مجلة الرسالة/العدد 275/جورجياس أو البيان

مجلة الرسالة/العدد 275/جورجياس أو البيان

ملاحظات: بتاريخ: 10 - 10 - 1938



لأفلاطون

للأستاذ محمد حسن ظاظا

- 12 -

(تنزل (جورجياس) من آثار (أفلاطون) منزلة الشرف، لأنها

أجمل محاوراته وأكملها وأجدرها جميعاً بأن تكون (إنجيلاً)

للفلسفة!)

(رينوفييه)

(إنما تحيا الأخلاق الفاضلة دائماً وتنتصر لأنها أقوى وأقدر

من جميع الهادمين!)

(جورجياس: أفلاطون)

الأشخاص

1 - سقراط: بطل المحاورة: (ط)

2 - جورجياس: الفسفسطائي: (ج)

3 - شيريفين: صديق سقراط: (س)

4 - بولس: تلميذ جورجياس: (ب)

5 - كاليكليس: الأثيني: (ك)

ب - (متابعاً حديثه عن أرشليوس) والواقع أنهُ بُعِثَ أولاً ليبحث فيما يقال عن (الكتِاس) عمه وسيده كيما يرد إليه العرش الذي سلبه منه أخوه (بردكاس) ولكنه ما أن عثر عليه حتى أسكره وأثمله هو وولده (الكسندر) الذي كان يقاربه في السن، ثم وضعهما في عربة وخرج بهما ليلاً إلى العراء حيث ذبحهما وأخفاهما دون أن يتصور أنه قد أصبح بعد جريمته هذه أشقى الناس وأتعسهم، ودون أن يشعر حيالها بأي ندم أو تأنيب!!؛؛ وبعد فترة قصيرة مضى إلى أخيه ذي الحق الشرعي في العرش - وكان طفلاً لم يبلغ السابعة بعد، وبدلاً من أن يسعد نفسه بالأشراف على تربيته وتعليمه كما كان يجب عليه، وبدلاً من أن يمنحه السلطة المشروعة: رمى به في بئر وقال لأمه (كليوباترا) إنه وقع فيها ومات بينما كان يجري خلف إوزة!!؛؛ وعلى هذا يجب أن يكون أشنع أهل (ماقدونيا) إجراماً، وأكثرهم تعاسة وشقاء بدلاً من أن يكون أوفرهم سعادة وهناء! ولكن ربما يوجد أكثر من أثيني - إذا بدأنا بك - يفضل مركز أي مقدوني آخر على مركز (أرشليوس)!!

ط - لقد هنأتك منذ بدأ الحديث على ما لاح لي من تدفق خطابك. ولكني قلت لك حينذاك إنك أهملت فن الحوار إهمالاً! والآن هل هذا هو التدليل المشهور الذي يستطيع حتى الطفل أن يناقضني به؟ وهل أستطيع أن أقتنع بك وبقولك إني كنت مخطئاً عندما قلتُ إن الرجل الظالم لا يكون سعيداً؟ وكيف أقتنع وأرضى يا عزيزي وأنا لست على وفاق مع أي تأكيد من تأكيداتك؟

ب - ذلك من سوء إرادتك لأنك في صميمك ترى رأيي!!

ط - حسن جداً يا بولوس فأنت تحاول أن تناقضني بأسلوب المحاماة كما يدعي من يفعل ذلك في المحاكم!، إذ هناك يعتقد المحامون أنهم يناقضون خصمهم إذا هم دعموا دفاعهم بشهود عديدين محترمين في الوقت الذي لا يستطيع الخصم فيه إلا أن يحضر شاهداً واحداً أو لا شاهد على الإطلاق!.، ولكن هذه الطريقة عديمة الجدوى لأن الفرد الواحد قد يتعرض لشهادات خاطئة من شهود عديدين ومعروفين بالنزاهة والاستقامة!! وإذا شئت في حالتنا الراهنة، وفيما يتعلق بما تقول، أن تقدم شهوداً يشهدون على خطأي، فسترى أن جميع اليونانيين والأجانب تقريباً يرون رأيك الخاص! وأنت تستطيع إذا شئت أن تجعل (نكياس) ابن (نيسراتوس) يشهد في جانبك ومعه أخوته الذين نرى مواقدهم مصفوفة في محراب (ديونيسس)، كما تستطيع أن تجعل (اريستوقراط) ابن (سكيليوس) صاحب القربان الجميل في (بيثو) أن يشهد بالمثل، لا بل أمامك إذا رغبت كل عائلة (بركليس) أو أية عائلة أثينية يسرك بعد ذلك أن تختارها!!، ولكن سيظل رأيي - ولو أني وحيد - مخالفا لهؤلاء جميعا لأنك لم تقنعني بعد! ذلك أنك لم تفعل سوى التقدم بذلك الجمع من الشهود الزائفين لكيما تنزع مني الحقيقة والخير!، ولكن - على النقيض - إذا لم أظفر بك أنت نفسك، وأنت وحدك كشاهد، وإذا لم أجعلك توافق على قولي، فأني أعد نفسي كأني لم أقدم ما يجرؤ على حل السؤال الذي يشغلنا، كما أعدك لم تفعل شيئاً بالمثل إذا لم أشهد لك وحدي وبشخصي. وإذا لم ترفض عداي كل الشهود الآخرين! فهناك إذا طريقة للمناقضة هي تلك التي تعرفها ويعرفها معك الكثيرون، ولكن هناك طريقة أخرى أتخيلها من ناحيتي. فلنقارن إذا هاتين الطريقتين، ولنر إذا كانتا تختلفان فيما بينهما، لأن الأشياء التي نتنازع فيها ليست باليسيرة في نتائجها، بل أنه لا يوجد ما هو أجمل في معرفته ولا أشنع في الجهل به منها، لأنها تتعلق إجمالا بمعرفة ما هو جميل وما هو قبيح.!!. .

ومن حيث النقطة التي تشغلنا: أترى إن الإنسان يستطيع أن يكون سعيداً عندما يظلم ويرتكب الشر، لأنك تعتقد أن ذلك هو تدليلك؟

ب - نعم، انه هو إطلاقا!

ط - وأنا أزعم إن ذلك محال!. وتلك هي النقطة الأولى التي نختلف فيها فلنمض إلى الثانية. أيكون الظلم سعيداً إذا تقدم للعقاب؟

ب - كلا على الإطلاق!. إنه يكون تعيساً جدا في هذه الحالة!!

ط - وإذا فأنت تراه سعيداً إذا لم يعاقب؟

ب - بالتأكيد!

ط - وأنا أزعم يا بولوس أن ذلك الذي يرتكب الظلم ويحمله في قلبه يظل شقياً في جميع الأحوال، وأنه يكون أكثر شقاوة إذا لم يعاقب على ظلمه، أما إذا عوقب ولقي جزاءه من الآلهة والناس فانه يكون أقل شقاء!

ب - إنك تروج يا سقراط لمتناقضات عجيبة!!

ط - سأحاول يا رفيقي أن أشركك في عاطفتي لأني أعدك صديقاً. هاك هي النقط التي نختلف عليها فلترها بنفسك. لقد قلتُ من قبل إن ارتكاب الظلم أفدح من احتماله؟

ب - نعم!

ط - وقلتَ أنت إن احتماله أفدح من ارتكابه؟

ب - نعم

ط - وقلتُ أيضاً أن مرتكبي الظلم أشقياء فناقضتني؟! ب - نعم وحق زيوس!

ط - أذلك هو ما تعتقد - على الأقل - فيه يابولوس؟

ب - ولي الحق في الإيمان به!

ط - ذلك جد ممكن. ولكن أترى من ناحيتك أن أولئك الذين يظلمون يكونون سعداء إذا فروا من العقاب؟

ب - تماما

ط - وأنا أرى أنهم أشقى الأشقياء وأن أولئك الذين يلقون جزاء ظلمهم يكونون أقل منهم شقاء!. أتريد مناقضتي أيضاً في هذه النقطة؟

ب - أواه يا سقراط إنها لأصعب في المناقضة من سابقتها!

ط - لا تقل (أصعب) يا بولوس بل قل (مستحيل) لأنك لن تناقض (الحق أبداً)

ب - أي شيء تقول؟ ذاك هو شقي باغتناه وهو يحاول أن يكون ظالماً طاغياً فأوقفناه، وعذبناه، فسلمنا عينيه وقطعناه بقسوة بمختلف وسائل التعذيب، ثم أنزلنا بامرأته وأولاده نفس العذاب، ثم صلبناه أخيراً وطلينا جسده بالقار وحرقناه حياً!، أترى لا يكون هذا الشخص أسعد لو قد فَرَّ وصار طاغياً فحكم مدينته، واشبع شهواته، وأصبح موضوعاً للإعجاب والحسد من الأجانب والمواطنين؟؟ ذلك ما ترى أن مناقضته مستحيلة يا سقراط!!

ط - إنه لخيال مزعج ذلك الذي تقدمه أيها الشجاع بولوس! ولكنك مع هذا لم تناقضني في شيء لأنك لم تفعل إلا مثلما فعلت عندما كنت تقدم شهودك!! لذلك أرجو أن تذكرني بشيء يسير!. لقد فرضت أن ذلك الشخص كان يطمح (بظلم) إلى الطغيان؟؟

ب - نعم!

(يتبع)

محمد حسن ظاظا