مجلة الرسالة/العدد 272/للأدب والتاريخ

مجلة الرسالة/العدد 272/للأدب والتاريخ

ملاحظات: بتاريخ: 19 - 09 - 1938



مصطفى صادق الرافعي

1880 - 1937

للأستاذ محمد سعيد العريان

- 39 -

(أشكر للأديب الفاضل - عبد القادر جنيدي بحمص - رأيه في هذه الفصول التي أكتبها من تاريخ المرحوم الرافعي؛ كما أشكر لغيره من الأصدقاء الكرام الذين رأوا في هذه الفصول ما يحملهم على الحديث عنها في صحف مصر والأقطار العربية ناقدين أو معجبين أو معقبين. . .

(على أن اعتراض صديقنا الأديب (جنيدي) على السبب الذي نسبنا إليه مقالات (الانتحار) لا يغير شيئاً من حقيقة ما كتبت؛ فإن سببها هو الذي ذكرت فيما سبق؛ أما الرسالة التي يقول الأديب الفاضل إنها وردت إلى المرحوم الرافعي من حمص وأشار إليها في الاستطراد المنشور بذيل كلمته المنشور في العدد 95 فقد جاءته اتفاقاً في الوقت الذي كان يتهيأ فيه لكتابة مقالات الانتحار لسبب سابق، وأحسب الرافعي قد حرص على الإشارة إلى هذه الرسالة في ذيل كلامه ليصرف ظن بعض القراء عن صديقنا الأستاذ (م) الذي كان نبأ شروعه في الانتحار بين الذيوع والكتمان، حتى لا يؤذيه في وقت هو مسئول فيه أن يخفف عنه، إذ كانت نزوة يحرص على كتمان خبرها. وما تزال رسالة الرافعي إلى صديقه (م) محفوظة لديه ذلك، وعلى هامش هذا الجواب إشارات بقلم الرافعي إلى جمل وعبارات من هذا الجواب نقلها الرافعي بنصها في الجزء الرابع من مقالات الانتحار؛ وكان الأستاذ (م) قد اشترط على الرافعي حين كتب إليه جوابه أن يرده إليه بعد أن يقرأه لأن فيه بعض سره، فوفى له الرافعي بما شرط، فاجتمعت - بذلك - الرسالة وجوابها عند الأستاذ (م) عافاه الله وفسح له!)

(م. سعيد)

المشكلة استملى الرافعي موضوع (المشكلة) من رسائل قرائه إليه وصاحب هذه المشكلة هو صديقنا الأستاذ كامل. . . وهي كانت أول صلته بالمرحوم الرافعي ولم يكن لقيه من قبل؛ ولقد كانت قبل أن يكتب إليه مشكلة اثنين: هو وهي؛ فصارت من بعد مشكلتهما ومشكلة الرافعي معهما إذ لم يجد لها حلا. ولقد شغلته هذه المشكلة زمناً غير قصير، ثم اتصل بموضوعها عن كثب حين اتصلت أسبابها بصاحبها وصاحبته. وقد كتب الرافعي ما كتب في هذا الموضوع، ثم مضى وخلف دنياه وما تزال هذه المشكلة قائمة تنشد من يحل عقدتها. . .

كان ذلك في الخريف من سنة 1935 حتى جمعتني ظروف العمل بصديقي الأستاذ كامل في إحدى مدارس القاهرة؛ ولم يمض على تعارفنا أيام حتى استودعني كل السر. . .

. . . فقد أمه وهو غلام، فلم يلبث غير قليل حتى حلت غيرها محلها في بيت أبيه. وكان أكبر ثلاثة أخوة، فاقتضاه حق أخويه عليه أن يستشعر معاني الرجولة وما يزال في باكر الشباب. ورأى أبوه أن عليه شيئاً لهذا الرجل الصغير فسمَّى عليه بنت خاله قبل أن يدرك؛ ورأت تقاليد الريف الذي نشأ فيه أن عليها دوراً في هذه القصة فحجبت الفتاة عن خطيبها ولما تبلغ التاسعة وأغلقت دونهما الباب. . . ومضت سنوات وسنوات وسنوات وهو لا يراها ولا تراه، وفرغ من حسابها بينه وبين نفسه، ثم نسى ما كان وما ينبغي أن يكون؛ وكان يبغضها بغض الطفل والطفلة، فلما باعدت بينهما السنون انقطعت بينهما أسباب الكره والمحبة فلا يذكرها ولا يذكر شيئاً من خبرها. . .

وانتهى الفتى إلى مدرسته العالية وابتعد عن أعين الحراس والرقباء في القرية، فمضى على وجهة في القاهرة العظيمة يلتمس لذات الشباب. . .

وكان له فكر وفلسفة، وفيه خلق ودين ومروءة، وبين جنبيه قلب يحس ويشعر ويتأمل؛ وعلى أنه كان يهيئ نفسه ليكون من أساتذة (العلوم) فإنه كان ولوعاً بالأدب مشغوفاً بمطالعته، فكان له من ذلك روح وعاطفة ورقة؛ وكان في دمه ثورة وغليان، وكان في عقله مثال يريد أن يحققه، وكان في رأسه شِعر يحتاج إلى بيان؛ وكان له من كل أولئك قلب يتحفز لوثبة من وثبات الشباب في قصة حب؛ ثم لم يلبث أن اشتبك في الملحمة. . .

وأحبها وأحبته فما كان له من دنياه إلا الساعة التي يلتقيان فيها، وما كان لها. .

وأجمع أمره على أن يتزوجها لينعما بالحب ويحققا المثل الذي ينشدانه من زمان؛ وكان قد مضى على الباب المغلق بينه وبين الفتاة المسماة عليه بضع عشرة سنة. . فما يذكرها ولا يفكر فيها. . وكان نائما يحلم حين ترامى الخبر إلى أبيه بما أجمع أمره عليه، فما وجد أبوه وسيلة إلا بتعجيل زفافه إلى بنت خاله وفاء بوعد مضى في ذمة التاريخ. . .!

غضب الفتى واحتج وثارت كبرياؤه ورجولته أن ينزل على رأي أبيه في شأن هو من خاصة شئونه؛ ولكن الكثرة من أعمامه وأخواله قد أرغمته على إرادته، وساقته في عماية إلى دار خاله ليزف على عروسه ثم يصحبها في السيارة من ليلته مرغما إلى بيته في القاهرة. . . وابتدأت المشكلة. . .

. . . هذه الفتاة هي بنت خاله، وهي زوجه أمام الله والناس، ولكنه لا يحبها؛ ولكنه لا يطيق أن ينظر إليها؛ ولكن فتاة أخرى تنتظر؛ وأن عليه واجبا تحتمه عليه رجولته. . .

وما أطاق أن يمنحها نظرة أو يبادلها كلمة على طول الطريق حتى بلغت السيارة بهما الدار في القاهرة. . . كانت إلى جانبه ولكنه هناك، عند صاحبته التي فتنته واستولت عليه؛ فما نظر إلى وجه زوجه لأول مرة منذ بضع عشرة سنة إلا حين همت أن تنزل من السيارة لتدخل داره. . .

وكان حريا أن تثوب إليه نفسه حين نظر إليها فيعود إلى الحقيقة التي كتب عليه القدر أن يعيش فيها، ولكنه لم يفعل، وما رأى زوجته حينئذ إلا سجانه الذي يحرمه أن يستمتع بالحرية التي وهبها له الله يوم وهب له الحياة، وتأرَّثت في نفسه البغضاء من يومئذ لهذه المسكينة. . .!

وعاشت في بيته بضعة أشهر كما يعيش الضيف: لا يقاسمها الفراش، ولا يؤاكلها على المائدة، ولا يؤنسها من وحشتها بكلمة. . . فما تراه ولا يراها إلا في الصباح حين يخرج إلى عمله، وفي المساء حين يعود إلى داره قبيل منتصف الليل، وما كان بينهما من صلة تجمعهما إلا البغضاء التي تؤج في صدره، والحسرة التي تتسايل دموعا من عينيها، وإلا هذه الخادم التي تقوم لسيدها بشئونه وتقوم لها. . .

ولم يفتر صاحبنا عن لقاء صاحبته والاختلاف إلى ملتقاهما؛ على أن ذلك لم يزده إلا ولوعاً بحبيبته وتبرما بزوجته. . .

ومضت الأيام تباعد من ناحية لتقرب من ناحية، حتى جاء اليوم الذي وجد صاحبنا فيه أنه غير قادر على احتمال هذه الحياة أكثر مما احتمل. . . فمضى يدبر أمرا للخلاص من هذه المشكلة، ولكن المشكلة زادت تعقيداً على الأيام ولم يجد وسيلة إلى الحل. . .!

كان كل طريق يفكر فيه للخلاص محفوفاً بأشواك؛ فلا هو يرضى أن يطلق زوجه، ولا هو يطيق أن يهجر حبيبته، وليس في استطاعته أن يجمع على نفسه همين؛ وكان تفكيره في ذلك هماً ثالثاً يضنيه وينهك أعصابه ويعرق عظامه!

وكتب إلى الرافعي يستفتيه في مشكلته. . .

كنت مع كامل حين كتب قصته إلى الرافعي؛ وفي مساء اليوم التالي كنت في مجلس الرافعي بطنطا وبين يديه قصة صاحب المشكلة لم يفض غلافها بعد. . .

وقرأ الرافعي الرسالة ثم دفعها إليَّ وهو يقول:

(ماذا ترى حلَّ هذه المشكلة؟)

قلت: (لقد جهدت جهدي قبل اليوم فما أفلحت!)

قال: (أو تعرف صاحب المشكلة إذن. . .؟)

قلت: (نعم، وما كتب إليك هذه الرسالة إلا برأيي)

وأطرق الرافعي هنيهة يفكر وفمه إلى الكركرة (الشيشة) كما هي عادته حين يستغرقه الفكر، ثم رفع رأسه إلى قائلا: (تعرف؟ إن صاحبك لمفتون بصاحبته إلى درجة الحمق والسفه، وما تنحل هذه المشكلة إلا أن يكون له مع نفسه إرادة صارمة، وأن يكون له سلطان على هواه، وهيهات أن يكون له! فما هنا إلا وسيلة واحدة ترده إلى رشاده فتنحل المشكلة. . .)

قلت: (فما هذه الوسيلة؟)

قال: (أن تدخل بينه وبين صاحبته دخول الشيطان فتفرق بينهما. . . أتراك تستطيع؟)

فضحكت وقلت: (ثم ماذا؟)

قال: (فإذا بدا له من سيئاتها ما ينكر، وإذا بدا لها. . . انتهى ما بينهما إلى القطيعة فيعود إلى زوجه نادماً، وإن مرور الأيام لخليق أن يؤلف بينهما من بعد!)

قلت: (فهمت، ولكن ماذا تراني أقول حتى أبلغ من نفسه ومن نفسها ما تريد؟ وهبني عرفتُ أن أقول له فمن أين لي أن أستطيع لقاءها فأتحدث إليها؟)

قال: (اسمع: أتراها تقرأ؟)

قلت: (إنني لأعرف مما حدثني عنها أنها قارئة أدبية، وأنها من قراء الرسالة، وقد كان فيما أهدى إليها كتاب (أوراق الورد) وأحسبها تنتظر ما تكتب في هذه المشكلة؛ فقد حدَّثها صاحبها أنه كتب إليك. . .)

قال: (حسن! فسأجرب أن أكون شيطاناً بينهما، بل ملَكا يحاول أن يرد الزوج الآبق إلى زوجته بوسيلة شيطانية. .!)

وكتب الرافعي المقالة الأولى من مقالات المشكلة، وكان مدار القول فيها أن يتنقص صاحبَ المشكلة ويعيبه وينسب إليه ما ليس فيه مما ينزل بقدره عند صاحبته، ثم نشر أجزاء من رسالته إليه ودس فيها ما دس مما يوهمها أن صاحبها هو كاتبه؛ وإن فيه لما يعيبها وبثلبها ويضعها بازاء صاحبها موضعاً لا ترضاه. فلما فرغ مما أراد جعل حديثه إلى القراء يسألهم أن يشاركوه في الرأي ويحكموا حكمهم على الفتى وفتاته بعد ما جهد في تصويرهما في الصورة التي أراد أن يكون عليها الحكم في محكمة الرأي العام، وترك الباب مفتوحاً لترى صاحبة المشكلة رأيها في القضية فيمن يرى من القراء. . .

ولقيت صاحب المشكلة من الغد، فسألني: (هل رأيت الرافعي؟)

قلت: (نعم!)

قال: (ورسالتي إليه!)

قلت: (بلغته!)

قال: (وماذا يرى؟)

قلت: (ستقرأ رأيه في الرسالة بعد أيام!)

وأخفيت عنه ما كان بيني وبين الرافعي من حديث وما دبّر من خطة. . . ونشرت المقالة الأولى من (المشكلة)، ومضى يوم، وجاء صاحبي غاضباً يقول: (كيف صنع الرافعي هذا؟) لقد نحلني من القول ما لم أقل. أتراني قلت عنها كما يزعم: لقد خلطتني بنفسها حتى لو شئت أن أصل إليها في حرام وصلت. . .! لقد ساءها ما نحلني الرافعي من الكلام، وقد تركتها الليلة غاضبة لا سبيل إلى رضاها. . .!) وتحقق للرافعي بعض ما أراد، وانثالت عليه رسائل القراء يرون رأيهم في هذه المشكلة، وجاء في ما جاء من الرسائل، رسالة من صاحبة المشكلة نفسها. . .

وفعل برسالة صاحبة المشكلة ما فعل برسالة صاحبها، ولكنه تلقاها تلقَّياً حسنا، ومضى يتحدث عنها حديثا ليس فيه من رأيها ولا مما تقصد إليه، ولكنه إيحاء، إيحاء إلى الفتاة بأنها في مرتبة أعلى، وأن ما بها ليس حبا وإن زعمت لنفسها هذا الرأي؛ ولكنه شيء يشبه أن يكون صورة عقلية لخيال بعيد تظنه من صور الحب وما هو به. . . ثم مضى يفسح لها الطريق للفرار من هذه المشكلة بالإيحاء والإغراء والحيلة. . .

وكانت المقالات الثلاث الأخيرة تعليقا على آراء القراء وسخرية ونصيحة.

وفرغ الرافعي من مقالات المشكلة فما هو إلا أن تلاشى الصدى حتى عاد فلان وعادت فلانه، وما تزال المشكلة تطلب من يحلها. ومضت ثلاث سنين وفي الأتون ثلاثة قلوب تحترق. . . وعلى مقربة من النار صبي يحبو ينادي أباه، وأبوه في غفلة الهوى والشباب. أترى إلى هذه المشكلة وقد دخل فيها عضو جديد قد أوشكت أن تبلغ نهايتها، فيكون حلُّها على يدي هذا الصغير وقد عجز الكبار عن حلها بعد مجاهدة سنوات ثلاث، أم هو قلب رابع سينضم إلى القلوب المحترقة في أنون الشهوات. . .!

ومعذرة إلى صديقي الأستاذ كامل. . .!

(شبرا)

محمد سعيد العريان