مجلة الرسالة/العدد 279/من مشاكل التاريخ

مجلة الرسالة/العدد 279/من مشاكل التاريخ

ملاحظات: بتاريخ: 07 - 11 - 1938



طبيعة الفتح الإسلامي

للأستاذ خليل جمعة الطوال

اعتاد المؤرخون الأقدمون، وجاراهم في ذلك بعض المحدثين أن يسموا وقائع الفتح الإسلامي (غزواً)؛ وفاتهم ما تحمل هذه الكلمة في تضاعيفها من معاني النهب، والسلب، والعبث، والتمثيل، وما هو في أحكام هذه الأمور من أنواع الجرائم والشرور التي نهى عنها الإسلام وتجافاها المسلمون في فتوحهم. ولقد أطلق هؤلاء المؤرخون هذه الكلمة على الفتح الإسلامي سهواً وتساهلاً، وما أحسبهم قصدوا بها هذه المعاني المستنكرة التي تؤدي إليها؛ فأخذها عنهم المتعصبون على الإسلام، والكارهون لهذا الدين الحنيف وفسروها بما أملته عليهم منازعهم وأحقادهم، ثم روجعوا لها في كتاباتهم، حاسبين أنهم بذلك قد قوضوا أركان الإسلام، وصدعوا بنيان حضارته، تلك الحضارة السامية التي مازالت ولن تزال منارة العدل والإنسانية والحرية

وأكثر ما يضحكنا من هذه البدع المضلّلة، والحملات الطائشة، ما جاء في كتاب تاريخ آسيا لهربرت كوفين إذ يقول: (إن الديانة الإسلامية التي يقدسها مائتان وثلاثون مليوناً من الناس تنطوي على آثام اجتماعية تئن منها الإنسانية، وإنها لم تقم إلا على حب الغزو والنهب!)

وما هرف به أيضاً العالم الأثري كلرمون جانو إذ يقول: (إن الحضارة الإسلامية ليست إلا فظائع الغزو العربي)

ولئن كان لهؤلاء عذرهم في جهلهم أساليب اللغة العربية وتجاهلهم حقيقة البلاد العربية وتاريخها، فما بال القارئ بمن يعيش في بيئة هذه الأمة، ويقف على أساليب لغتها، وبدائع حضارتها، ثم لا يرى لها بعد ذلك حسنة إلا مسخها سيئة. . . بل سيئة تكاد ألا تكون في مقدور بشري مهما كانت درجة انحطاطه في سلم المدينة، وحلقة التطور! وأعني بذلك الرجل المتحامل المتغرض الأب لامنس إذ يقول: (إن العربي أثبت في فتوحه أنه جبان ضعيف في الجندية، لا يفكر في غير المغانم، وأن العرب ظهروا كما كانوا على عهد الرسول وسطاً في القتال، وعلى استعداد للنهب، يحجمون أمام الخطر. . .

وأن لا قابلية لهم بشيء من أسباب الحضارة، بل الفضل لأولئك المتفسخين في فارس والعراق والشام ومصر وغيرها، من الأقطار التي افتتحت، وأن الحروب الصليبية وقائع البسالة، وكان الصليبيون عجباً بأنظمتهم وترتيباتهم، وأن اليهود عوملوا في عهد الحروب الصليبية في الغرب معاملة حسنة)

عجباً! أفنتصم بكل هذه الوحشية ويظل في الدنيا من يذكرنا بخير ويدرس تاريخنا بإعجاب! ويشهد بحضارتنا بفخر وإكبار؟

وإننا إذ نحاول دحض هذه المفتريات، وإزالة هذا الكلف من وجه التاريخ، فلسنا نكيل لها الحق بالصاع الذي كالت لنا به التهم والشتائم، وإنما نستند في تفنيدها إلى استفتاء التاريخ، واستنطاق الحق واستقراء الحوادث، ثم إلى شهادة من لا تجمعهم بالعرب صلات الرحم وعلائق الدم وأواصر القربى، ولا أية صلة تدفعهم إلى التحيز

إن الدعوة الصالحة لدين الله هي الأساس الذي ترتكز عليه دعائم التاريخ الإسلامي، ذلك التاريخ المجيد الذي لم ينصف قط بمنازع الأهواء، وأغراض العالم

ومن سمع بقوم يخرجون في سبيل ربهم، يدعون أعداء الله إلى الله، فيلقى هؤلاء في طريقهم القتاد. . والأشواك، ويعفرون وجوههم بالطين والتراب، ويحرضون عليهم سفهاءهم وصبيانهم ينالونهم بمختلف أنواع المهانات والموبقات؛ فيهجرون أوطانهم وأملاكهم وأغنامهم، وإبلهم، ليشتروا بها نفوسهم! ثم يبيعون نفوسهم للموت ليشتروا بها وجه ربهم؟ من سمع بقوم تكون هذه حالهم وتظل نفوسهم مع ذلك متعلقة بأعراض الدنيا الزائلة، بمباهج الحياة الفانية. . .؟

إن الغزو - وما في معناه - لا يكون إلا بين القبائل المتباعدة، والعشائر المتعادية، فيغزو بعضها بعضاً، طلباً لأخذ ثأر، وأملاً بكسب غنيمة، والكل يعلم حق العلم أن المسلمين لم يناهضهم بادئ بدء إلا أهلهم الأقربون، ومنهم لحمهم ودمهم، وعشيرتهم القرشية، وفيها عصبيتهم وفخرهم. ولسنا نعلم قط أن قبيلة كانت إلباً على غيرها فانقلبت فجأة وصارت حرباً على نفر من أفرادها، طمعاً في مغنم. . .! أو حبَّاً في أخذ ثأر. . .!

وأي ثأر يكون لكل من علي، وأبي بكر، وابن الخطاب، ومن إليهم من لمهاجرين عند إخوانهم القرشيين فينضموا إلى جانب محمد () وهو من علمت بضعف بطانته وقلة عدته وعتاده للأخذ به. . .؟ ألأجل غنيمة يهجر الإنسان بيته ووطنه وماشيته وثروته، ليكافح أهله، ويناوئ عشيرته. . .؟ كلا. . .! ثم كلا. لقد خرج هؤلاء على أهلهم من أجل دعوة سامية، وما قاتلوا وجاهدوا إلا في سبيل الذب عنها (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)

أرأيت كيف أن الإسلام لا يبيح الاعتداء مطلقاً، ولا يوجب القتال في سبيل الله إلا دفاعاً. . .؟!

لقد هاجر المسلمون عن بلادهم إلى يثرب هرباً بعقيدتهم السامية من أن يئدها الشرك، وهي لما تؤد للعالم رسالة الحق والتوحيد. وهناك في يثرب تعاود النفوس عنجهية القبيلة، وشنشنة الجاهلية؛ ويكاد الشر أن يستفحل بين المهاجرين والأنصار، لو لم يتدارك النبي (ص) الموقف فيقف فيهم منادياً: (يا معشر المسلمين: الله الله. اتقوا الله. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله إلى الإسلام، وقطع به عنكم أمور الجاهلية، واستنقذ كم به من الكفر وألف بين قلوبكم)

أرأيت نبل هذا الخطاب وسموه؟ لم يقل أيها المهاجرون! ولا أيها الأنصار. . .! فليس في الدين قبائل ولا عشائر، وإنما الجميع إخوة، ففيم إذاً نخوة الجاهلية، وحزازات الصدور، وشنشنة النفوس. . .؟ وفيم القتال في غير سبيل الله؟

ولقد اقترح بعض الصحابة على النبي بعدما استقروا في المدينة أن يأذنوا قريشاً بالحرب، ويقاتلوها ويجزوها شراً بشر فيشفوا صدورهم مما تجد عليها، فدعاهم النبي إلى السكينة، وقال لهم: (لم يؤذن لي بالقتال بعد)

فأي إنسان بشرى تناله قريش بمثل ما نالت به النبي (ص) ويكون في بطانة قوية أطوع له من بنانه، ثم تعرض عليه أخذ الثأر له فيدعوه إلى الهدوء والسكينة، لأنه لا يقاتل طلباً لثأر، ولا شفاء لغيظ، بل استجابة لأمر ربه، وهو لم يأمره بالقتال بعد

وظن بعض الجاهلين أن النبي إنما استمال اليثربيين بما توعدهم به من المغانم المادية، والأسلاب العظيمة، وهم في ظنهم هذا أبعد ما يكونون عن الحق. وحاشا للنبي أن يشحن النفوس بمثل هذه الأماني الباطلة الفانية (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) وإنما أغراهم بشيء أسمى من المغانم، وأسمى من الذهب والفضة؛ وذلك العلق النفيس الذي تشوفت إليه النفوس كان. . . الجنة. . .

ألا فانظر إلى هذا الموقف السامي الذي وقفه الرسول (ص) في صفوف اليثربيين عندما حاول أخذ بيعتهم، وقف وقال:

- أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. فمد البراء بن معرور يده، وكان سيد قومه وكبيرهم، وقال: بايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة: ورثناها كابراً عن كابر.

وهم القوم بالبيعة فاعترضهم العباس بن عبادة قائلاً: (يا معشر الخزرج! أتعلمون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأخذ أشرافكم قتل أسلمتموه فمن الآن فدعوه فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكه الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة)

فأجاب القوم: إنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟. .

وكان المنتظر أن يمنيهم بخير الدنيا وجاهها، وكان المنتظر أن يمنيهم بما تمنى به القادة والساسة المتحمسين إذ يسوقونهم إلى ساحات القتال، ويعدونهم بشتى الوظائف والأموال؛ ولكن شيئاً من ذلك لم يكن، بل سكت هنيهة، ثم رد عليهم مطمئناً وقال:

الجنة. . .!

لقد كان الفتح الإسلامي فتحاً دينياً مبيناً لا شائبة فيه للأهواء المادية، وكانت تسيره عاطفة روحية سامية تمقت الغزو والنهب والسلب. وليس أدل على ذلك من هذه الكلمة السامية التي ترويها لنا كتب السيرة عن النبي (ص) حين كان يطوف بقومه في بدر ويقول: (والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة. . .). فقال عمير بن الحمام وبيده ثمرات يأكلها: بخ بخ، ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء!. . . ثم قذف الثمرات من يده، وأخذ سيفه وقاتل حتى قتل

ولقد كتب الله للمسلمين في هذه المعركة النصر على المشركين وأسروا منهم سبعين أسيراً، وكان منطق الغزو يقضي أن يفتك بهم، بل كان منطق الحرب. . . يقضي أن يفعل بهم ذلك أيضاً لاسيما وقد ناله منهم قبلا الذل والمهانة، ولكن الإسلام لا يقر أخذ الثأر، ويأبى على المسلمين أن يقاتلوا لهوى وحقد في نفوسهم؛ ولهذا فقد قبلوا منهم فدية قانونية عادلة (لا تتجاوز مقدور أضعفهم) بل إن فيهم من أطلق سراحه بتعليم عشرة من أطفال المدينة القراءة والكتابة، وهذه الفدية الجديدة تنافي ما أشيع من عداء الإسلام للعلم وحثه على الغزو

وكان من أسرى بدر سهيل بن عمرو، وكان سهيل قد شنع بخطبه على الرسول، فقال له عمر بن الخطاب: دعني أنزع ثنيتي عمرو فيدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً

وكان ذلك أقل ما يجب أن يفعله الرسول (ص) برجل شنع عليه بخطبه، وهو لو فعله لما تجاوز العدل قط، ولكن الرسول (ص) تنزه عن الحسد، والحقد، وتطهر قلبه بالإسلام من جميع أهواء النفوس في الجاهلية، فما كان منه إلا أن قال: (لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبياً)

يا له من إيمان سام! يعلو بالنفس عن أحقاد الدنيا، ويجعلها على اتصال بخالقها، فلا تتدلى لحضيض الأهواء البشرية الفاسدة

فقد أدب الله نبيه فأحسن تأديبه، وليس من الأدب قط أن يمثل الإنسان بأخيه ولو كان نبياً!. . . ولذا أبى الرسول أن يمثل بسهيل بن عمرو، بل رده إلى قومه عزيزاً مكرماً، ليعلم البشرية بذلك درساً سامياً كاد جهلها به أن يرديها في هوة الشقاء.

ولسنا نتبين جلال هذا الموقف، وسمو هذا العفو، إلا بمقارنتهما بتمثيل قريش وغدرها. . فمن ذلك ما حدث لقتلى المسلمين في واقعة أحد (فقد طافت هند بن عتبة والنسوة اللاتي جئن الميدان معها، تجدع آذان القتلى وأنوفهم؛ ولما وصلت إلى حمزة بن عبد المطلب بقرت بطنه وأخرجت كبده فلاكتها فلم تسغها فلفظنها واتخذن من آذانهم وأنوفهم قلائد عدن بها إلى مكة)

وانظر إلى هذه الحادثة التي يتمثل فيها اللؤم والغدر بأجل مظاهرهما، والتي قابل بها المشركون القرشيون إخوانهم المسلمين بعد أن عفوا عن أسراهم، وكان في قدرتهم أن يمثلوا بهم ويجزوا أعناقهم عن أجسادهم؛ فقد طلب أبو براء عامر بن مالك بن جعفر العامري من النبي (ص) بعْثاً يبشر قومه في نجد، وكان النبي يعرف غدر قريش والمشركين، وكان يقدر سوء مصير هذا البعث الذي سيبعثه إليهم، ولكن عامر بن مالك مازال به حتى حمله على إيفاد هذا البعث، فلقيهم عامر بن الطفيل عند بئر المعونة ففتك بهم جميعاً دون أن يبدؤوه بحرب أو عداء، وهكذا قضوا في سبيل الله يحملون إليه أرواحهم الطاهرة على أكفهم البريئة وكانوا (75) شهيداً، فتأمل!. . .

ولقد كانت هذه الحادثة، وما تجلى فيها من ضروب التفظيع كافية لأن تستفز النفوس الغافية، والأحقاد الجاهلية والحزازات الذميمة، ليأخذ المسلمون بثأرهم، ولكن هيهات! هيهات!

فعصر الثأر قد مضى وانقضى، وليس لهم إلا أن يصبروا على هذه الكيد والبلاء

وفي غزوة دومة الجندل دعا النبي عبد الرحمن بن عوف وسلمه اللواء وقال له: (خذ يا ابن عوف، سيروا جميعاً في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم)

فمن هذه الوصية الخالدة، وما فيها من أسمى المبادئ الإنسانية تتبينون حقيقة الإسلام وقاعدة جهاده ضد من كفروا بالله وناوؤا رسوله، وأذلوا المؤمنين. . .

(البقية في العدد القادم)

خليل جمعة الطوال