مجلة الرسالة/العدد 268/السلطتان الروحية والزمنية

مجلة الرسالة/العدد 268/السلطتان الروحية والزمنية

مجلة الرسالة - العدد 268
السلطتان الروحية والزمنية
ملاحظات: بتاريخ: 22 - 08 - 1938



كما يراها الإسلام

للأستاذ عباس طه

كانت السلطة الزمنية والسلطة الروحية - ولا تزالان - في تقدير الإسلام من أخص أوضاعه ومميزات أسراره

والسلطة الروحية هي التي تنظم علاقة الإنسان بربه في عباداته ومعاملاته الظاهرة والباطنة، وتخضع ناموس المشاعر وقوانين القلوب لذلك السلطان القاهر الذي له الهيمنة على الإنسان في شتى مناحيه

والسلطة الزمنية هي التي تنظم علاقة الإنسان بالإنسان وترسم لتلك العلاقة حدوداً في المعاملات بشتى ملابساتها وتتفرع عن هذه السلطة سلطات ثلاث: السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية

كانت هاتان السلطتان متلازمتين في الإسلام، فهما ملاك هذا الوجود وقطب رحاه، وهما اللتان أقام منهما حارساً على بناء هذا المجتمع أن تنهار أسسه وتتداعى نظمه؛ ذلك الإسلام في مناعته وقوة حياطته وما كفله في أطوائه من تلمس أقوى العوامل إنهاض هذا المجتمع حتى يظل باقياً يؤدي رسالته ويذيع في البشر أمانته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. وبدهي أن الإسلام دين روحي زمني ينتظم في أبلغ أوضاعه عملي الدنيا والآخرة، فهو بطبيعة وجوده مصدر يصل بين حياتي المعاش والمعاد، ويكل إلى المضطلعين بأعباء السلطة الزمنية أن يستمدوا قوانينها ومبادئها وأحكامها من السلطة الروحية، ضرورة أن السلطة الروحية قد فرضت الفروض ورسمت الحدود في آي الفرقان بما يجمع تراثاً خصباً صالحاً حين ترجع أليه الرسل ومن بعدهم خلوفهم. من أجل ذلك رأينا رسول الله يستمد أحكام السلطة الدنيوية من السلطة الدينية لأنهما توأمان لا يمكن ألبتة الفصل بينهما إلا بتحكم الطغيان الجائح فيهما فقد درج الخلفاء الراشدون والصحابة من بعده على تطبيق الجزيئات الفرعية والمسائل الموضعية التي لم ينص عليها قانون المسائل الكلية وإن شملها بالقواعد العامة المندرجة في أطوائه، وذلك يكون بالمقارنة والاستنباط وملاحظة المفاهيم العامة والمآخذ المطلقة ورد الفروع إلى أصولها. ومن هنا كان اصل القياس منبعثاً من منابع ثروة التشريع الإسلامي حتى لا تشذ الجزئيات عن كلياتها، وحتى لا تبطل في الأرض حجج الله وبيّناته، وحتى ينتظم التشريع الإلهي حيوية تلك المجموعة الشمسية، ومن ذلك كان الإجماع القطعي من الطرائق العملية، حكمه في إثبات الأحكام الفرعية وتحقيق النظريات الفقهية حكم الكتاب والسنة والقياس مع الفارق المرسوم بين هذه الأصول الأربعة قوة وضعفاً، وفي توجيه النصوص الروحية أو الزمنية الصرفة وما كانت مزيجاً منهما

لذلك لما كان الإسلام دين تشريع وهداية كان تطبيق الأحكام على الناس حسب مقتضيات الأحوال ومناسبات الأسباب والعلل، فمن المتعذر أن يؤخذ الناس بأحكامه طفرة واحدة ضرورة أنهم لم يمرنوا على مثل هذه الطفرات في أبان ظهوره خصوصاً ما كان متعلقاً منه بأمور لم يكن لهم بها عهد ولا ممارسة، فكان بديهياً أن يحمل الدين الإسلامي في أطوائه تينك السلطتين: السلطة الزمنية والسلطة الروحية، لتكون له المكنة مجتمعة من تنظيم حياتي المعاش والمعاد عند معتنقيه، وإقامة المجتمع على مناهج لا عوج فيها ولا أمت حتى تكون طريقاً إلى الحياة الأخرى في أسعد غاياتها وأرفه نهاياتها. وإلا فلو أغفل الإسلام تلك السلطة الزمنية وبقى لا يحمل إلا السلطة الروحية لكان دينا كهنوتياً في مراميه، ولأجفل الناس عنه إجفالا يمكن لهم في الفوضى وسوء المنقلب، ولتراخت الهمم وتخاذلت العزائم وأصبح المسلمون شيئاً لا يحده قانون الاجتماع ولا تعرفه نواميس البشرية

كذلك لو أغفل الإسلام السلطة الروحية وظل مستمسكا بالسلطة الزمنية لكان مزيجاً من أخلاق متدافعة وعادات متناقضة، ولكان قصارى جهد معتنقيه أن يخضعوا لنواميس هذا المجتمع في علله وأوصابه وتدافع أسبابه، وأن تكون الغلبة فيهم للقوي العاتي، وأن توجد الفروق بين الطبقات والأسر والقبائل والبطون قلة وكثرة وقوة وضعفاً وعزة وذلة، والأشياء ونقيضها، فلا يعدو أن يكون كالشريعة الرومانية أو الفقه الروماني ارتحلت صولته وبقيت محنته وسقطت هيبته وزالت روعته، ثم بعد هو لا يعدو أن يكون بين الأجيال المتلاحقة أنباء قصصية ونظريات فلسفية أفلاطونية، تعالى الإسلام عن ذلك علواً كبيراً من أجل ذلك مشت السلطة الزمنية في الإسلام بجانب السلطة الروحية في نظام الحكومة على معنى أن نظام الحكومة كان مستهدياً في جميع أدواره بهدى السلطة الروحية، وكانت السلطة الزمنية أساساً من الأسس السماوية التي جاء بها الكتاب لترسم الحدود وتقيم المعالم وتشعر الحاكمين والمحكومين بتبعاتهم كل في حدود عمله، وتقوم على رعاية الأنظمة البشرية في المعاملات المختلفة سواء منها ما كان متعلقاً بأحوالهم الشخصية أو بالمعاملات المتبادلة بينهم القائمة على البيع والشراء وما يلحق بهما حتى في الحكومات التي لم يكن لها لون ديني بالمعنى المفهوم. وكثيراً ما لجأ الملوك والأمراء في عهود سابقة إلى حملة الشريعة وحماة الدين إذا عميت السبل عليهم في المعضلات وحجبتهم الجهالة المطلقة عن الوصول إلى شاكلة الصواب، يتعرفون منهم المنهاج الصالح لشكل الحكومة وترسيخها على أمتن الدعائم حتى تبقى تلك الحكومة بما تستمده من هدى الفرقان محتفظة بهيبتها وجلالها ومحبة الشعب لها، لأن الشعب إذا أستيقن نزاهة الحكم وتوزيع العدالة بين الأفراد بالقسطاس، المستقيم وقتل روح الأثرة، والاستجابة إلى داعية القربى والمصاهرة، والتفرقة بين العمال الموكلة بهم خدمة الجماهير ورعاية مصالحهم في فرض الجعالات وسن الإتاوات وتغليب عوامل التشهي على أي عامل آخر، وسم خصومها بميسم الخيانة العظمى، واختلاق الأكاذيب عليهم، وبث عوامل الشكوك والريب في نفوس الجماعات في أولئك الخصوم وتأليب الأوشاب والدهماء على منافسيهم - اتخذوا من تلك الحكومة مثلاً صالحاً وأحلوها من قلوبهم محل الشغاف، والعكس بالعكس

حمل الإسلام فيما حمل أسمى المبادئ مبدأ الشورى لتكون أساس الحكومة الصالحة ودعامته، تتلاقى عنده سائر الرغبات والأماني، لأن الشورى في أبسط أحكامها خير من رأي الفرد، فهي وليدة آراء مستخلصة من قوة الجماعة لا يراد بها غير إسعاد المجموع وإشعاره بمبدأ العدالة والمساواة حتى يظل آمناً في سربه حصيناً في أغراضه ومراميه، وإن لم تكن الشورى القائمة بيننا الآن في الشرق والغرب هي التي تعنيها مبادئ الإسلام فالشورى التي تعنيها مبادئ الإسلام هي المستخلصة من قوة الجماعة كما قلنا ليس فيها أثارة من تشيع الهوى أو أخذ بنحيزة أو إصغاء إلى ضغن في سائر مرافق الدولة

من أجل ذلك نرى فقهاء القانون الدستوري في حواضر أوربا يقيمون النظريات الصادقة على فشل الحياة النيابية في الأمم المتحضرة في عصرنا الراهن، وعجز الدستور بأحكامه عن أن يخلع على الناس خير الأشكال يقيمون عليه دعائم حياتهم وأسس وجودهم. وكثيراً ما تحاكم المسلمون في صدر الإسلام إلى الكتاب والسنة فما ضلوا في حياتهم وما حادوا عن الجادة الواضحة قيد أنملة، لأنهم اطرحوا دواعي النزوات واستجابوا دواعي الإخلاص لله في السر والعلانية فمكن لهم في الأرض وخضعت لسلطانهم شعوب وقبائل

قرر الإسلام السلطتين الزمنية والروحية معاً فلا يمكن فصل إحدى السلطتين عن الأخرى لأنهما متلازمتان في وجودهما.

فالسلطة الزمنية ترسم شكل الحكومة ومقاصدها المختلفة، وتؤسس الأنظمة المتنوعة لشتى الأفراد والأسر والجماعات والقبائل والأمم، وتضع أحكام الحرب والسلم وسياسة القضاء والإدارة ونواميس الاجتماع؟ ثم هي تنساب بعد إلى الأحوال الشخصية المتعلقة بذات الإنسان فتنشئ علاقة زوجية صالحة بين الرجل والمرأة وترتب عليها حقوقاً قبل المرأة وحقوقاً قبل الرجل، ثم تتناول أحكام الإرث فتوزع الأنصباء من تركة الميت على ذويها توزيعاً قائماً على أدق أنواع الرعاية وأحكم مراميها، ثم تتعهد الحاكمين بالوصايا الجامعة حتى لا يندوا عن شريعة الحق ولا تصغي قلوبهم إلى شوائب الهوى، ثم تهيب بالمحكومين إلى السمع والطاعة فيما أمر الله، وبهذا التساند بين الهيئتين ينتظم الأمة والحكومة عدل قائم على الخلاص المتبادل وتسودهما روح طيبة في مرافق البلاد وحيويتها

لقد جمع رسول الله وخلوفه من بعده في يديه بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية فأقام بهاتين السلطتين خير حكومة من حكومات الأرض في تاريخ البشرية، وأسس للإنسانية العامة أفضل المناهج في الحكم حتى فاضت القلوب باليقين الراسخ والطمأنينة الشاملة، ولا أدل على ذلك من أقوال الرسول وأعماله وما ينزل به الملك من الآيات منجمة بحسب الوقائع سواء أكان ذلك متعلقاً بأمر من أمور المعاش أم المعاد إذا استثنينا بعض مسائل تقليدية تافهة لا يتصل وجودها بقانون الحكومة أو الاجتماع، ثم درج من بعده خلوفه على قدمه فكانوا نعم الخلف لنعم السلف. وناهيكم بعمر الفاروق الذي كثرت على يديه الفتوح الإسلامية مؤسسة على الكتاب والسنة وهدى الرسول الأعظم، فاستدام بذلك القاموس السماوي أصلح الطرائق في أنواع الحكم وأهدى السبل في إسعاد الأفراد والجماعات والأمم، ولا يزال الإسلام يذيع في الناس رسالته متعلقة بالسلطة الزمنية إلى يومنا هذا، فهو يعني بنشر هذه السلطة ألا توجد فروق موهونة ذات أثر سيئ في كيان الشعوب ووجودها على معنى أنه يريد التوحيد بين الأمم في الأخلاق والعادات وأن يسودها نوع من المعاملات صالح يوحد بين مرافقها ويجمع بين شتاتها وان اختلفت لغة وإقليما وترتب على ذلك الاختلاف تباين في العادات ضرورة أن تلك الأمم المتخالفة لغة وإقليما لو خلت من تطبيق السلطة الزمنية وهيمنتها على مرافقها لكانت لكل أمة ندحة أن تسن لها تشريعا إسلاميا ينشئ قانون شكل الحكومة وأنواع المعاملات، على حين أن الجميع يدينون بالسلطة الروحية ويؤمنون بحياة المعاد في قرارة نفوسهم.

وهذا من غير شك من شأنه أن يفت في عضد المسلمين وأن يوتر ما بينهم من صلات وأن يجعلهم خاضعين لأحكام قوانين وضعية لا تثبت صلاحيتها لحكم الشعوب إلا بمقدار ما تتوارى عيوبها وأخطاؤها، فإذا دلت التجارب على فساد أحكامها وعقم نتائجها فما أسرع العدول عنها وأن تصير في تراث الماضي البغيض

أما تلك الشريعة السماوية فهي شريعة الخلود والبقاء لأنها جمعت بين حلقات من الزمن دابر وحاضر فوضعت لكل عصر وجيل أحكامه وطرائقه فكانت شريعة الإسلام خير الشرائع وأمثل القوانين

وغني عن البيان بعد هذا التقرير أن الذين يقولون بضرورة فصل السلطتين وبالتالي فصل الدين عن السياسة قد جهلوا حقائق الإسلام أو على الأقل تجاهلوا نظام الحكم فيه في عهد النبي وفي عهد خلوفه من بعده، أولئك الغر الميامين الأطهار الذين حكموا دينهم في الدولة فسادوا لأنهم قضوا بهذه السياسة العالية أوطار الأفراد والجماعات وحققوا لهم كل رغبة صالحة ثم اجتاحوا لوثة الوثنية ومستهجن العادات في عهود الجاهلية

ولعل النمط الذي جرى عليه توزيع الزكاة والصدقات وإقامة الولاة في الدولة ورسم الحدود ووضع الخطط التي ينتهجونها في أمثل حكومة عادلة بواسطة برامج تكشف لهم حقيقة حكم الشعوب الداخلة في الإسلام وأخذهم بالهوادة في موضعها وتيسير الأمور عليهم حين لا يضيق عنهم التيسير ونوع معاملة أولئك الولاة للذمي والحربي والمدى الذي توزع به السلطات بين شؤون الرعية آية الآيات على أن الإسلام في حقيقته لا يعرف الفصل بين السلطتين، لكن قد تغلغلت المدنية الآرية في الشرق فانطمست معها الحقائق وغابت السلطة الزمنية للإسلام بتضافر شتى العوامل مما سنكشف عنه في أعداد تالية إن شاء الله

عباس طه

المحامي الشرعي