مجلة الرسالة/العدد 245/أناشيد غزلية

مجلة الرسالة/العدد 245/أناشيد غزلية

مجلة الرسالة - العدد 245
أناشيد غزلية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 14 - 03 - 1938


البستاني

للشاعر الفيلسوف طاغور

بقلم الأستاذ كامل محمود حبيب

(تشكي إلى كثير من صحابتي ومن قراء (الرسالة) الغراء بعض ما وجدوا في أناشيد جيتانجالي من شدة وصعوبة وصلابة؛ وفي الحق لقد وجدت فيها قوة السبك ومتانة الأسلوب وعمق الفكرة الفلسفية، فما استطعت أن أنحرف عما أراده المؤلف لأناشيده. وأنا أريد أن أنقل إلى العربية ترجمة صحيحة فيها الأمانة والدقة والإتقان، فجاءت كما قرأها القارئ وكما تحدث إلي عنها المتحدث. . .)

(ولقد وعدت رفاقي أن أرفه عنهم بعض ما نالهم من أناشيد جيتانجالي بأناشيد أخرى فيها رقة النسيم العليل وابتسامة الفجر الضاحك، وحلاوة الأمل الباسم. . . تلك هي أناشيد (البستاني) التي أقدمها للقراء اليوم وما بعده، وهي أناشيد غزلية كتبها طاغور بالهندية وترجمها هو إلى الإنجليزية وهي 85 نبضة من نبضات قلب شاعر سما بقلبه وعقله معاً فوق الإنسانية ليهبط عليها بوحي من نفسه الشاعرة الرقيقة)

(وهي كلها نوع من الغزل الرقيق الرفاف لم نر مثله في اللغة العربية. فها هي ذي أترجمها كلها - إن شاء الله - والله أسأل أن يوفقني. . .)

كامل

- 1 -

الخادم - أسبغي على خادمك بعض فضلك يا مليكتي!

الملكة - لقد انفض السامر وتفرق الخدم، فلماذا جئت وقد انفرط عقد الليل؟

الخادم - حين تخلو مليكتي إلى نفسها أبتغي أنا إليها الوسيلة.

لقد جئت لأسألك ما ادخرت لخادمك من عمل

الملكة - وماذا تبتغي في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟

الخادم - مري فأكون بستانيّ حديقة أزهارك الملكة - يا للحمق!

الخادم - سأنفض عن نفسي كل عمل سوى هذا

سألقي بسيفي ورمحي معاً جانباً. لا تقذفي بي إلى غيابة قصورك النائية، ولا تدفعي بي

إلى ميدان القتال؛ ولكن مري فأكون بستاني حديقة أزهارك

الملكة - وماذا تريد أن تعمل هناك؟

الخادم - سأقوم على خدمتك في ساعات الفراغ

وأتعهد حشائش الطريق لتظل خضراء ناضرة. . . الطريق الذي تجتازين كل صباح

حيث تتناثر على قدميك أوراق الزهور التي تسير الهوينى في طريق الفناء، كأنها تحييهما في ولاء

وأرجّح بك الأرجوحة بين أغصان الدوح، حيث تجهد أشعة القمر نفسها أن تندفع خلال

أوراق الشجر لتقبل ذيل مرطك

ثم أترع مصابيحك بالزيت العطر حين توشك أن تنضب، وأنثر على موطئ قدميك

الصندل والزعفران في دقة وإتقان

الملكة - وماذا تنتظر من أجر؟

الخادم - أجري أن تأذني فأمسك بيدك البضة الناعمة التي كأنها زهرة اللوتس الناضرة،

فأزين معصمها بسوار من زهر؛ وأصبغ أخمص قدميك بعصير الزهر الأحمر، ثم أنفض عنها ما عساه أن يعلق بها من ذرات التراب

الملكة - لقد أجبت سؤالك يا خادمي، فاذهب أنت منذ الآن بستاني حديقة أزهاري

- 2 -

(آه، أيها الشاعر! إن المساء يقبل في أناة، فيدب الشيب في شعراتك)

(أفتسمع من خلال تأملاتك وأنت في خلوتك رسالة الغيب؟)

قال الشاعر: (حقاً، إنه الليل، وأنا جالس أتسمع لأن صوتاً سيرتفع - في جوف الليل -

من جانب القرية)

(وأنا أرقب القلوب الشابة وهي تتلاقى بعد تيه، فتنطلق نظرات الهوى تطلب الموسيقى

لتصدح من حواليها السكون وتتحدث حديثها) (من ذا يستطيع أن ينسج أغانيها على منواله إن أنا انزويت على شاطئ الحياة لا

أستشعر في نفسي سوى الموت والحياة الأخرى؟)

(لقد توارى أول نجم بزغ عند بزوغ الغروب)

(ووميض نار الموتى إلى جانب النهر الهادئ يخمد رويداً رويداً)

(وعواء أبناء آوى يرتفع من جنبات المنزل الموحش في ضوء القمر الشاحب)

(وإذا تلبث مسافر هنا قليلاً ليرقب الليل، وأطرق حيناً ليسمع همهمة الظلماء؛ فمن ذا

الذي يسكب في مسمعيه أسرار الحياة إن أنا أوصدت دونه بابي لأتحلل من قيود الإنسانية؟)

(إنها خرافة: أن يدب الشيب في شعراتي)

(إنني دائماً شاب كأصغر شباب القرية، وشيخ كأكبر كهولها)

(بعض الناس ترتسم على شفاههم ابتسامة عذبة رقيقة، والبعض يشع من نظراتهم

الخبث)

(بعض تنهمر عبراتهم في وضح النهار، والبعض يكفكفون دموعهم في هدأة الليل)

(كل أولئك في حاجة شديدة إليّ، فأنا لا أجد في عمري مُنفسحاً لأفكر في الحياة الآخرة)

(إنني أعيش مع كل أولئك، فماذا يضيرني إن دب الشيب في شعراتي)

- 3 -

عند الصباح طرحت شبكتي في البحر

ثم جذبتها من الهوة السحيقة فألفيت فيها أشياء ذات بهجة وجمال: بعض يشع كالابتسامة،

وبعض يلمع كالعبرة، وبعض يتألق كأنه خد عروس

وعند الأصيل عُدتُ إلى داري أحمل ثقل يومي؛ وعلى جانب الطريق رأيت التي أحب

جالسة في الحديقة لا تجد عملاً فهي تعبث بأوراق زهرة

فاندفعت إليها وألقيت ثقلي عند قدميها ثم وقفت بازائها صامتاً

ونظرت هي إلى أشيائي ثم قالت: (ما أعجب ما أرى! ماذا يفيد كل هذا؟)

فأطرقت ملياً والخجل يعركني عركا، ثم طاف بخاطري (أني لم أجهد نفسي في سبيل

هذا، ولم أدفع له ثمناً؛ إن كل ذلك لا يستأهل أن يكون هديتي إليها) فقذفت بها جميعاً - واحدة فواحدة - إلى الطريق

وحين أسفر الصبح جاء السائحون أرسالا، فالتقطوا كل ما قذفت به وحملوه إلى بلاد نائية

كامل محمود حبيب