مجلة الرسالة/العدد 228/للأدب والتاريخ

مجلة الرسالة/العدد 228/للأدب والتاريخ

مجلة الرسالة - العدد 228
للأدب والتاريخ
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 11 - 1937


مصطفى صادق الرافعي

1880 - 1937

للأستاذ محمد سعيد العريان

- 13 -

1 - (إن في الرجل شيئاً ينقذ المرأة منه وإن هلك بحبها، وإن هدمت عيناها من حافاته وجوانبه: فيه الرجولة إذا كان شهماً، وفيه الضمير إذا كان شريفاً، وفيه الدم إذا كان كريماً، فوالذي نفسي بيده لا تعوذ المرأة بشيء من ذلك ساعة تجن عواطفه، وينفر طائر حلمه من صدره، إلا عاذت - والله - بمعاذ يحميها ويعصمها ويمد على طهارتها جناح ملك من الملائكة)

2 - (. . . ويسرف عليّ بعضها أحياناً فأتلهب عليها في زفرات كمعمة الحريق حين ينطبق مثل الفك من جهنم على مدينة قائمة فيمضغ جدرانها مضغ الخبز اليابس؛ ثم يسرف على حبها أحياناً فينحط قلبي في مثل غمرات الموت وسكراته بتطوح من غمرة إلى غمرة؛ فأنا بين نقمة تفجأ، وبين عافية تتحول، وكأنه لا عمل لي إلا أن أصعد مئة درجة لأهبط مئة درجة. . .!)

3 - (لقيتها وما أريد الهوى ولا تعمده قلبي، ولا أحسب أن فيها أموراً ستئول مآلها؛ وكنت أظن أن المستحيل قسمان: ما يستحيل وقوعه فلا تفضي إليه، وما يمكن وقوعه فتهمله فلا يفضي إليك، ولكن حين توجد المعجزة تبطل الحيلة؛ ومتى استطردك القدر الذي لا مفر منه، أقبل بك على ما كنت منه تفر)

4 - (. . . إنها لأبلغ ذات لسان، وأبرع ذات فكر، وأروع ذات نفس؛ ولو كنا سليلي أبوة ما شهدت لها بأكثر من هذا حرفاً، ولو كان دمي من أعدائها ما نقصتها من هذا حرفاً، وعلم الله ما أبغض فيها إلا هذه التي اشهد لها. . .!)

5 - (. . . دعني أقول لك: إني أبغض من أحبها. . وإن هذا البغض وجه آخر من الحب، كالجرح: ظاهره له ألم وباطنه له ألم!) 6 - (. . . وكما ينشأ الكفر أحياناً من عمل العقل الإنساني إذا هو تحكم في الدين، يأتي البغض من هذا العقل بعينه إذا هو تحكم في الحب!)

(الرافعي)

شعر وفلسفة، وحب وكبرياء

أترى صوتي يبلغ إليها وهي في مستشفاها بالشام ذاهلة اللب شاردة الخيال ضائعة الأمل مستطارة القلب؟

أم ترى صوتي يبلغ إليه تحت أطباق الثرى وبيننا ستة أشهر من عمر الزمان كأنها من البعد وانفساح المدى سنوات وسنوات؟

إنه ليخيَّل إليّ أن هذا الحديث الذي أكتبه عنها وعنه هو رسالة من الغيب إلى هذه الحبيبة الواجدة المحزونة، من الحبيب الذي أحبها أعنف الحب وأرَّقه وما تراءى لها مع ذلك في عمره الطويل إلا الرجلَ القاسي الذي حطم قلبها بقسوته وكبريائه، ومات وما تلقت رسالته الأخيرة فنفذت روحُه من أقطار السموات لتمليها عليّ وفيها المعذرة والاستغفار. . .

آه لو تدرين كم كان يحبك أيتها الحبيبة!. . فهل كنت. .؟ ولكن. . . ولكن لا سبيل إلى ما فات. . .!

لقد أحبها جهد الحب ومداه، حبا أضل نفسه وشرّد فكره وسلبه القرار؛ ولكنه حب عجيب، ليس فيه حنين الدم إلى الدم، ولكن حنين الحكمة إلى الحكمة، وهفوة الشعر إلى الشعر، وخلوة الروح إلى الروح في مناجاة طويلة كأنها تسبيح وعبادة؛ وأسرف عليه هذا الحب حتى عاد في غمراته خلقاً بلا إرادة، فليس له من دنياه إلا هي، وليس له من نفسه إلا ما تهب له من نفسه!

والرافعي رجل - كان - له ذات وكبرياء؛ فأين يجد من هذا الحب ذاته وكبرياءه؟ هكذا سألته نفسه!

وأحبها أديبة فيلسوفة شاعرة تستطيع أن ترتفع إلى سمائه وتحلق في واديه وله مثل قدرتها على الطيران والتحليق في آفاق الشعر والحكمة والخيال؛ فما التقيا مرة حتى كان حديثهما فنوناً من الشعر وشذرات من الفلسفة وقليلا من لغة العشاق في همس من لغة العيون. . .

وقال لها مرة: (إن الحب يا عزيزتي. . .) قالت: (إن فلسفة الحب. . .) قال: (بل أعني حقيقة الحب ومعناه. . .) قالت: (دع عنك يا حبيبي. . . إن أحلام الحب هي شيء غير الحب، أفأنت تريد. . .؟) فاختلجت شفتاه وأطرق، وراح يسأل نفسه: (ما الحب وما فلسفة الحب؟ يا ضيعة المنى إن كان الحب شيئاً غير الذي في نفسي!) وتحدث ضميره في ضميرها فابتسمت وهي تقول: (. . . أنا ما أحببتك رجلا بل فكراً وروحاً ونفساً شاعرة، وأنت بكل ذلك ملء نفسي وملء قلبي؛ فلا تلتمس فيّ طباع أنثى وإلا ضل ضلالك أيها الحبيب. .!) قال: (فهل رأيتني يا حبيبتي إلا فكرة تطيف أبداً بك، وروحاً ترفرف حواليك، ونفساً نغترف الشعر والحكمة من وحي عينيك. . .؟) قالت: (دع عنك ذكر عينيّ يا حبيبي. إن الحب ليس هناك، إن الحب. . .) قال: (لا تحدثيني عن الحب. يخيل إلي أني أعرفه لأني أجد مسَّه على قلبي كلذغ الجمر، ولكن آه، ولكنك أنتٍ. . .)

وقالت له نفسه: (إنك يا صاحبي تضرب في بيداء؛ إن الشعر والحكمة والفلسفة لا تلد الحب، فهل أحببتها أنت إلا للشعر والحكمة والفلسفة؟ ولكنك بذلك لن تجد منها الحب، إن الحب من لغة القلب، أما هذه. . .)

وكان يحبها أديبة فيلسوفة شاعرة، فعاد يباعد بينه وبينها أنها فيلسوفة شاعرة. . .!

وامرأة هي كانت - إلى أدبها وفلسفتها - (فتنة) خلقت امرأة، فإذا نظرت إليك نظرتها الفاترة فإنما تقول لقلبك: إذا لم تأت إليَّ فأنا آتية إليك. . . وهي أبداً تشعر أن في دمها شيئاً لا يوصف ولا يسمى ولكنه يجذب ويفتن، فلا تراها إلا على حالة من هذين، حتى ليظن كل من حادثها أنها تحبه وما به إلا أنها تفتنه. . .

(رشيقة جذابة تأخذك أخ السحر، لأن عطر قلبها ينفذ إلى قلبك من الهواء؛ فإذا تنفست أمامها فقد عشقتها. . .

(أما أنوثتها فأسلوب في الجمال على حدة؛ فإذا لقيتها لا تلبث أن ترى عينيك تبحثان في عينيها عن سر هذا الأسلوب البديع فلا تعثر فيهما بالسر ولكن بالحب. . . . . . وتنظر نظرة الغزال المذعور أُلهِم أنه جميل ظريف فلا يزال مستوفزاً يتوجس في كل حركة صائداً يطلبه. . . . . .)

والرافعي رجل كان - على دينه وخلقه ومروءته - ضعيف السلطان على نفسه إذا كان بازاء امرأة؛ فما هو إلا أن يرى واحدة لها ميزة في النساء حتى يتحرك دمه وتنفعل أعصابه؛ وما كان - رحمه الله - يرى في شدة الإحساس بالرجولة وفي سرعة الاستجابة العصبية إلى المرأة إلا أنها أحد طَرَفي النبوغ، أو أحد طرفي النبوَّة كما كان يقول؛ فما كان يرى له وقاية من سحر المرأة حين يحس أثرها في نفسه إلا أن يسرع في الفرار. وكثيراً ما كان يقول: (الفرار الفرار؛ إنه الوسيلة الواحدة إلى النجاة من وسوسة الشيطان وغلبة الهوى. . .!)

وقالت له نفسه: (ما أنت وهذا الحب الذي سلبك الإرادة وغلبك على الكبرياء ويوشك أن يهوى بك من وسوسة النفس وفتنة الهوى إلى أرذال البشرية. . .؟)

فكان لصوت النفس في أعماقه صدى بعيد. . .

وكان يحبها ليجد في حبها ينبوع الشعر، فما وجد الحب وحده، بل وجد الحب والألم وثورة النفس وقلق الحياة؛ ووجد في كل أولئك ينابيع من الشعر والحكمة تفيض بها نفسه، وينفعل بها جنانه، ويضيء بها فكره؛ وكان آخر حبه الألم، وكانت آلامه أول قدْحة من شرار الشعر والحكمة. . .

وقالت له نفسه: (هاقد بلغتَ من الحب ما كنت ترجو، فلم تبق إلا الغاية الثانية وإنك عنها لَعَفٌّ كريم. . .!)

هي فتاة ذات جمال وفتنة، ولها لسان وبيان، وما يمنعها دينها ولا شيءٌ من تقاليد أهلها أن يكون لها مجلس من الرجال في ساعة في يوم من كل أسبوع، يضم من شعراء العربية ورجالاتها أشتاتاً لا يؤلفها إلا هذا المجلس المعطر بعطر الشعر وعطر المرأة الجميلة؛ أفتراهم يجتمعون في دارها كل أسبوع لتتوارى منهم خلف حجاب فلا سمر ولا حديث؟

والرافعي غيور شموس كثير الأَثرة لا يرضيه إلا أن يكون على رأس الجماعة، أو هو نفسه رأس الجماعة. . .

وقال له نفسه: (أأنت هنا وحدك أم ترى لكل واحد من هؤلاء هنا هوى وحبيبا. . .؟)

وكانت القطيعة بين الرافعي وبينها من أجل ذلك كله: من أجل أن له ذاتا وكبرياء، وما يريد أن تفنى ذاته وكبرياؤه في امرأة؛ ومن أجل أنها فيلسوفة وشاعرة، وما تجتمع الفلسفة والحب في قلب حواء؛ ومن أجل أنها أنثى وأنه رجل له دين ومروءة وزوجة ودار؛ ومن أجل أنه بلغ مبلغه منها حين وجد الألم في حبها فوجد ينبوع الشعر الذي كان يفتقد؛ ومن أجل أن الرافعي الغيور الظنين الكثير الأثرة والاعتداد بالنفس. . .!

وخُيِّل إليه حين كتب إليها رسالة القطيعة في يناير سنة 1924 أنه يبغضها، وأن هذا الحب الذي قطعه عن دنيا الناس عاماً بحاله قد انتهى من تاريخه وطواه القدر في مَدْرَجة الفناء، وأن نفساً كانت في الأسر قد خرجت إلى فضاء الله. . .

وأحس في نفسه حديثاً طويلاً يريد أن يفضي به، وشعر كأن في قلبه ناراً تَلظَّى، واصطرعت في نفسه ذكريات وذكريات، وخيِّل إليه أنه يكاد يختنق؛ فصاح من كل أولئك مغيظاً محنقاً يقول: (أيتها المحبوبة، إنني أبغضك. . . إنني أبغضك أيتها المحبوبة!)

ليت شعري، أكان الرافعي يعني ما يقول؟ أكان على يقين حين يزعم أنه يبغضها؟ أم أنه استعار للحب لفظاً متكبِّراً من كبريائه العاتية فسماه البغضَ وما هو به ولكنها ثورة الحب حين يبلغ عنفوانه فتختلط به مذاهب الفكر ومذاهب النظر فلا يبقى فيه شيء على حقيقته؟

كلا، ما أبغض الرافعي صاحبته يوماً منذ كانت ولا استطاع أن يفك نفسه من وثاقها، وما هذه الثورة التي ألهمته كتابيه (رسائل الأحزان، والسحاب الأحمر) إلا لون من ذلك الحب وفصل من فصوله وكان الخطأ في العنوان؛ فلما ثابت إليه نفسه نزع به الحنين إلى الماضي ولكن كبرياءه وقفت في سبيله، فظل حيث هو ولكن قلبه ظل يتنزى بالشوق والحنين. . .!

وجاءت صاحبته إلى طنطا بعد ذلك بقليل، مدعوَّة إلى حفلةٍ خيرية لتخطب، وكان الرافعي مدعواً لمثل ما دعيت له. وعلى غفلة التقت العيون، فدار رأس الرافعي وذُهب به، وعاد الزمان القهقري لينشر ماضيه على عينيه، وزلزلت نفسه زلزالا شديداً حتى أوشك أن تغشاه غاشية، وحاول أن يتحدث فوقفت الكبرياء بين قلبه ولسانه؛ وخشي أن يفتضح فنهض عن كرسيه منطلقاً إلى الباب؛ ولحقه صديقه الأديب جورج إبراهيم، فأفضى إليه بذات صدره وودع صاحبته بعين تختلج، ومضى. . .

وانتهى الاحتفال، ووقفت (هي) تدير عينيها في المكان فما استقرتا على شيء؛ ووجدت في نفسها الجرأة على أن تقول: (أين الرافعي؟) فما وجدت جواباً. . . وكان الرافعي وقتئذ جالساً إلى مكتبه ينشئ قصيدة لمجلة المقتطف عن بعث الحب. . .! وكان آخر لقاء. . .! ولقيت الرافعي في خريف سنة 1932، فتسرحنا في الحديث عن الحب، فكشف لي عن صدره في عبارات محمومة، وكلمات ترتعش، ثم قال: (. . . وإن صوتاً ليهتف بي من الغيب أن الماضي سيعود، وأنني سألقاها، وسيكون ذلك في تمام عشر سنين من رسالة القطيعة: في يناير سنة 1934. . .) وأخذ يقبض أصابعه ويبسطها ثم قال:

(نعم، بعد أربعة عشر شهراً سيكون هذا اللقاء. . . إن قلبي يحس، بل إنني لموقن. . . بعد أربعة عشر شهراً، في تمام السنة العاشرة منذ فارقتها مغضباً، سنلتقي ثانية ويعود ذلك الماضي الجميل، إنها تنتظر، وإنني أنتظر. . .!)، وظل على هذا اليقين أشهراً وهو يحصي الأيام والأسابيع كأنه منها على ميعاد. . .!

ومضت السنوات العشر، ومضى أربعون شهراً بعدها وما تحقق أمله في اللقاء، حتى لقي الله. . .!

هذا هو الرافعي العاشق، جلوت صورته كما عرفته؛ أما هي، أما صاحبته التي كان من تاريخه معها ما كان، فهل كانت تحبه؟ وما كان هذا الحب، وماذا كانت غايته؟

هذا حديث موعده العدد القادم، فإلى اللقاء

(شبرا)

محمد سعيد العريان