مجلة الرسالة/العدد 248/ليلى المريضة في العراق

مجلة الرسالة/العدد 248/ليلى المريضة في العراق

مجلة الرسالة - العدد 248
ليلى المريضة في العراق
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 04 - 1938


للدكتور زكي مبارك

- 14 -

نحن في اليوم الرابع من أيام المؤتمر الطبي العربي الذي بث الابتهاج والانشراح في أرجاء بغداد، وأنا امضي إلى مدرج كلية الطب لألقي محاضرتي عن المصطلحات الطبية فأجد اسمي فوق اللوحة آخر الأسماء؛ وأتلفت فأرى فتاة من قريبات ليلى جاءت لتسمع محاضرتي فأحقد على منظم المنهج، لأن هذه الفتاة قد تضجر فتنصرف قبل أن تسمع صوتي، فأنتهز أقرب فرصة وأدخل في مناقشة حامية مع الدكتور فؤاد غصن؛ وينهزم الدكتور فؤاد غصن، فتصفق تلك الفتاة. وما اسعد الخطيب الذي تصفق له فتاة بغدادية ساجية الطرف مصقولة الجبين!

رباه! متى يعقد المؤتمر الطبي مرة ثانية ولو في الصين؟!

ويقوم سعادة الأستاذ علي الجارم بك فيلقي محاضرته في صوت مطلول كأنداء الصباح

ثم يقوم فضيلة الشيخ السكندري فيلقي محاضرة نفيسة جدا تضج لها الأرض وتطرب السماء، ويصيح الدكتور القيسي: تحيا مصر! تحيا مصر!

واقبل عليه اشكره على التحية التي وجهها إلى مصر فيقول: كنت اضن الذكاء المصري خرافة أذاعها المصريون. واليوم رأيت وتحققت أن المصريين أذكياء وعلماء، وقد تبددت الصورة المشوهة التي ارتسمت في ذهني بسبب الجموح الذي شهدته فيمن عرفت من الطلبة المصريين في باريس

وأعتذر عن جموح شبابنا فأقول: لا تلم شبابنا على المرح والطرب، فنحن شعب طال عهده بالهموم والأرزاء فهو يروح عن نفسه بتكلف السرور والارتياح. أما سمعت قول شاعركم الزهاوي في مخاطبة أم كلثوم:

يا أم كلثوم إنّا أمةُ رزحتْ ... تحت المصائب أحقاباً فسلٌينا

ويجئ دوري في الخطابة فأعتلي المنبر في زهو وخيلاء. ثم يروعني أن أرى الناس ينصرفون، فأذكر أن الموعد حان للغداء في مضارب بني تميم، وأن المستمعين الكرام يفهمون جيداً أن الغرق في المرق أشهى وأطيب من بلاغة سحبان! ويرى سعادة الدكتور عبد الواحد الوكيل بك أني متألم متوجع فيهمس في أذني أن المدرج لم تبق فيه فتاة واحدة. فأسأل: وكيف؟ فيجيب بأن وعورة البحث الذي ألقاه الشيخ السكندري أملتْ جميع الفتيات فانصرفن عابسات. ويسرني ألا تشهد فتاه هزيمتي فأقول: إلى الغد، إلى الغد، يا حضرات الزملاء!

وقبل أن أدخل في تفاصيل ما سأراه، أذكر أني زرت ليلى شفاها الله في مساء ذلك اليوم فحدثتني أن خطبة الشيخ السكندري ملأت مسامع أهل بغداد، ولكنها أنكرت أن يتحذلق الشيخ السكندري فيقول:

إن الأوكسجين مثنى أوكسيج، وإنه يرفع بالألف وينصب ويجر بالياء

فأصرخ في وجه ليلى: هذا كذب، هذا افتراء!

ثم أعرف بعد ذلك أن هذه دعابة ثقيلة أذاعها مصري خبيث يقيم في بغداد

ولم انجح في إقناع ليلى بأن هذا افتراء على الشيخ السكندري إلا بعد أن هددتها بالغرق في دجلة، وليلى تحبني يا بني أدم، فلا تستغربوا أن يهولها هذا التهديد.

ثم أخرج للبحث عن سيارة تنقلني إلى مضارب بني تميم، فلا أجد غير سيارة بالأجرة، فأتردد، لأني لم أدخر درهماً واحداً في بغداد، فقد أنفقت مالي على المطابع، وعند الله جزائي

واهم بالزهد في الوليمية التميمية فأسمع صوتاً يقول: سيارتي في خدمتك يا دكتور زكي. فأنظر فإذا طبيب لا اعرف اسمه، ولو عرفته لشرفت به هذه المذكرات، فأقول: ولكن معي صديقان فضيلة الشيخ السكندري والأستاذ عبد المنعم خلاف. فيقول: سيارتي في خدمتكم جميعاً يا مولاي

وقبل أن أدخل في التفاصيل أذكر أني أعطف على عبد المنعم خلاف لسببين: أما السبب الأول فلا اذكره، وهو يعرف ما اعني. وأما السبب الثاني فهو أن الشقي يشغل نفسه منذ أشهر طوال بالبحث عن مصدر الوحي: الوحي الهائل الخطير الذي جعل الدكتور زكي مبارك يكتب ثلاث مقالات في كل يوم بالرغم من اشتغاله بالتدريس والتأليف. وسيموت الشقي قبل أن يعرف مصدر الوحي. وسيموت قبله مصريون آخرون يهمهم أن يعرفوا كيف استطاع الدكتور زكي مبارك أن يكون أصدق من استرقتْ بغداد.

ونمضي في السيارة على غير هدى في صحبة الطبيب النبيل الذي ينقلنا إلى مضارب بني تميم؛ ثم نتلفت فجأة فنرى نحو عشرين سيارة تتعقبنا فنعرف أننا ضللنا مع أننا في رحاب عقرقوف الذي خلد اسمه أبو نؤاس في رحلته إلى مصر، مصر التي فيها الزمالك ومصر الجديدة وحلوان، والتي تسدل ستائرها على الجدائل المعطرة التي تشعثت بعد رحيلي إلى العراق

رباه! إنك تعلم أن الظلام في مصر الجديدة أندى وأطيب من النور الوهاج، فمتى ترجعني إليه!

ونصل إلى مضارب بني تميم فنرى أفواجاً من الفرسان ينتظروننا على طول الطريق وهم يحيوننا بأناشيد كلها رفق وحنان. وفي زحمة الاحتفال يجئ طبيب نبيل فيدعوني للتسليم على سيدتين كريمتين، لا اذكر اسمهما تأدباً، ولو شئت لقلت انهما من النفحات الربانية، وقد رحلت الأولى إلى القاهرة وبقيت الثانية في بغداد. فإليهما أقدم تحيتي وثنائي، والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف. ويمد السماط، أو السماطان، أو الأسمطة، كما يشاء كرم الشيخ حسن سهيل ثم يشيع بين الجمهور أن رجلاً غرق في المرق، فيصيح الطفل الجميل الذي اسمه عمر: بابا، بابا، أحب أن اطمئن على الدكتور زكي مبارك. فيقول سعادة وزير مصر المفوض في العراق: اطمئن يا بني، فان الدكتور مبارك من كبار السابحين!

ويقف عميد بني تميم ليخطب فيشتد التصفيق؛ ويقف الشيخ السكندري ليخطب فيشتد الهتاف؛ ثم يقول صديق كريم بصوت جهوري: الدكتور زكي مبارك يلقي كلمة العراق، فيتلفت وزير المعارف قائلا: ماذا؟ ماذا؟ فيجيب الصديق الكريم: الدكتور زكي مبارك يخطب باسم العراق: فيقول معالي الوزير: نعم، نعم، من حق الدكتور زكي مبارك أن يخطب باسم العراق وألقى خطبة رنانة أشكر فيها إخواني المصريين وأقول إن حياتي طابت في العراق وإنني لا أحب الرجوع إلى مصر، فأرى دموع الشيخ السكندري تنحدر واسمعه يقول: وهل نسيت سنتريس؟!

فأقول بصوت صاخب: ونسيت سنتريس! ومن واجبي أن أسجل في هذه المذكرات أني لم أر في حياتي أياماً أطيب من أيام العراق. وسأظل من أنصار العراق فيما بقي من حياتي.

حيا الله العراق، ونصر الله العراق!

أما بعد فنحن في منتصف الساعة التاسعة من مساء 12 فبراير سنة 1938 وهو مساء لم تشهد مثله بغداد منذ أجيال. وهذه سهرة في بهو أمانة العاصمة أقامها الطبيب الشاب الدكتور شوكت الزهاوي. وهذا الدكتور زكي مبارك الملحد الفاجر فيما يزعمون، يتلفت عن صاحبة العينين فلا يرى صاحبة العينين. ولكنه يرى الطبيب النبيل الذي سيقبل من اجله ثرى بغداد يوم يفارق بغداد، فيستشير صديقه فيما يأتي وما يدع، فيعرف أن السهرة تنقسم إلى قسمين: قسم عربي وقسم إفرنجي، فأقول: النبي عربي، ولسان أهل الجنة في الجنة عربي.

وأمضي إلى القسم العربي فأجد الوزراء جميعاً وعلى رأسهم فخامة الرئيس. واخرج عن وقاري فأمضى إلى رئيس الوزراء وأقول: سيدي، أتسمح بان أسجل في مذكراتي أن إيثارك الجلوس في المرقص العربي وفي ذاته تزكية نبيلة للثقافة الذوقية في حياه العروبة؟ فيبتسم ابتسامة القبول

وأعود إلى مكاني واجعل مكاني كله المرقص، وما هو في الحقيقة بمرقص، ولكنه مغنى كما يعبر المصريون. وانظر فإذا فتاة مليحة جداً تجلس بين القيان وعليها سيما الذل، فيزعجني أن تعجز عيونها الساحرة عن الاستبداد بألباب الناس، فأنظر إليها بترفق وارفع الكأس، فتنظر بحنان وترفع الكأس، ولا يكفيني ذلك، بل اصنع الصنيع نفسه مع سائر الفتيان؛ ويتقدم رجل لم تذهب الكأس بوقاره فيقول: يا دكتور مبارك، إن مكانك قريب جداً من فخامة رئيس الوزراء ولعله يتأذى مع مداعبة الفتيان، وأنا أرى أن ما تصنع لا يليق بمقامك

فقلت في عبارة صريحة: إنما اصنع هو الذي يليق بمقامي فتلعثم الرجل وقال: لطفاً ياسيدي، لطفاً! ولكن هل أتستطيع أن اعرف جوهر رأيك في هذه القضية؟

فقلت وأنا أجد كل الجد: لست يا سيدي بفاجر ولا أثيم وإنما أنا رجل مؤمن، ومن واجب المؤمن أن يتوجع لألام المنكوبين، وهؤلاء المغنيات والراقصات يعانين ابشع نكبة قاستها الإنسانية، فهن مسؤولات عن الوصول إلى قلوب الناس. يا ويل من يحكم عليه الزمن بأن يكون من صنعته أن يرضي الناس؛ والناس يا سيدي يغلب عليهم اللوم فلا يقابلون من يخطب رضاهم بغير الجحود، فهل يسوؤك وأنت عراقي كريم أن أكون من الكرماء؟ هل يسؤوك أن أُدخل السرور على قلب فتاة بائسة قضى عليها الزمن الجائر بأن تطلب رضاي ورضاك؟

فهدأ الرجل قليلا ثم قال: وما رأيك في هذا؟

فقلت: وما هذا؟

فقال: أما رأيت الراقصة ترفع الثوب عن فخذيها في وقاحة وسفاهة؟

فقلت: نعم رأيت، ثم رأيت؛ ولكن من الملوم؟ أن الراقصات يعرفن أن فينا الغوي والسفيه والمجرم، فهن يتقربن إلينا بتزين الرجس والدعارة والفحش. ولو كنّ يعرفن أننا جميعاً نغار على الكرامة لما جاز لإحداهن أن تكشف عن قدم أو ساق ويقوم المغني المطرب محمد القبانجي فينشد:

أأحبابنا قد فرق الدهر بيننا

فأصيح: قد جمع الدهر بيننا

فيعرف أنه لم يراع المقام ثم تكون أغانيه بعد ذلك ضرباً من الارتجال

وانتقل من مكاني لأرى كيف تموج الدنيا في المرقص الإفرنجي فأعثر على الراقصة التي كنت أداعبها بالكأس منذ لحظات، واحييها فلا ترد التحية، كأنها ظنت أنني كنت في مداعبتها من الماجنين

أنني أفهم حالك أيتها الصبية المسكينة، ويسرني أن أراك تتمنعين فالناس كلهم وحوش. ولا استثني نفسي فلتحذري وليحذر أمثالك من حسن الظن بالناس

طوفت بالمرقص الإفرنجي لحظات لأرى صاحبة العينين، ولم أجدها فأين ذهبت؟ أين ذهبت؟ دلوني فقد عيل صبري. وفوق أي مخدة نام ذلك الخد الأسيل؟ يرحمك الحب يا قلبي!

تحيا إنجلترا!!

كذلك قلتُ، فدهش السامرون

تحيا بريطانيا!!

كذلك قلتُ، فتعجب السامرون تحيا بريطانيا العظمى!!

كذلك قلتُ، فضج السامرون

وماليَ من ذنبٍ إليهم علمته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي

نعم فاسلمي ثم اسلمي ثمة اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تَكلمي

لقد كنت من أعضاء الحزب الوطني، وكنت من أوفى الناس لمبادئ مصطفى كامل ومحمد فريد وعبد العزيز جاويش. وكنت أذيع مبادئ الحزب الوطني بلباقة في الجرائد الوفدية، وكان الوفديون يعرفون صدقي وإخلاصي ونزاهتي فيتسامحون ويدعونني أذيع في جرائدهم ما أشاء. ولما أمضيت معاهدة التحالف بين إنجلترا وبين مصر قررت أن أولف كتاباً أدعو فيه المصريين إلى أن يتذكروا دائما أن إنجلترا كانت غزت مصر ورزأتها بالاحتلال.

فما الذي جد في أفق السياسة حتى أهتف بحياة إنجلترا في بغداد؟

ما الذي جد حتى يتغير زكي مبارك الذي أضاع نفسه في مصر بفضل حرصه على مبادئه الوطنية وانعزاله عن الأحزاب التي تملك مصاير الأمور في أكثر الشؤون؟

فقد كنت ألمح من بعد فتاة تسارقني النظر بعينين زرقاوين، وكنت لا املك الانتقال إليها ولا تملك الانتقال إلي؛ وكان جاري رجلاً ظريفاً كسائر البغدادين، فترك مقعده عمداً لأستطيع دعوة الفتاة إلى جواري. ولم تنتظر الفتاة الدعوة، فما هي إلا لمحة طرف حتى كان وجهها إلى وجهي، وكلمتني بالإنجليزية فلم أفهم، فاستوضحتها بالفرنسية فلم تفهم، فقالت بلسان عربي ملحون ما معناه: أرجوك أن تطلب من سليمة باشا أن تغني:

على بلد المحبوب وديني

ودار الصوت على الحاضرين ويدها في يدي، وعينها في عيني؛ وتلطف الكرام الكاتبون فلم يسجلوا غير الجميل

وبعد لحظات همت الفتاة بالانصراف، فجذبتُ يدها أقبلها فسمحت بعد تمنع واستحياء

ولم يكُ غير موقفنا فطارتْ ... بكل قبيلةٍ منا نَواها

فواهاً كيف تجمعنا الليالي ... وآهاً من تفرقنا وآها

ثم يجئ اليوم الخامس فألقي محاضرتي في كلية الطب، وأُعربد على الدكتور عبد الواحد الوكيل وعلى الأطباء المصريين، وأزعم أن أساتذة الطب في مصر من أكسل الناس، ولولا ذلك لنقلوا علوم الطب إلى اللغة العربية. ويصفق الحاضرون، ويقبل الجارم لتهنئتي فأقول: أنا تلميذك. فيقول: لقد بذذت أساتذتك.

ويجئ المساء فأذهب إلى الحفلة التي تقيمها الجمعية الطبية المصرية فأراها وا أسفاه حفلة مصرية حقاً وصدقاً، فلا شراب ولا رقص ولا غناء، فأقول في نفسي فضحتمونا يا ناس!

ولكن الدكتور عبد الواحد الوكيل ينقذ الموقف فيلقي خطبة يقول فيها إن الجمعية الطبية المصرية عرفت أنها تعجز عن إقامة حفلة كالتي أقامها معالي أمين العاصمة، أو حفلة كالتي أقامها سعادة رئيس الجمعية الطبية العراقية، فقررت أن تقيم حفلة ترقص فيها الخطب ويغني فيها البيان

الله أكبر! الله أكبر!

وكذلك قضينا ثلاث ساعات في سماع الخطب والقصائد، ثلاث ساعات قضيتها في كرب، لولا الخطبة الظريفة التي ألقاها سعادة العشماوي بك، ولولا الوجه الأصبح الذي كنت أتعزى بالنظر إليه

ويجئ اليوم السادس وهو رحلة إلى السدة الهندية وأطلال بابل وأصل إلى القطار في آخر ثانية، فقد كنت في شواغل غرامية عاقتني عن مراعاة الموعد؛ ولكن حظي كان سعيداً، ولا أذكر كيف، فقد تتأذى بذلك بعض الوجوه الصباح. ويمر القطار على قرية اسمها الإسكندرية فأقول: لعل هذه هي البلدة التي ينسب إليها أبو الفتح الإسكندري الذي يروي عنه عيسى ابن هشام في مقامات بديع الزمان؛ وأملأ عيني من نخيلها وأكواخها لأكتب عنها كلمة في الطبعة الثانية من كتاب (النثر الفني)

ثم يقذفنا القطار إلى السدة الهندية، وليتنا غرقنا هناك! والسدة الهندية قنطرة ظريفة على الفرات؛ وللفرات فيها هدير جذاب يذكر بهدير النيل على الرياح المنوفي بالقناطر الخيرية. وقد وقفت على السدة الهندية لحظات ظفرت فيها بموعد سأنعم به يوم أعود إلى وطني، إن كان لي إلى ارض الوطن معاد

لا تحزن يا قلبي، فليست هذه أول غربة، فقد كنت غربياً في كل أرض حتى في سنتريس!

لا تحزن يا قلبي، فأقرب الناس إلى الله هم الغرباء، لأن الغريب يؤدي امتحاناً في كل لحظة، وتدرسه العيون في كل مكان، ويؤدي حساباً إلى كل مخلوق، ويعجز عن إصلاح ما يفسد المفترون

لا تحزن يا قلبي، فكل غيم يتلوه صحو، وكل ليل يعقبه صباح.

لا تحزن يا قلبي، فأنا بجانبك أرعاك وأواسيك، وسأكفنك بدموعي إن قضى الله أن تموت غريباً بين القلوب

لا تحزن يا قلبي، لا تحزن يا قلبي!

ما هذا؟ ما هذا؟

أتريد أن تفر من قفص الضلوع؟

والى أين؟ حدثني إلى أين؟ إلى أين يا جاهل؟ فأنت تجمح إلى قلوب عرفت من بعدك كيف يحلو اللهو، وكيف تقرع الكأس بالكأس، وكيف تطيب الأسمار والأحاديث. إلى أين؟ حدثني إلى أين؟ وهل لك وطن أيها القلب؟

حدثني أين وطنك فقد نسيت! أيكون وطنك بين تلك القلوب الغوادر التي تضن عليك بخطاب تكاليفه عشرة فلوس؟ أيكون وطنك عند تلك الإنسانة الغادرة التي قطعت حبل الود لأني دعوتها لزيارتك متنكرة في بغداد؟

أين وطنك يا قلبي؟ أحب أن أعرف أين وطنك لأمضي معك إليه. أهو مصر؟ كذبت، ثم كذبت، فلو عرفتك مصر حق معرفتك لكان لك اليوم مكان مرموق، ولكنك في مصر منبوذ مجهول

قلبي! قلبي! رحمه الله عليك، فقد سعد ناس بالرفق المزيف، وشقيت أنت بالرفق الصحيح

وقد وصل ناس لأنهم كذبوا، وتخلفت أنت لأنك صدقت.

ونَعمَ ناسُ لأنهم خانوا، وشقيت أنت لأنك وفيت

وتقدم ناس لأنهم هزلوا، وتأخرت أنت لأنك جَدَدْت. وانتفع ناس لأنهم غدروا، وخسرت أنت لأنك وفيت

قلبي! قلبي! أحسن الله إليك!

أنظر يا جاحد! فها نحن أولاء في رحاب أسد بابل؛ وهذه صاحبة العينين. نعم هذه صاحبة العينين أما ترى يا قلبي؟ أما ترى يا جاهل أن صاحبة العينين تُنحّي زوجها بعنف لتظهر في الصورة بجانبك؟ اعترف يا جاهل بأن الله رعاك حين كتب أن تظهر في صورة عالمية في رحاب أسد بابل وفي جوار صاحبة العينين. اعترف يا جاهل بأنك كنت في إحدى لحظاتك أسعد القلوب

مولاتي صاحبة العينين:

أعترف بأني آذيتك بعض الإيذاء، أو كل الإيذاء؛ ولكن الشاعر مغفور الذنوب، لو تعلمين؛ وقد قرأ الناس مذكراتي في مجلة الرسالة فعرفوا من أنت. فهل أطمع يوماً في أن تعرفي من أنا؟ وهل يعرف زوجك المفاضل أنني شاعر لا يهمه غير أنس الروح بالروح؟

المهم عندي يا مولاتي أن يعرف أبناء العروبة أن الجمال غير مقصور على من أنجبت لندن وباريس وبرلين، وأن في بغداد ودمشق وبيروت ومكة والمدينة وصنعاء والقاهرة والإسكندرية والمنصورة ودمياط وتونس ومراكش والمقدس وما شاء الهوى من الحواضر العربية أروحاً فيها جمال وصفاء

مولاتي صاحبة العينين:

لست بالرجل الفاجر، كما يزعم المرجفون، وإنما أنا رجل شاعر يؤمن بأن من الوطنية أن يحبب العرب في بلادهم بالإشادة بما فيها من صباحة وملاحة وأخلاق

فهل أستطيع أن أمر على بلدكم الجميل في طريقي إلى مصر، مصر التي فيها الزمالك وحلوان؟ مصر التي فيها شارع فؤاد، والتي فيها الزيات ومحمد الهراوي ومحمد عبد الوهاب ومدحت عاصم والمخلوق السخيف الذي اسمه عبد الله حبيب؟ مصر التي فيها أحمد فريد رفاعي وطه حسين وإبراهيم مصطفى وأمين الخولي وعبد الحميد العبادي واحمد أمين؟ مصر التي فيها المكتبة التجارية والجامعة المصرية؟ مصر التي فيها هوى القلب وشفاء الفؤاد؟

مولاتي صاحبة العينين:

أنا أشرف من العصابة التي حرستك مني، فاسمحي لي بتقبيل قدميك قبل أن أموت، ولكن. . . ولكن. . . .

ولكن أينسيني حديث العينين وصاحبة العينين ما شهدت يوم زيارة القوة الجوية العراقية؟

إن تلك الزيارة تمثل روح العصر أصدق تمثيل، فقد كان المفروض أن يحلق في الجو بعض أعضاء المؤتمر الطبي، وكان المظنون ألا تظهر هذه الرغبة إلا عند عدد قليل من الأعضاء

ثم ظهر أن الناس كلهم يريدون امتطاء الطيارات حتى خشينا ألا يمر ذلك اليوم بسلام

وما كان يهمني أن أشترك في هذه النزهة فقد عرفت أمثالها من قبل وسجلتها في كتاب ذكريات باريس، ولكني رجوت أن يكون هذا الزحام فرصة أداعب فيها فتاة أو فتاتين أو ثلاث فتيات، ثم هالني ألا أرى غير جماعات من (الخناشير) كلهم شعثُ غبرٌ كأنهم قدموا من البيداء، ومزاحمة هؤلاء ضرب من الضياع

ومع ذلك صممت على الاشتراك في هذه النزهة، ولكني لم افلح، فما كانت طيارة تنزل حتى يهجم عليها الناس كالوحوش ورجعت أتعثر في أذيال الخيبة فما كدت اصل إلى باب المطار حتى سمعت رجلاً يقول:

- أتريد أن تطير يا دكتور؟

- نعم، يا سيدي احب أن أطير!

فدعاني إلى سيارته فركبت ومضينا إلى ناحية قصية فطلب طيارة وقال: (هذه في خدمتك فأدع إلى مصاحبتك من تشاء) فنظرت فإذا سيدة (تائهة) فأخذتها معي وطرت

وعند النزول رأيت السيارة وصاحبها في انتظاري فركبت معه إلى المقصف وأجلسني مع جماعة من الضباط، ثم قال بعد تناول الشاي والحلوى والفاكهة: (خذ حريتك يا دكتور وطوِّف حيث شئت)

فلما تركته كان أكبر همي أن أعرف من هو، فسألت فعرفت أنه سعادة أمير اللواء حسين فوزي باشا رئيس أركان الجيش ومع هذا يعجب ناس حين يرونني أطيل القول في الثناء على العراق وأهل العراق

انتهت أيام المؤتمر، سقاها الغيث، ولكن جد ما لم يكن في الحسبان، فقد أذاع رئيس الجمعية الطبية العراقية أن البصرة هي المدينة التي ولدت فيها ليلى المريضة في العراق. وكنت خليقاً بأن أعرف ذلك من قبل، ولكن ليلى لم تحدثني عن وطنها الأول، ولم أسال عنه ظمياء، فرأيت الفرصة سانحة لأن أمضى مع أعضاء المؤتمر لرؤية الثرى المندى بالعطر والريحان، الثرى الطاهر الذي عرف النعيم يوم كان يتخطر فوقه ذلك القد الرشيق إلى وطنك يا ليلاي، إلى البصرة، إلى النخيل، إلى شط العرب الذي تحترب في سبيله أمم وشعوب، إلى وطن الجاحظ، إلى وطن المبرد، إلى وطن مولاي الحسن البصري امتطي القطار في ظلام الليل

(للحديث شجون)

زكي مبارك