مجلة الرسالة/العدد 259/بين الغرب والشرق

مجلة الرسالة/العدد 259/بين الغرب والشرق

ملاحظات: بتاريخ: 20 - 06 - 1938



للدكتور إسماعيل أحمد أدهم

- 1 -

(إن العقلية الغربية هي العقلية التي تتسق وحاجات هذه الحياة الدنيا. ونحن نتبع وحي هذه العقلية بحكم أننا وجدنا في هذه الحياة الدنيا. أما العقلية الشرقية فتلائم الحياة الباقية، فإذا انتقلنا إلى الأخر فهنالك نتبع وحي هذه العقلية)

هابل آدم

قرأت ما كتبه صديقي الأديب النابغة فليكس فارس في عدد الرسالة السالف في موضوع الشرق والغرب؛ وكان حرَّيا بي ألا أرد على ما يكتبه صديقي ومناظري من ردَّ لآرائي التي سبق أن أدليت بها في مناظرتي معه منذ عام أو أكثر من على منبر جمعية الشبان المسيحية بالإسكندرية والتي نشرتها في وقتها (المجلة الجديدة)، لأني أعتقد أني في حينها أعقبت عليها بما رأيت فيه الكفاية لإثبات وجهة نظري في الموضوع. ولكن مناظري وقد أخذ من ردَّه على مل رآه اليوم ذا صلة وثيقة بذلك الحديث الذي أجراه الأستاذ الكبير توفيق الحكيم على لسان الروسي والمصري حول الشرق والغرب في روايته (عصفور من الشرق) التي صدرت خلال الشهر الماضي. ولقد أثار الأستاذ فليكس فارس في مقاله مسائل أعتقد أني بينت زعمها ومجانبتها لحقائق الأمور في تعقيبي عليه، لهذا عمدت بدوري إلى تعقيبي على رد مناظري الأستاذ فارس لآخذ منه ما يدفع آراءه التي يؤيد بها اليوم إيمانه بتفوق ثقافة الشرق

لكل شعب في العالم تراثه التقليدي الذي خرج به من ماضيه، والذي يحف به في حاضره، والذي يكمن فيه مقدمات مستقبله - تلك التي نطلق عليها اصطلاح (روح الأمة) - وهو الذي يربط ماضي جماعة من الجماعات بحاضرها ويمضي بها إلى مستقبلها. ومصر لم تخرج عن كونها مجتمعاً استوحى روح الشرق عصوراً متطاولة وخرج ككل أمة بثقافة تقليدية كونها على مدى تاريخه الطويل. وإن وقف مجتمع مصر اليوم من سير الزمن يطل على حاضر افتقدت فيه عناصر الحيوية في ثقافته التقليدية، تلك الثقافة التي كوَّنتها مصر بما ورثته عن أسلافها الفراعنة في أصول الفن الفرعوني القديم ومظاهر الحياة المعاشية التي ترتكز عليها حياتها الاجتماعية. ويكفينا للتثبت من هذه الحقيقة أن نلقي نظرة على الملايين العديدة التي تنزل ريف مصر والتي تنتشر على ضفتي النيل من الشلال حتى البحر الأبيض المتوسط، في حياتها المعاشية التي يرتكز عليها المجتمع المصري، وأن نرجع ببصرنا إلى الماضي بعدئذ مستمدين من النقوش التي قرأت على الآثار والهياكل والتي انبثت على جنبات الوادي في مصر، ومن الكتابات التي خطت على أوراق البردي والتي صورت حياة المصريين في العهد الفرعوني، لنخرج بصورة تمثل وحدة الحياة المعاشية في مصر من عهد الفراعنة إلى يومنا هذا. وذلك راجع إلى أن الحياة المعاشية صورة من احتياجات البيئة التي يعيش فيها الإنسان؛ والبيئة واحتياجاتها لا تزال على وتيرتها الأولى في ريف مصر حيث ينزل معظم أبناء مصر. خذ إلى جانب ذلك منطق التفكير وأسلوب الصياغة، وأعني بذلك اللغة من حيث هي صوغ المعاني، والدين، مما اكتسبته مصر من العرب فكان ركناً من أركان الثقافة التقليدية لمصر. ولقد اختلطت هاتان الثقافتان، الفرعونية من جانب والعربية من جانب، فكان من ذلك مزيج. ذلك ما نعبر عنه بالثقافة التقليدية لمصر منذ أيام الفتح العربي

أما ما أثاره مناظري الأديب فليكس فارس من اعتراض على قولي إن الحياة المعاشية التي يحياها المصري الآن تجري على غرار ما كان يحياه أسلافه الفراعنة بقوله وأنا لا أرى في حياة المصريين اليوم أثراً من الحضارة الفرعونية لا في الحياة العملية ويعني بذلك المعاشية ولا في الحياة الأدبية، فإنني لا أجد صعوبة في دفع اعتراضه فأقول وأنا أرى في حياة المصريين اليوم أثراً من الحضارة الفرعونية في حياة الشعب المعاشية!!

وأظن أن إثارة الاعتراضات ودفع الاعتراضات لا يقوم على مجرد القول بأني أرى أو لا أرى، إنما تقوم على البحث والتحليل والنقد المستقصي. فإذا قلت إني لا أرى بي حاجة لدفع اعتراض مناظري، فذلك واضح لأنه لن يأت بأكثر من قوله إني لا أرى!

ومع ذلك أحب أن ألفت نظر مناظري إلى أصول الري عند الفلاح المصري ونظام معيشته ومسكنه الريفي وجلبابه الأزرق وعاداته وتواكله وانصرافه عن كل شيء لقطعة الأرض التي يزرعها، الشيء الذي لم يتغير في مصر منذ سبعة آلاف سنة مما يتضح للباحث من ابسط مقارنة بين فلاح اليوم في مصر الحديثة وفلاح الأمس البعيد في مصر الفرعونية، الشيء الذي يثبت أن الثقافة التقليدية تقوم على أساس من الفرعونية من ناحيتها المعاشية؛ وإذ قلت الفرعونية فإنما أعني أن وحدة الحياة المعاشية تتماشى في ثقافة المصريين التقليدية حتى العهد الفرعوني.

إذا صحّ هذا، فكأن الثقافة التقليدية لمصر من ناحيتها المعاشية فرعونية، أما من ناحيتها العقلية فهي فرعونية تكيفت تبعاً لها الثقافة العربية تكيفاً يتلاءم وما تحتاج إليه الثقافة الفرعونية في عهد الحكم الروماني من ملابسات لتجاري فن الحياة في ذلك العصر. ومن هنا قامت أو قل استمدت اللغة العربية في مصر قدرتها على صوغ المعاني بما يتكافأ ومحيط مصر، فكانت اللغة العامية في مصر، وهي في الحقيقة الفرعونية الآخذة بأسباب التعرّب، ثم كان الدين الإسلامي ومنطق التفكير مما يتكافأ الطبيعة المصرية الفرعونية، وهذا ما يثبته دخول الكثير من عادات وتقاليد المصريين في تضاعيف العقيدة الدينية. يقول الدكتور سليم حسن بك عالم الآثار المعروف:

(إن كل ما كان يحرزه المصري القديم من عادات وفن ودين إلى عصر الفتح الإسلامي قد سلمه برمته إلى مصر الإسلامية، اللهم إلاّ اللغة والدين - على أن الأولى بقيت على قيد الحياة وأثرت في اللغة العربية في مصر إلى أن اندثرت في القرن السابع عشر وأقصد بذلك اللغة القبطية. أما الدين المصري القديم فقد ظهر عله الدين المسيحي ثم الإسلامي لفظا وشكلاً. والواقع أن معظم الطقوس الدينية في مصر الحديثة ترجع في أصلها إلى مصر القديمة وهي تعد في الدين الإسلامي بدعاً) وأنت ترى أن الأخصائيين في مصر الفرعونية يحكمون لنا في قضيتنا أن ثقافة مصر العقلية التقليدية فرعونية الأصل تكيفت تبعاً للثقافة التقليدية العربية تكيفاً يتلاءم وما تحتاج إليه الثقافة الفرعونية من ملابسات لتجاري فن الحياة في عصر الفتح الإسلامي

وهذه الثقافة التقليدية التي تتماثل صورها في سريرة كل مصري هي قرارة الذهنية المصرية. ولا يمكن أن تتقطع أوصال هذه العقلية من حيث هي تنزل عند حكم فطرة الشعب ما لم يهتز لذلك المجتمع المصري هزَّا عنيفاً ويدلف إلى حياة جديدة تتقطع معها أحكام البيئة والمحيط التي احتضنت ثقافة مصر التقليدية نتيجة لتكافئها معها. وما دامت لم تفز مصر بثقافة جديدة تهز المجتمع المصري في صميمه، فليس هنالك سبيل لتقطع ثقافة مصر التقليدية.

إذن فلنصرف الكلام عن ذلك ولنبحث في هل هنالك من سبيل لتلقيح الثقافة التقليدية لمصر بعناصر أجنبية تبعث فيها النشاط وتدفعها لآفاق جديدة تتفق وحالات هذا العصر. وإذن يكون موضوع الخلاف الأساسي بيني وبين مناظري: هل من الخير لمصر أن تلقح ثقافتها التقليدية بعناصر من الثقافة الغربية لتساير مجرى الحياة، أم تمضي في أخذها عن الثقافة الشرقية؟

هذا هو موضوع الخلاف بين الشرق والغرب بالنسبة لمصر، وإذا قلت مصر، فإنما أعني مصر وحدها، لأن لمصر ثقافتها التقليدية التي تباين ثقافة السوريين التقليدية أو ثقافة اللبنانيين التقليدية، وما ينجح لمصر قد لا ينجح لغيرها

أما وقد وصلنا من البحث إلى هذا الحدّ، فلننظر قليلا في بحث معنى الثقافة، لأني أتبين خلافاً خطيراً بيني وبين مناظري في مفهوم الثقافة والعلم

وإني لأشعر قبل أن أدلف إلى أغوار البحث بخطورة ما سأدلي به، ذلك لأني أجد التفرقة بين العلم الوضعي والثقافة اعتبارياً. وإن كانت صيغة العلم موضوعية وصيغة الثقافة تتسم بطباع الذاتية. ذلك لأنه لا يمكن في عالمنا الحاضر التفرقة بين الثقافة والعلم، لأن الأولى نتيجة للثاني، وليس ذلك نتيجة لاغترار ذهني، وإنما نتيجة للنظر في مجتمعنا الراهن حيث يَسُود العلم الوضعي كل شيء، وينزل المنطق العلمي البحت أساساً لكل شيء. فان الحضارة الراهنة. . . الآلية بصورها المادية نتيجة لاستخدام المنطق العلمي في استغلال الطبيعة لصالح الإنسان، وكانت نتيجة استخدام المنطق العلمي أن نشأت حضارة تغلبها النزعة المادية تنزل منها ثقافتنا العصرية منزلة التاج، ولا يمكن لمجتمع أن يأخذ من العلم الوضعي نتائجه فيستخدمها دون أن يأخذ منطقه الذي يؤدي إلى هذه النتائج إلا ويكون عالة على الإنسانية. وارفع مثال ذلك اليابان التي ضربت بها مثلاً على أن أمة من الأمم لا تأخذ بالثقافة الغربية إلا وتنهض، فان اليابان ما نهضت إلا بأخذ الآلة والآلة فقط، ولذلك كان نهوضها آلياً لأنها لم تأخذ منطق التفكير الأوربي نتيجة لاحتفاظها بشرقيتها ومنطق تفكيرها التقليدي. وهذه حقيقة كبرى كما يقول مناظري، ولكن تقوم برهاناً على صحة كلامي، فاليابان اليوم عائشة عالة على أوربا وعلم أوربا، لأنها لم تأخذ علم أوربا ومنطق تفكير أوربا، فكان نجاحها وقفاً على الآلة التي استعبدت أهلها فعاشوا ثمانين مليوناً من البشر في مرتبة أحط من السوائم والحيوانات إذ لم يرتفعوا إلى مرتبة الشعور بالحياة الإنسانية وكرامتها والنضال من أجلها كما هو الحال في أوربا حيث يعمل العامل للتحرير من استعباد الآلة

أظن أني خرجت عن الموضوع

إن ثقافة اليوم من حيث أنها تتبع العلم لا يمكن تخليصها من آثار العلم، والثقافة الأدبية يغزوها اليوم العلم بمنهجه الصارم ومنطقه، فمن الخطأ أن نفرق بين الثقافة من حيث أنها نتيجة معاشية وأسلوب في الحياة وبين العلم ومنطقه وهي أداة اليوم للعيش والحياة

إن الفرق بين الشرق والغرب ينحصر في هذا وحده: الغرب يقيم الحياة على أساس إنساني ويترك للعلم أن ينظم الصلات الإنسانية بين البشر؛ والشرق يقيم الحياة على أساس غيبي ويترك للغيبيات تنظيم الصلات بين البشر. الغرب يقيم حياته على أساس من التفكير في إيجاد التكافؤ بين حاجاته ومحيطه مستخدماً في ذلك العلم؛ والشرق يقيم حياته على أساس من التواكل. ولهذا لما أخذت اليابان الآلة لم تعمل على إيجاد التكافؤ بين الحياة الجديدة التي دلف إليها اليابانيون وبين حاجات هذه الحياة الجديدة، لأن التواكل هنالك يقوم مقام العمل والتفكير، فكانت نتيجة ذلك أن استعبدت الآلة أهل اليابان

لا أرغب في التوسع أكثر من هذا في هذا الموضوع الآن

في ضوء ما قدمت يفهم معنى عبارتي: (للشرق روحه الذي يستوحيه أبناؤه نزولاً على فطرتهم، وللغرب منطقه الذي يستنير به أفراده نزولاً على وحي مشاعرهم)، تلك العبارة التي جعلت مناظري يستغرب مقالي لأن فيه حصراً للمنطق في الغرب. وفي الواقع ما هو حصر للمنطق فيهم، ولكن شاء الشرقيون أن يحصروه فيهم متبعة لدعوات خطيرة مثل التي يقوم بها اليوم الأستاذ فليكس فارس!

المنطق مشاع بين الأمم، ولكن يجب أن تمرن الأمم عليه قبل أن تصبح متغلغلة في تفكيرها، إذ ليس المنطق أسلوباً في التفكير يتبع وأقيسة يجري عليها، إنما هي قبل هذا كله ميل عقلي واتجاه ذهني يمكن أن يكتسب

أما قول مناظري (وما اخترع الغرب المنطق ولا هو أوجد التفكير العلمي) فذلك مجانب للحقائق المعروفة في التاريخ من أن الإغريق هم أول من عرفوا المنطق وأوجدوا التفكير العلمي وعنهم أخذ العالم المنطق. ولا أظن أن هذا موضع نقاش، وإنما يظهر أن الروح الشعرية تغلب مناظري فتجعله يتناسى كل حقائق العالم!

أقف عند هذا الحد في هذا المقال في دفع اعتراضات مناظري الأستاذ فليكس فارس، ولنا في المقال الثاني عودة لموضوع الثقافة والعلم وثقافة العرب وثقافة الغرب

وأنتهز هذه الفرصة لأدعو أنصار الثقافة الغربية للكتابة في موضوع الأخذ بثقافة الغرب لهذا الشرق النائم، وفي مقدمة هؤلاء أدعو صديقي الدكتور حسين فوزي صاحب (سندباد عصري) أن يبدي آراءه بصراحة في الموضوع، ولعل في هذا النقاش يكون الحد الفاصل بين القول بالشرق والغرب!

إسماعيل أحمد أدهم