مجلة الرسالة/العدد 250/للأدب والتاريخ

مجلة الرسالة/العدد 250/للأدب والتاريخ

مجلة الرسالة - العدد 250
للأدب والتاريخ
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 18 - 04 - 1938


مصطفى صادق الرافعي

1880 - 1937

للأستاذ محمد سعيد العريان

- 26 -

وحي الأربعين

أصدر العقاد ديوانه (وحي الأربعين) في سنة 1933؛ والسياسة المصرية يومئذ تسير في طريق معوج، وحكومة صدقي باشا تمكن لنفسها بالحديد والنار، و (الوند) ومن ورائه الأمة كلها يجاهد حكم الفرد ويكافح للخلاص، والعقاد يومئذ هو كاتب الوفد الأول، يكتب المقالة السياسية فترن رنيناً ويلقفها آلاف القراء بلهفة وشوق في كل مدينة وكل قرية؛ فلا عجب أن يكون العقاد بذلك عند عامة القراء هو أبلغ من كتب وأشعر من نظم، حتى ليؤول أمره من بعد إلى أن ينحله الدكتور طه حسين بك الوفدىُّ المتحمس، لقب أمير الشعراء، تملقاً للشعب ونزولاً على هواه. . .!

ولقد يكون العقاد يومئذ على حقيقته هو سيدَ الكتاب وأمير الشعراء أو لا يكون؛ ولكن هذه هي كانت منزلة عند الشعب يومئذ؛ فلا يعاديه أحد إلا كان عدو الأمة، ولا يعرض له أحد بالنقد في أي منشأته الأدبية أو السياسية إلا كان في رأى الشعب (دسيسة) وطنية أو صنيعة رجعية. . .

هذه هي كانت الحقيقة في تلك الحقبة من التاريخ التي امتزج فيها الأدب بالسياسة امتزاجاً جعل طائفة كريمة من الأدباء يؤثرون الصمت واعتزال الأدب على أن ينزلوا بأنفسهم إلى معترك لا يعرفون أين تبلغ بهم عواقبه. ولكن الرافعي رجل - كان - لا يعرف السياسة ولا يخضع لمؤثراتها؛ فهو لا يعتبر إلا مذهبه في الأدب وطريقته؛ وسواء عنده أكان رأيه هو رأى الجماعة أم لا يكون، ما دام ماضياً على طريقته ونهجه. ولقد قدمت القول بأن الرافعي كان يتربص بالعقاد منذ قريب لينزل إليه في معركة حاسمة تنقع غلته وتبرئ ذات صدره، فما أن تهيأت له الأسباب بصدور (وحي الأربعين) حتى تحفز للعراك. وكان م بين العقاد ومخلوف هو السبب المباشر الذي ألهب حمية الرافعي فنزل إلى الميدان مستكملاً أهبته مزوداً بسلاحه، غير مكترث بما قد يناله من غضب الآلاف من القراء الذين يقدسون العقاد الكاتب تقديساً اعمي فلا يفرقون بين العقاد السياسي والعقاد الأديب. . .!

وأرسل الرافعي يستدعيني إليه ذات مساء، فرحت إليه بعد العشاء بقليل؛ فإذا هو جالس إلى مكتبه، وعلى مقربة منه (وحي الأربعين) وإن عليه لثوباً أحمر في لون عرف الديك، وفى عينيه فتور وضعف ينبئ عن السهر والجهد العميق؛ فإنه ليبدو في مجلسه ذلك كأنه عائد لساعته من معركة حمراء. . .!

قال: (لقد فرغت من قراءة الديوان منذ قليل، وإن لي فيه لرأياً. فهل تساهرني في الليلة حتى أملي عليك ما أعددت في نقده؟)

كانت هذه أول مرة يملى الرافعي على فيها من مقالاته؛ فكانت فرصةً سعيدة لي، اشهد فيها الرافعي حين يلقَّي الوحي، وأصحبه في سبحاته الفكرية يقتنص شوارد الفكر وأوابد المعاني. وكانت فرصة سعيدة له: أن وجد يداً غير يده تحمل له القلم حين يكتب ليفرغ لنفسه، ويخلو بفكره؛ وما تعوَّد قبلها أن يكتب وفى مجلسه إنسان. وإن أثقل شيء عليه أن يكتب بيده، ولكن اقل من ذلك عليه أن يعرف أن عيناً تلاحظه وهو يكتب، فما زال يكتب لنفسه منذ بدأ متبرماً بهذه المهمة، ضيق الصدر بما يبذل في الكتابة من جهد. وإن خطه لأردأ خط قرأت في العربية. . . حتى اصطفاني لهذا الواجب، فلزمته ثلاث سنين لا يهم بكتابة مقال إلا دعاني ليمليه عليّ، حتى انتقلت من طنطا فعاد إلى ما كان من عاداته: يملي على نفسه ويكتب لنفسه، ولم يسترح إلى كاتب بعدي يشركه في جلوة الوحي وخلوة الكتابة!

وجلس فأملى عليّ مقاله في نقد (وحي الأربعين)، من قصاصات في يده لا تزيد إحداها على قدر الكف، فما فرغ من الإملاء حتى أذن الفجر، وحتى كانت هذه القصاصات بضعاً وعشرين صفحة كبيرة، تشغل بضعة عشر نهراً من جريدة البلاغ. وكانت ليلة تحملت فيها من الجهد والمشقة ما لم أتحمل في ليلة غيرها فقمت منهوك القوة عيّان، وقام الرافعي في مثل نشاط الشاب في عنفوانه، كأنما كان عليه عبء فرماه عن كتفيه. . .!

وكان بين البلاغ والعقاد خصام، وكان بينه وبين الرافعي مودة، فما كادت تصل إليه مقالة الرافعي في البريد المستعجل ظهر ذلك اليوم، حتى أعلن عنها وبشر القراء أن ينشرها في غد. . . وشغلت من البلاغ ثلاث صفحات في يومين. . . وكان نقداً مُراً حامياً اجتمع فيه فن الرافعي، وثورة نفسه، وحدة طبعه، وحرارة بغضائه، ولكنه كان نقداً منزهاً عن العيب

أستطيع أن أقول ويقول معي كثير من أدباء العربية: أن هذه المقالة هي خير ما كتب الرافعي في نقد الشعر، وأقربها إلى المثال الصحيح، لولا هفوات قليلة يعفيه من تبعتها أنه إنسان!

من قرأ (على السَّفُّود) فعابه على الرافعي وأنزله غير ما كان ينزله من نفسه، فليقرأ مقال الرافعي في نقد (وحي الأربعين) ليرى الرأي المجرَّد في شعر الأستاذ العقاد عند الرافعي. . .

ومضى يوم واحد، وظهرت صحيفة الثلاثاء من جريدة الجهاد وفيها رد العقاد على الرافعي، وقد نفذ إليه من باب لم يحسب الرافعي حسابه، فتغير وجه الحق، ودارت المعركة حول محور جديد. . .

كان عنوان مقالة العقاد (أصنام الأدب) فيما أذكر، وكان مدار القول فيها هو الطعن على رجلين: هما إسماعيل مظهر، والمهزار الأصم مصطفى صادق الرافعي. وكان أكثرُها سباباً وشتيمة واقلها في الرد والدفاع. على أن العقاد لم يرد رأي الرافعي فيما أخذ عليه من مآخذ إلا في مواضع قليلة، وترك الرد في أكثر ما عاب عليه الرافعي، مستعيضاً على الرد بالشتم والسباب. . .!

وإذا كان السبب مفهوماً في طعن العقاد على الرافعي وشتيمته إياه، فأي سبب حمل العقاد على أن يشرك الأستاذ إسماعيل مظهر مع الرافعي فيما وجه إليه من الشتم والتهمة؟

جواب ذلك يفهمه من يعرف أن الأستاذ إسماعيل مظهر صاحب العصور، هو طابع كتاب (على السفود) وناشره ومروِّجه. أفنستطيع أن نحكم من هذا بأن العقاد لم يكن يعني الرد على مقال الرافعي الأخير وحده؛ ولكنه وجدها فرصة لتصفية الحساب القديم كله بينه وبين الرافعي وصاحبه الذي أغراه على كتابة (على السفود)

وكان الباب الذي نفذ منه العقاد في الطعن على الرافعي، هو اتهامه في وطنيته، وإيهام قرائه بأن الرافعي لم يكن لينقذه إلا لأنه هو العقاد السياسي الوفدي عدو الحكومة المتسلطة على الناس بالحديد والنار! وحسبك بها من تهمه حين يقولها العقاد!

أن للعقاد مفاجآت عجيبة النقد، تمثل العقاد الكاتب المرن المحتال في أساليب السياسة، اكثر مما تمثله ناقداً محيطا يدفع الرأي بالرأي والبرهان بالبرهان!

وقرأت مقالة العقاد في الرد على الرافعي، فوجدت أسلوباً في الرد لم اكن انتظره، يؤلم ولا يفحم، ويقابل الجرح بالجرح لا بالعلاج. فما فرغت من قراءة المقال حتى تمثل لي الرافعي مرّبد الوجه من غيض وغضب، مزبد الشتقين من حنق وانفعال؛ فسرني أن أسعى إليه قبل ميعادي لأراه في غيظه وحنقه وانفعاله، فانتهزت ساعة فراغ في الظهر، فمضيت إليه في (المحكمة)؛ فما كاد يراني مقبلاً عليه حتى هتف بي وهو يبتسم ابتسامة المسرور ثم قال: (أقرأت مقالة العقاد؟) قلت: (نعم) قال: (فماذا رأيت فيها؟) قلت: (لقد كان شديداً مؤلماً!) فضحك وقال: (والله ما رأيت كاليوم! لقد ضحكت حتى وجعني قلبي من شدة الضحك. . . إنه لم يكتب شيئاً، ولم يرد علي شيء؛ أن سبابه وشتمه لن يجعله عند القراء شاعراً كما يشتهى أن يكون، وأن حسب أنه به يكسب المعركة. لقد حق عليه ما قلت فيه، وأنه ليعترف. أن فراره من الرد إلى السباب والشتيمة ليس إلا اعترافاً بالعجز. . .)

قلت: (إذن فأنت لا تنوي الرد؟)

قال: (وأي شيء تراه يستحق الرد فيما كتب؟)

قلت: (ولكن القراء لن يفهموا سكوتك على وجهه، ولن يسموه إلا انسحاباً من المعركة. . .! أفترضى أن يقال عنك. . .؟)

وبدا على الرافعي كأنه اقتنع، وهاجته كلماتي مرة أخرى إلى النضال. ومعذرة ثانيه إلى الأستاذ العقاد!

إن معركة تدور رحاها بين العقاد والرافعي جديرة بأن يحتفل لها الأدباء وان تنال من اهتمامهم أوفى نصيب، وإن لهم فيها لمتاعاً ولذة وفائدة. وما كان لي أن أقنع وقد هجت هذه المعركة بما فيها من متاع ولذة وفائدة بأن تنتهي من أول شوط!

وقال لي الرافعي: (فهل توافيني الليلة لأملي عليك؟)

فواعدته وذهبت إليه في المساء، فأملى عليّ فصلا من نسخته الخاصة لكليلة ودمنة، بعنوان (الثور والجزار والسكين!) ثم أتمه مقالا في الرد على العقاد. وكان فصلا قاسياً عنيفاً، ليس من مذهب المقال الأول ولا نهجه، إذ لم يكن المقصود به النقد وحسب، بل الرد والسخرية والإيلام، ثم قطع السبيل وتدعيم الدليل وتقرير المعنى فيما قدم من مواضع النقد

ثم رد العقاد ليعلن انسحابه من المعركة، شاكراً للذين أيدوه، متعذراً عن عدم الاستمرار في مناقشة دعوى الرافعي! واستمر الرافعي يكتب حتى فرغ. . .

وكان النصر للرافعي عند طائفة، ولكنه خسر عطف الآلاف من أصدقاء العقاد الكاتب الوطني الكبير، إذ لم يروا عداوة الرافعي له في الأدب إلا دسيسة سياسية من خصوم العقاد!

وانتهت المعركة الأخير بين الرافعي والعقاد، ولكن الرافعي لم يقتنع بما نال من النصر عند الصفوة من القراء الذين يفرقون بين الأدب والسياسة، إذ كان على يقين أنه وأن كانت له الغلبة، قد خسر اكثر الطائفتين من قراءه لأنهم على مذهب العقاد السياسي، فضل مغيظاً محنقاً إلى حين. . .

ومضت سنتان، وتقلبت السياسة المصرية من تقلباتها، فإذا العقاد الذي كان كاتب الوفد الأول، خارج على الوفد، يطعن عليه وعلى رئيسه؛ وأنصار الوفد ما يزالون إلى يومئذ اكثر الأمة. . . ووجد الرافعي فرصة سانحة لينتقم، وليستخدم السياسة في النيل من خصمه في الأدب، فيكيل له صاعاً بصاع، ويحاربه بمثل سلاحه؛ فكتب مقالاً بغير توقيع في كوكب الشرق، جريدة الوفد، بعنوان: (أحمق الدولة!) وكان مقالا له رنين وصدى. . .

ونشر في (الرسالة) يومئذ كلمات تحت عنوان (كلمة وكليمة) عرض فيها بالعقاد الخارج على الوفد تعريضاً أليماً يؤذيه، لم ينتبه له إلا القليل

وكان مقاله عن العقاد في كوكب الشرق، وكلماته في الرسالة سبباً في أن يدعوه الأستاذ توفيق ذياب ليحرر في الجهاد بأجر كبير؛ ولكن لم يتم بينهم اتفاق

ولم تكن تسنح للرافعي سانحة لغيظ العقاد إلا انتهزها، فما كتب الرافعي عن شاعر من الشعراء بعد ذلك إلا جعل نصف كلامه تعريضاً لشعر العقاد. وبذلك ما كتب عن الشاعر المهندس علي محمود طه في المقطم، وما نشره عن الشاعر محمود أبو الوفا في الرسالة، ومقالته (بعد شوقي) معروفه لقراء الرسالة عامه؛ وكلها تعريض بشعر العقاد الذي نحله الدكتور طه حسين إمارة الشعر في يوم من الأيام بعد شوقي! والعداوة بين الرافعي والعقاد من العداوات المشهورة بين أدباء الجيل، ولها أثر أي أثر فيما انتج كل من الأديبين الكبيرين في أدب الوصف؛ ولا تدانى هذه العداوة في الشهرة إلا العداوة بين الرافعي وطه حسين

واحسب أنه كان بالإمكان أن يجتمع العقاد والرافعي في تحرير الرسالة لولا ما كان بينهما من خلاف وعداوة. قال لي الأستاذ الزيات مرة منذ عامين: (وددت لو يكتب العقاد في الرسالة! ولكنما يمنعني من دعوته إلى ذلك أنني لا أستطيع أن انشر له وللرافعي في عدد واحد!)

قلت: (فما يمنع؟)

قال: (أنت تعرف أخلاق الرافعي، وأنا اعرف أخلاق العقاد، وإن لكل منهما اعتداداً بنفسه بازاء صاحبه، فأي المقالين اقدم وأيهما أؤخر في ترتيب النشر؟ أن تقديم مقال على مقال ليس شيئاً ذا بال، ولكنه بين الرافعي والعقاد له شأن أي شأن!)

وظل الأستاذ الزيات معنيا بهذا الأمر، حريصا على أن يجمع بين الأديبين الكبيرين في مجلته، وهو يلتمس السبيل إلى ذلك فلا يوفق، حتى مات الرافعي فانحلت المشكلة؛ ودخل العقاد، ولكن بعدما خرج الرافعي!

رحم الله الراحل، ونفع بالباقي!

محمد سعيد العريان