مجلة الرسالة/العدد 275/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 275/الكتب

ملاحظات: بتاريخ: 10 - 10 - 1938



الحيوان للجاحظ

تحقيق وشرح الأستاذ عبد السلام محمد هارون

للأستاذ عبد المنعم خلاف

أقدم عملاً عظيماً في لون من ألوان الأدب العصري لم يوجد إلا بعد أن وجدت المطبعة، ووجدت بحوث المستشرقين وفن إخراج الكتب

وهو عمل يتصل بالعلم بما فيه من التحقيق وتحرير النصوص، ويتصل بالأدب بما فيه من ملكة التذوق والترجيح واستفتاء الثقافة الأدبية والاعتماد على المحفوظ المذكور من نصوصها، ويتصل بالفن بما فيه من تنسيق وتبويب وإخراج جميل يروع ويجذب العين واليد إلى الكتاب

وكاد هذه العمل يكون خاصة موقوفة لأقلام علماء المشرقيات الأجانب لولا نفر قليل من المشارقة أنفسهم ساهموا بأقلامهم في هذا العمل النافع القيم الذي هو في الحق ميلاد جديد للكتب القديمة تهتز له عظام مؤلفيها القدامى غبطة بتسهيل الانتفاع بما تركوا من آثار جليلة قد يذهب بما فيها من الفائدة عند شباب هذا الزمان أنها ألفت على غير ما ألفوا من الكتب الحديثة المبوبة التي يعلن فيها كل مبحث عن نفسه في سهولة واقتراب إلى الأذهان التي لم تتعود الصبر والجلد على التعرف إلى الآثار القديمة لانقطاع الأسباب وبعد الزمن وتغير الأساليب وكثرة الملاهي وحب السرعة، ومرض الهمة وكلال العزيمة

وإذ أقدم هذا العمل العظيم أشعر في نفسي بغبطتين: الأولى غبطتي ببعث مكتبة الجاحظ أديب العربية العباسية الأكبر، ووارث علوم علمائها وأدب أدبائها وخفة ظرفائها، وسجل دنياها الزاخرة، ومصور حياتها المتشبعة، بعث فيه من الجدة والفن والطرافة ما يخيل إلينا أنها انحسرت عنها قريحة معاصرة

والثانية غبطتي بأن هذا البعث كان على يد صديقي الثبت الضليع الأستاذ عبد السلام محمد هارون الذي أعرفه كما اعرف نفسي إذ كان صديقي الأول وصنوي في عهد الدراسة العزيز وأخشى أن يحسب حاسب أنه قد طغى وثوقي بهذه الشخصية وحبي لها على تقدير عملها في (الحيوان) تقديراً بعيداً عن الغلو، كما أخشى أن يظن ظان أن الأمر في هذا التقديم مرجعه إلى (توريط) الصداقة وتقريظ الأصدقاء بعضهم بعضاً. وحسب ذاك الحاسب وهذا الطغيان أن يرجعا إلى الجزء الذي طبع من الحيوان ليريا المجهود فيعرفا الشخص الذي بذله كما عرفته أنا منذ خمس عشرة سنة أدبياً متصلاً بصميم الأدب العربي مقلباً يده وعينه في مراجعه القريبة والبعيدة ممتلئاً من حُر نصوصه.

وإذا كانت الأمور تقاس وتقدر بما يبذل فيها من مجهود له نتيجته النافعة فأظن أن ما في المطبوعة الحديثة من الحيوان من التحقيقات وتحرير النصوص وفهارس المعارف وأجناس الحيوان وأعلامه وأعلام الناس والقبائل والطواف والبلدان والأماكن والأمثال والشعر والأرجاز واللغة والكتب وأيام العرب، أظن هذا كله عملاً أشق وأنفع من كثير من الكتب التي يرسلها مؤلفوها إرسالاً سهلاً. وأظن أنه يستتبع تقدير صاحبه تقديراً ترضى به نفسه. وقد صار العلم الآن بما في الكتب القديمة سهل المورد بأمثال هذه الفهارس التي تنفض ما في الكتب نفضاً، وتعلن عن كل كلمة فيها إعلاناً عريضاً يأخذ بعيون الباحثين إلى ما يلقون من الأشباه والنظائر والمختلفات، مما يوفر عليهم الجهد والوقت والاستذكار، حتى لقد شاعت هذه الكلمة (أن العلم الآن معرفة ما في الفهارس)

وقد ابتدع الأستاذ هارون فهرساً قيماً لما في الحيوان من المعارف التي وضع لها هو أيضاً عنوانات فصلت أثناء الكتاب، وهو لون طريف في التعريف بما ورد في الكتاب حشوا في غيره، مما قد يمر عليه القارئ عفواً بدون ترقب ولا تعقب؛ وهو عمل عظيم في كتب شأن مؤلفيها الاستطراد وإلقاء ما في الذاكرة متى حضر ولو بدون مناسبة قريبة، وإنما هو جود الذاكرة.

والأوائل كانوا على رأي في الأدب هو انه الإلمام من كل شيء بطرف، ولذلك كانوا يخرجون كتبهم الأدبية إخراجاً يرضي هذا التعريف. فكانت كتبهم الغالبة أشبه شيء بحديث المجالس وأماليها. غير أن هذا اللون من التأليف نبأ عنه الذوق العصري الذي لا يرضي من المعارف إلا ما كان فصائل وأجناساً مضموماً بعضها إلى بعض مميزة بعنوانات تضم الشتيت كما يضم اللقب الأسرة، ولا يرضي أن يذهب فكر القارئ شعاعاً وبدداً هنا وهناك وقت القراءة.

وعلى ذلك كل عمل يرشد القارئ الجديد إلى ما يبحث عنه في بطون الأسفار القديمة رأساً بدون اضطراره إلى الخوض في بحر لا ساحل له، وفي مباحث لا حاجة له إليها، فهو عمل من أعظم ما يربط أسباب الجديد بالقديم ويجلو الدرر المدفونة بين طيات الكتب التي فيها كثير من الحصا والتراب.

وقد قدم الأستاذ هارون (مكتبة الجاحظ) التي (سيعمل جهده على إخراج ما يمكن منها بعون الله ما مد له في الحياة) تقديماً بديعاً تحدث فيه عن بيان الجاحظ وعصره والتأليف في عصره ومؤلفات الجاحظ ومنحاه في التأليف وقيمة كتبه في نوادي الأدب وذيوعها ووراقيها. وقد أتى في هذا الحديث بفوائد ممتعة.

وقد قدم كذلك كتاب الحيوان تقديماً خاصاً عرض فيه لمنشأ التأليف في الحيوان عند العرب ولمراجع الجاحظ في تأليف كتابه من القرآن والحديث والشعر العربي وكتاب الحيوان لأرسطو ومحاولات المعتزلة وجدالهم فيما بين أيديهم من ألوان المعارف جليلها ودقيقها؛ ثم المجهود الشخصي للجاحظ وولوعه بمباحث الحيوان ولوعاً حمله على أن يجالس الملاحين وصائدي العصافير والحوائين وغيرهم من القائمين على شؤون الحيوان. وهو لعمر الحق مبحث في غاية النفاسة وفي صميم الأدب الأصيل اهتدى إليه الأستاذ هارون ابتداء، لم يسبقه إليه سابق فيما أعلم. ومن المباحث القيمة أيضاً في هذا التقديم تحقيق زمن تأليف الجاحظ للحيوان وتبيين قيمة كتاب الحيوان بما فيه من المعارف الطبيعية والمسائل الفلسفية وسياسة الأقوام والأفراد ونزاع الطوائف، والمسائل الجغرافية وخصائص الأجناس وقضايا التاريخ وأحاديث الطب والأمراض والمفردات الطبية، وأحوال العرب وعلومهم ومزاعمهم، ومسائل كثيرة في الفقه والدين، مضافاً إلى ذلك كله فكاهة الجاحظ الساخر، أو فلتير الشرق - كما لقبه الأستاذ الزيات - واختياره للصفوة المختارة من حر الشعر العربي ونادره. . . إلى أخر ما تمتاز به مؤلفات أبي عثمان البحر. . .

(وبعد) فنظرة واحدة إلى صفحة من صفحات الكتاب بصلبها وهامشها تقف القارئ مباشرة على مقدار الجهد العنيف الذي بذله الأستاذ الصبور محقق الكتاب، في ضبط الألفاظ وشرحها وفي مقابلة النسخ القديمة التي اعتراها كثير من التصحيف والتحريف، وفي أمانته وحرصه على استئذان القارئ فيما أثبت أو نفى من أوضاع الكتاب وكلماته وتوجيهاته. مع تواضع جميل يعرف في طبعه كما يعرف في قوله من تقديم الكتاب: (وأما أنا فلست بمكان من يدعي العصمة أو يخال السلامة، فليس يكون ذلك إلا لمن ذهب عن نفسه وتعلق بالباطل

(ولكنني يعجبني أني بذلت فيه غاية الجهد وأني التزمت جانب الأمانة فلم أسقط حرفاً ولم أزد حرفاً إلا استأذنت القارئ)

ثم نظر أخرى إلى ثبت مراجع تقديم الكتاب وتحقيقه وشرحه ترى القارئ مقدار سعة اطلاع الأستاذ واهتدائه إلى مواطن القوى فيما يشتبه عليه من خبر أو نص أو توجيه وإلى ما يعتمد عليه في إخراج هذا السفر الجليل وما وراءه من مكتبة الجاحظ

فجزاه الله الكريم وأمتع به أصدقائه ونفع بجهوده الموفقة اللغة العربية

والشكر الجزيل لحضرات ناشري الكتاب في ثوبه الأنيق وورقه الفاخر وحروفه الواضحة

عبد المنعم خلاف