مجلة الرسالة/العدد 250/قضية اللغة العربية

مجلة الرسالة/العدد 250/قضية اللغة العربية

ملاحظات: بتاريخ: 18 - 04 - 1938



للأستاذ أحمد خاكي

يرى الكاتب أن اللغة ينبغي أن تكون لغة معان قبل أن تكون لغة ألفاظ. وأن تعليمها ينبغي أن يرمي إلى ثلاثة أغراض: أولها التدريب العقلي، وثانيها الخبرة الحسية أو الجمالية، وثالثها الوجهة النفعية. وهو يبحث في بعض وسائل تعليم اللغة العربية وينقدها في هذا المقال

1 - أصول نفسية لتعليم اللغات

إذا نحن عالجنا الوسائل التي تكفل إدراك الغايات من تعلم اللغة العربية، وجدنا أنها شعبة من الخطط العامة التي ترسمها المربون وعلماء النفس في العصر الحديث. ويسيطر على التربية في هذا العصر مدرستان متكافئتان من مدارس الفكر: أولاهما يتزعمها فرويد، وثانيتهما كان زعيمها بافلوف

ويذهب الأولون إلى أن النفس جماع الغرائز والميول الفطرية، وهذه تأتلف في أحيان وتختلف في أحيان أخرى. ولقد اتجهت التربية في هذا العصر وجهة من يحاول أن ينشئ تلك الميول سواء أكان ذلك بالاستعلاء بها أم بالتهدي إليها. وقامت فلسفة التربية على أساس من تلك الغرائز المتوافقة المتناكرة، بل لقد كان فتحاً جديداً في التربية أن اصبح الطفل موضع العناية عند المربين. ولعل روسو واضرابه من فلاسفة القرن الثامن عشر كانوا أول من نادى بتربية الطفل كطفل، وأول من هيأ السبيل للعلماء المحدثين. على أن تلك المسألة قد اختلجت بين الفلسفة والأدب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حتى قام فرويد يؤصل أصولها النفسية في السنوات القليلة الماضية. وهنا ظهرت في التربية مبادئ الحرية التي تحاول أن تساير ميول الطفل وغرائزه، وذهب المربون يصطنعون وسائل التعليم على هدى تلك المبادئ الحديثة، فأفلحوا في اصطناع الكثير منها فيما يتصل بكل فروع المعرفة ومنها اللغات.

والطفل عند هؤلاء عامل كبير في تربية نفسه، فليس هو جهازاً مستقبلا، وليس موقفه سلبياً محضاً، وليس ينعم بتلك القابلية التي تستوعب أي شئ وكل شئ من غير أن يكون له من نفسه سلطان على ما يعلم وما يعمل، وإنما نفسية الطفل عندهم فعالة مؤثرة، فهو تتنازعه الهواجس والعواطف والميول. وعلينا نحن أن نبسط له من العلوم ما يتروّاه وينعم به. أما وسائلنا فخيرها ما ساير ميول الطفل حتى يدفعه الشوق إلى الاستزادة من ألوان المعرفة، وحتى يصبح تعليمه داخلياً فعالاً لا خارجياً لا يكاد يتدسى إلى الصميم

وإلى جانب تلك المدرسة النفسية الغامرة ظهرت مدرسة أخرى تؤمن بالغرائز والميول أيضاً، لكنها تؤمن فوق كل ذلك بما يسمونه الأفعال المنعكسة وتلك مدرسة العالم النفسي بافلوف؛ فلا يذهب هؤلاء في تقدير الغرائز مثل ما يذهب أصحاب فرويد ولا يمعنون في تقديرها مثلما يمعن الأولون، وإنما يضعونها جنباً إلى جنب مع الأفعال المنعكسة التي يستطيع أن يكسبها الطفل، ويؤمن هؤلاء بأن الغرائز والميول قابلة للتعديل عند الإنسان وأنه قد يكسب نوعاً خاصاً من المهارة إذا هو وضع تحت مؤثر دائم متكرر. فالتقليد والتكرار والمراجعة كل أولئك جديرة بأن ترشد المتعلم إلى إحسان المهارات وهي جديرة بأن تكون أساساً ثابتاً لعلوم كسب المهارة

ومدرسة بافلوف ومدرسة فرويد كلتاهما على حق. وهما في ذاتهما تمثلان وجهتي نظر مختلفتين لكنهما متكاملتان. أما الأولى فهي تمثل الحرية في التربية، وأما الثانية فهي تمثل النظام. الأولى تعترف بملكات الطفل وقواته، والثانية تحاول أن تشيع نظاماً خاصاً يأتلف تلك الملكات، والأولى تسمح للطفل بأن ينمي كل ما وهب من مدارك، والثانية تربط تلك المدارك بعضها ببعض حتى تصبح موثوقة الأجزاء مرتبطة الأطراف

والآراء النفسية التي يذهب إليها الفريقان تخلق دستوراً بأكمله نجتلي فيه أحسن الوسائل لتعليم اللغات، فاللغة من ناحية ينبغي لها أن ترتبط بالميول والغرائز التي تجتمع لدى الطفل. وينبغي أن تكون مادتها بحيث تهز مشاعره وتحرك أعطاف قلبه، وهي من ناحية أخرى إحدى المهارات التي يكسبها الأطفال كأي فعل منعكس آخر، ولن يتأتى ذلك حتى يكون إحسانها نتيجة لمؤثر أو باعث شديد دائم متكرر. من هذين الوجهين ينبغي لنا أن نثبت الوسائل التي تكفل إدراك الغايات من تعلم العربية. وسنرى في نقد وسائل التعليم الحاضرة أنها بعيدة كل البعد عن ميول التلاميذ من جهة، وإنها لا تقوم على بواعث شديدة متكررة من جهة أخرى، وأن تعليمها عندنا لن يستقيم حتى نداول بين هذين الوجهين من وجوه التربية الحديثة 2 - طرق التعليم

تتصل طرق تعليم اللغات إذن بميول الإنسان وغرائزه. وقد بحث المربون اقرب تلك الميول وأكثرها مواتاة فوجدوا أن اللعب يجلوها، واتخذه كثير من المربين وسيلة من وسائل التعليم، واللعب بمعناه النفسي فيض من النشاط الذي يغمر نفس الطفل، وهو اشد أثراً فيها من العمل. فالعمل يفرض فرضاً لكن اللعب بادرة من وحي النفس، وللعمل غرض قد يكون نفعياً يفسد النشاط ويخبث النفس، ولكن اللعب لا يعرف لنفسه حدوداً، ولا ينقلب شراً إلا إذا اصبح عبثاً غير محمود. وفي اللعب تتنظر قوى الأطفال بأكملها وتتوافى مداركهم، واللعب في المدرسة الحديثة وسيلة للعمل فإذا أفلح معلمو اللغات في اتجاه وسيلة لتعليمها حققوا ما ذهب إليه علماء النفس وربطوا اللغة بالميول الفطرية ربطاً محكما لا انفصام له

ولعل القصة أول أنواع اللعب التي نستعين بها في تعليم اللغة. وعند الطفل ميل طبيعي للتمثيل. ولسنا نقصد بالتمثيل ذلك النوع المسرحي الذي يحسنه الممثلون، وإنما نقصد ما يميل إليه الأطفال من إحلال أنفسهم محل بطل القصة أو بطلتها. وأنت إذا بحثت عقيدة الطفل - بل إذا تعمقت عقائدنا الأدبية - وجدت أنها خليط من الحقيقة والخيال. ففي القصة يتمثل القارئ أو السامع نفسه في الشخصية الروائية التي يميل إليها. فالبطل ينقذ فتاة، والبطل يقود أمة نحو المجد، والبطل كثير الحيطة أيد شجاع، وخلال القصة تعلو عقيدة الطفل حتى ليحسب الخيال واقعاً، وحتى ليتداخله الزهو فيخال نفسه بطلا. ذلك عندنا نوع اللعب الذي يدفع بالناشئين إلى القراءة، فهو يستغرق تفكيرهم، وهو يستهلك جهدهم. وهو بعد ذلك دعامة لا تتزايل من دعامات اللغة

ولسنا ندري من الملوم على حالة الكساد التي قضت على أدب الطفولة عندنا، لكنا نرى عند الطفل الإنجليزي آلافاً من الكتب الجميلة التي تزخر بالصور والرسوم. والطفل الإنجليزي يمتع في صباه بما يرى وبما يقرأ، وهو يندفع وراء القراءة بوحي نفسه، لأن كل هذه الكتب تصادف هواه، لكن الطفل المصري محدود الاختيار. فالمدرسة لا تعترف بما يقرأه في الخارج مهما بلغت عنايته بالقراءة، وهو لا يجد إلا قليلاً من القصص المترجم إذا شاء أن يقرأ، وإنه ليصرفه عن القراءة تبرم بعض المدرسين بالقصة ووصفها بأنها نوع من أنواع العبث. هذا على أنه لا يجد (مكتبة) من القصص، لأن وزارة المعارف هي التي تحكم مصائر الأمور في التعليم، ولأن وزارة المعارف لم تتضمن مركزيتها الاعتراف بالقصة أداة للتعليم في العربية، ولو أنها اعترفت بها أداة للتعليم في الإنجليزية منذ زمن بعيد

عالج المستر مان خبير التربية هذه المشكلة في تقريره عندما تحدث عن الفرق بين لغة الحديث ولغة الكتابة في مصر. وعنده أنه لن ترقي لغة الكتابة في مصر ولن ينقص الفرق بينها وبين لغة الحديث حتى نخلق أدباً قائماً للأطفال يتضمن مادة جذابة توافق عقل الطفل. وينبغي لكتب الطفولة في رأيه (أن تحتوي تلك القصص ذات اللون الخاص التي تتمثل في أدب كل شعب من الشعوب). والحق أن العربية ذات أدب شعبي تمثله كتب كألف ليلة وليلة. لكن ألف ليلة وليلة طبع بالإنجليزية مئات المرات في أشكال وأحجام جميلة مختلفة. وقد بلغ من عنايتنا الضئيلة بمثل هذا الكتاب أننا بدأنا الآن فقط بترجمة ترجماته الإنجليزية إلى العربية. ومثل هذا يقال في القصص الأخرى التي انتقلت في عصر النهضة من الشرق إلى الغرب

ولقد يطول الحديث بنا إذا نحن استرسلنا في الكتابة عن تقصيرنا في خلق أدب الطفولة. وحسبنا أن نقول أن وزارة المعارف هي الهيئة الوحيدة التي تستطيع أن تخلق مثل هذا الأدب. وما دامت المركزية أصلاً من أصول إدارة التعليم عندنا فوزارة المعارف هي التي تستطيع أن تنتخب مدرسين وكاتبين تحبسهم على عمل مثل هذا. ولا غناء عندنا في جهود فردية محمودة يقوم بها الفينة بعد الفينة أفراد متحمسون

والتمثيل المسرحي نفسه وسيلة تكفل حرص الأطفال على تعلم اللغة. ولسنا نقصد بذلك أن يكون له - كما له اليوم - إدارة خاصة مركزية. ولا أن يكون قاصراً على بضعة أفراد من التلاميذ يمثلون فصلاً أو فصلين في العام لأن ذلك قد ساير المدارس الثانوية عندنا منذ نشأتها إلا أنه لم يفد اللغة إلا قليلاً. وإنما نقصد بالتمثيل المسرحي أن يكون لكل مدرس اتجاه خاص يحبب إلى تلاميذه ممارسة التمثيل. فإذا هو أمدهم بالقصص المسرحية العربية وعاونهم على تمثيلها من غير مسرح ولا ستائر كان في ذلك إدراك للغرض من تعلم اللغة، وكان فيه رياضة جمالية سامية. وخيال الطفولة ضمين بأن ينشئ مسرحاً خيالياً، وكفيل بأن يسير بالقصة إلى حد كبير من الإتقان

والتمثيل راسخ كوسيلة من وسائل تعليم اللغة لأنه يقوم على التقليد؛ والتقليد ميل غريزي هو الأساس الأول لدروس كسب المهارة. فإذا اتخذنا التمثيل ذريعة لتعليم اللغة أوفينا على الغاية مما نرمي إليه من تعليم العربية؛ وأدركنا في نفس الوقت غرضنا الحسي أو الجمالي الذي أسلفنا الحديث عنه

ومثل ذلك فكرة الموسيقى والأناشيد وإلقاء الشعر والخطب عند الأطفال. والذي قلناه عن التمثيل ينطبق جميعه على كل هؤلاء؛ وليس يكفينا في هذه المرة أيضاً أن تكون هناك إدارة مركزية للموسيقى تلقن عدداً من الأطفال بضعة أناشيد كل عام، بل الذي يعنينا أن تكون الأناشيد والموسيقى من بين الكفايات التي يحسنها المدرسون حتى يوفقوا بينها وبين دروس العربية، وحتى يتخذوها مُعيناً على إحسان التوقيع وإتقان الخطابة، والسيطرة على مخارج الحروف والكلام. دع عنك ما تراه الطفولة في كل ذلك من الترفيه، وما تجده من الدواعي إلى الاستزادة من معين اللغة

فإذا درج الطفل إلى الصبا بعد ذلك كان في الأدب مجال واسع لتحبيب اللغة إليه. والأدب الذي ندعو إلى دراسته هو الأدب الذي لا يقف جامداً عند سير الشعراء والادباء، ولا يتغير بعصور السياسة، ولا تتقطع بصاحبه الأسباب دون تذوق الجمال. والناشئ الذي قضى أيام الطفولة في جو خيالي من القصص والغناء والتمثيل خليق به أن يصل ذلك بالأدب الموروث، وأن يتأتى لأدب الرجال بما يزخر من شعر سام وبما يحتوي من نثر علمي منتظم

ينبغي أن يكون من أغراض الأدب أن نحيط المتعلم علماً بما ازّينت به اللغة من جمال، وأن نروض الفتيان على أسرار القول المتسق. والعبث بعينه أن نحاول تحفيظهم أين ومتى مات الأدباء والمتفننون. والعبث بعينه أن نفرض عليهم استذكار سير الأدباء وما اتصف به شعر كل منهم من جزالة اللفظ، وما يترقرق في كلامهم من رقة المعنى ولطف الروح، وألا يكون ذلك إلا كلاماً يرددونه كالببغاوات ابتغاء النجاح في الامتحان. بل الخير كل الخير أن ندفع بهم في غمار المأثور من الأدب نعلمهم الأصول ونزكيهم في نفس الشعر ونفس القصص ونفس المقامات حتى يخلق كل واحد منهم لنفسه مزاجاً أدبياً أو فنياً خاصاً فيما يتصل بشؤون اللغة والأدب

ولعلنا نستطيع بعد الذي أسلفنا من وصف الاتجاه الحديث في تعليم اللغات أن نلمس موطن العلة في أساليبنا الحاضرة. وبين الذي فصلناه وبين الذي يقع الآن اختلاف عريض ليس من سبيل إلى تلافيه حتى تتكثر الجهود بعد الجهود، وحتى تقوم مدرسة من مدارس الفكر لتخلق جواً آخر غير الذي تعيش فيه اللغة. وقد تحدرت في أصول التعليم عندنا تقاليد ما زالت تنكر على الطفل حياته الوجدانية الخاصة، فلم يقم إلا القليل يبعثون القصص التي توائم الطفولة. ولم يدرك أحد بعدُ العلاقة بين اللعب الحر وبين اللغة، ولا نحسب أننا في حالة نتوقع فيها أن نقيم العلاقة بين اللغة وبين الموسيقى والغناء، فإن هذا أمل غير قريب التحقيق

على أن الذي نراه قريب التحقيق هو شئ واحد ينتظم كل ما ذكرنا. فإن المعلمين يخلطون دائماً بين الوسيلة وبين الغاية. ويؤمنون بأن الذي اتخذوه وسيلة إنما هو غاية في نفسه. فقد اتخذ المعلمون الأقدمون النحو وعلوم البلاغة وسائل لتقويم اللسان وسلامة المعنى، ويتخذها المعلمون المحدثون غايات في نفسها يعقدون فيها أعسر الامتحانات. ولو أنهم علموا أن إحسان القول وإتقان القراءة والكتابة هي نفسها الغايات لتغيرات نظم التعليم عندنا ولنهيأ جو صالح يتحول فيه تعليم اللغات إلى المرتبة التي نبغي

ولشد ما يعجب المرء حينما يمر بنظرة عجلى على الكتب التي يدرسها تلاميذ المدارس الثانوية في مختلف الفرق. وأشهد أنى لأتردد كثيراً أن أعقد موازنة بين الكتب العربية التي يدرسونها والكتب الإنجليزية. ولعلك تدرك قليلا من مثل هذا التردد إذا علمت أن التلميذ في السنة الأولى يقرأ حوالي أربعمائة صفحة من الإنجليزية وهو يقرأ مثل هذا القدر في السنة الثانية، ويزيد على الخمسمائة في الثالثة ثم يربى على الستمائة في الرابعة. أما إذا سألتني ماذا يقرأ هؤلاء في العربية أجبتك بأن التلميذ لا يقرأ نصف هذا القدر في فرقته. وبالضياع مجهود البلاغة والنحو لو لم يستعن بعض هؤلاء التلاميذ بالمجلات وبروايات الجيب ثم بعد ذلك بالأدب الرخيص

ولنا حديث آخر عن تعليم النحو والقواعد، واتصال ذلك بفكرة الأفعال المنعكسة نرجو أن نزجيه إليك في الأسبوع القادم أن شاء الله أحمد خاكي