول وتفعل

وذكر له الخطيب أبياتاً ثلاثة تدل على ارتباكه في الهوى وهي:

ما جفاني من كان لي أنِساً ... أنِست شوقاً ببعض أسبابهْ

كمثل يعقوب بعد يوسف إذ حنْ ... ن إلى شمّ بعض أثوابهْ

دخلتُ باب الهوى ولى بَصرٌ ... وفي خروجي عميتُ عن بابِهْ (بغداد)

مصطفى جواد