مجلة الرسالة/العدد 286/من رحلة الشتاء

مجلة الرسالة/العدد 286/من رحلة الشتاء

ملاحظات: بتاريخ: 26 - 12 - 1938



في مضارب شمر

البادية

للآنسة زينب الحكيم

إن للبادية طابعاً خاصاً، فهي في النهار غيرها في الليل، وهي في شقشقة الفجر غيرها في غلس المساء. في الصباح الباكر تبدو الطبيعة هواؤها وماؤها، نباتها وطيورها، حيوانها وإنسانها متمالكاً قواه، على أتم استعداد للنشاط والإنتاج، يبدو الزهد على كل شيء والتضحية بكل شيء، ويظهر محيط موحد بضم هذه العناصر جميعها.

يبقى هذا المنظر لحظات سريعة المرور خطيرة الأثر. وتبكر لشمس فتمتد خيوطها الجميلة فتحيي الزهر، وتنعش العشب، وتنشط الهواء، وتداعب الندى.

وتسرع القطعان ورعاتها للسعي والتنقيب، فينكسر سكون الصباح، وتسمع هنا مواء، وهنا نباحاً، وهناك صياحاً وغناء.

ويدور الأحياء دورتهم، في شؤون الحياة العملية الصرفة، صابرين على هجير البادية وقارس بردها، وعلى جدبها وخصبها، راضين بسكونها وثورتها.

هاهو ذا المساء يتقدم، وذكاء على وشك الغروب وراء الأفق، وكذلك تسرع القطعان ورعاتها إلى حظائرها، ويدور الفلك دورته العكسية الأبدية. يا لله من أضداد الطبيعة، وهي هي بعناصرها ومحتوياتها، سكون شامل رهيب، يتلاشى فيه ثغاء الأغنام وهدير الإبل، ويرتفع فيه نباح الكلاب - ترهف فيه الأسماع وكل الحواس. قبة زرقاء صافية في الصباح الباكر، يزينها الضوء الهادئ البديع، والضباب الخفيف والنسيم العليل؛ وقبة زرقاء، قاتمة في المساء، تتلألأ فيها نجوم زاهرة، وتتماوج نسائم بليلة حائرة، وتشمل الكون بمن فيه رهبة قاهرة.

ليلة؟؟

أذهب مسرعة إلى الخيمة التي أعدت لنومي وسط هذه الطبيعة الغريبة، والبادية البعيدة، فيدخل معي الشيخ ليدلني على نظمهم، ومعه خادمان، يحمل أحدهما مصباحاً، والثاني طستاً وإبريقاً به ماء دافئ؛ وأشكر الشيخ على شدة عنايته باستكمال وسائل راحتي، فيقول عمي مساء، وينصرف في رداء العربي الشريف، ونظرة البدوي الشجاع.

ويحملق العبد في وجهي يسألني إذا كنت أريد شيئاً قبل أن ينصرف فأشكره وآمره أن يترك المصباح عندي على المنضدة. وسألته إذا كان لديه شمعة وعلبة ثقاب. فناولني علبة الثقاب أما الشمعة فلا توجد. وضعت الكبريت على الكرسي القريب من السرير؛ وقلت للعبد: من فضلك اخرج وأقفل باب الخيمة. فبدأ يضع الحبل في الثقوب المعدة لذلك بشكل فني، وكنت واقفة أرقب ما يعمل (وهنا تذكرت خيام الكشافة، وكل ما تعلمته من حركاتها النافعة، وأوصي كل فتاة وكل فتى أن يندمج في سلكها وقتاً ما، فإنها للحياة العملية وحياة السياحة والمخاطرات من الدرجة الأولى في الأهمية)

أوشك العبد أن يتم عمله، ولم يبق إلا ثقبان بدون توثيق، فنظر إلي من بين طرفي الباب والخيمة، بحيث لم يظهر منه إلا وجهه الأسود، بأنفه الكبير المفرطح، وعينيه اللامعتين المخيفتين، وشاربه الطويل الغزير، وظهرت أسنانه الكبيرة البيضاء ولسانه الأحمر العريض عند ما قال: عمي مساء سيدتي. قلت: عم مساء وأشكرك. وفي سري قلت: (أبغض منظرك المخيف الهائل في هذه الظلمة الحالكة، والسكون الرهيب)

وأردت أن أستوثق من أن جوانب الخيمة محبوكة، فأطمئن إلى أن كائناً ما لا يمكنه دخولها، فجلست القرفصاء أختبر ذلك. وما كان أشد جزعي، وأبعد تخيلي عما توهمت! لقد وجدت طرف الخيمة يصل إلى حافة السجاد المغطي أرض الخيمة فحسب، والهواء البارد يمر من جميع نواحيها، ويستطيع أي حيوان أليف أو متوحش، الدخول بلا أدنى عائق. فاستولى علي جزع لم أعهده في حياتي، وعبثاً أحاول إقناع نفسي بالتذرع بالشجاعة، أو باستعادة الماضي. فكم من ليال نمتها في أشباه هذه الخيمة في إنجلترا، في أجواء أردأ وأشد صقيعاً ومطراً بل وثلجا.

وإن تمح من ذاكرتي أهم الحوادث الغريبة، التي حدثت لي في بعض هذه المخاطرات، فلن تمحى الحادثة الآتية التي حدثت لي مرة ونحن نخيم في البرية في جهة من جهات إنجلترا:

اتخذنا مخيمنا وسط أرض جيدة، توسمنا أنها خير ما ظهر لناظرنا صالحا لهذا الغرض. وكنا بعيدين جداً عن السكان، وكنا كلنا طالبات فتيات، متخذات من شبابنا قوة على أعمال الكشف والتقشف. وبعد جهاد يوم شاق من الصباح الباكر إلى المساء المتأخر، أخذنا عدتنا للنوم، فدخلت كل منا في كيس نومها الذي يغطي جميع أجزاء جسمها، وتربط طرفه الأعلى حول عنقها، فلا يكون غير الوجه ظاهراً، ويغطي بغطاء خفيف يمنع الحشرات ويسمح للتنفس.

على بركة الله افترشنا الأرض والتحفنا الخيمة؛ وما كدت أسلم جفني للكرى حتى شعرت بحركة غريبة تحت جنبي، فقلت لعلني أنام على جنبي الأيسر، مما سبب للقلب قلقاً، فانقلبت على الجانب الأيمن، ولكن الحركة استمرت، بل زادت شدة، فجمد الدم في عروقي، وهدأت حركتي قسراً، إذ تصورت أن عفريتاً تحت الأرض، كأنما يقصد أن يشق بطن الأرض فيخرج منها، ويتخذ جسمي بديلا. وخطرت ببالي جميع خرافات الجن والشياطين والأرواح، وعقد الخوف لساني، فلم أستطع الاستغاثة بصديقاتي، ولا أملك تحريك أطرافي فأدفع عن نفسي ذلك العفريت الأرضي.

ولما اشتدت حركات العفريت وعنفت صرخت مستغيثة كمن أصابه مس مؤكد. فهرعت إليّ الطالبات، يستفسرن الخبر فأخبرتهن، فقالت واحدة: أسرعي (درثي) أحضري الكيس، وصاحت أخرى: (نللي) أحضري حبلا، وأسرعت ثالثة ورابعة بأيديهما سكين ومسدس، وتصورت أن الجني قد أتت ساعته، وحان حينه، وأني كنت على حق فيما أحسست، وحمدت الله على أني لم أكن مدعية، وبدأت أنشط مع الجماعة لأنتقم لنفسي من ذلك الشرير الذي طالما اختفى، وها قد حان الوقت لرؤيته وكشف سر العفريت كلها بعد كشف حاله.

وضعت الفتيات الكيس مقلوباً على المكان الذي تصورنا أن العفريت سيخرج منه، بحيث انسجمت فتحة الكيس على الموضع تماماً، واجتمعت الأيدي على تثبيتها بحيث لا يستطيع فكاكا.

وتوجهت همة الفتيات كلها إلى القبض عليه في الكيس حتما.

وأخيراً وبعد جهد شاق، قفزت عفاريت ثلاثة من باطن الأرض إلى داخل الكيس المتين، ثم انتهت الحركة في باطن الأرض، فقبضت الطالبات على فتحته، وبدأن يذبحن الشياطين الكفرة! قاتل الله الأرانب البرية! لقد كان شكلها جميلاً وطعمها لذيذاً، ولكن فعلتها كانت شنيعة بالنسبة لي وحدي، لأنه لم تكن لي هذه التجربة من قبل، مثل باقي زميلاتي، اللاتي اعتبرن حدوثها لي حسن حظ وتوفيق أتى للجماعة الكشفية، عن طريق الساحرة المصرية، التي تعرف سر الكشف عن الكنوز في زعمهن.

هذه هي قصة الحادثة الغريبة التي سبق أن حدثت لي، وكان يجب أن أكون أكثر شجاعة مما كنت تلك الليلة في مضارب شمر. ولكن ليذكر القارئ أن شعور الأمان والنظام الذي يحسه الإنسان في بلاد الإنجليز، غير الشعور الذي يحسه في أي بلد آخر. فما بالنا بما يشعر الإنسان به بين اشد القبائل البدوية مراسا وقوة! إن تلك الحادثة على فظاعتها وما سببته لي من رعب لم تكن أشد تأثيراً في نفسي من تلك الليلة في خيمة البادية.

لم أذق للنوم طعماً طول تلك الليلة، لا خوفاً من البدو والعرب أنفسهم، ولا من عبيد الشيخ كما توهمت، بل بالتحليل النفسي الذي شغلت نفسي به، توصلت إلى التعليل الآتي، وأظنه معقولاً تماماً:

1 - كان الطريق وعراً جداً وطويلاً متعباً إلى أقصى حد احتملته، فضعفت عندي قوة المقاومة والتعليل الوقتي المتزن.

2 - هذا بالإضافة إلى حياة مباينة كل التباين لما سبق أن أعتدته زمناً طويلاً من النوم داخل مبان، مما جعلني أشعر أني أنام في العراء، وسبب هذا لي وحشة شديدة لم تتحملها أعصابي وجسمي المتعبان، فحدث لي الأرق والرعب.

ومع كل هذا أشهد أني قمت في الصباح، تاركة فراشي على أحسن ما يمكن من الصحة والنشاط، كما لو كنت نمت الليل كله ملء جفني، فإن الهواء هناك صحي منعش، وبذلك قد عوضني بدل النوم، ولعل هذا سبب ثالث لعدم نومي، ولعله من الأسباب المهمة أيضا في قوة بنية البدو أنفسهم.

الحياة الاجتماعية عند البدو (قبائل شمر)

لهم مجالس محادثات في الأمور المعاشية، ثم لهم مجالس الشعر والرواية. وتستعمل الربابة قليلا، والموسيقى كانت من أهم الأشياء التي افتقدتها في العراق وكردستان، وفي الجزيرة.

أما الراديو، فيعوض الآن جانبا كبيراً من هذا النقص، و (يتونس) به البدو على حد تعبيرهم بدرجة محسة كلما أداره الشيخ وألعابهم كثيرة منها نوع يشبه الهوكي، ومطاردات الخيل (الفروسية) أما المبارزة فانقرضت الآن.

يلعبون ألعاب الورق (الكوتشينة) قليلا للتسلية فقط.

أما في أيام رمضان فيلعبون (الورسان) وهو نوع من أزلام الميسر؛ ويلعبون الضامة.

شخصية الشيخ عجيل الياور

لا يمكن وصفها أو تصويرها تماماً لعظمتها، ويكفي أن يقال فيه: إنه خبير وداهية البادية، ولو أنه أمي، إلا أنه يبز كثيرين جداً من المتعلمين.

ابنه الشيخ صفوك الياور:

ثقافته حديثة، فقد درس في الكلية الأمريكية ببيروت، ثم عاد إلى البادية لمساعدة والده في سياسة العشائر.

وسياسة رؤساء العشائر عربية كانت أو كردية، في تربية أبنائهم، هي أن يعلموهم الآن في المعاهد الحديثة لينوروهم، ويقووا عقلياتهم، لا على أن يهجروا البادية، بل ليزدادوا حبَّا لها، وعناية بمصالح البدو. وهم لذلك يحرصون الحرص كله على إبعاد كل فكرة من شأنها إفساد أبنائهم عليهم أو تنفيرهم من الحياة التي شب آباؤهم وأجدادهم عليها.

وأهم الصعوبات في سياسة العشائر هي المخاصمات بينهم، ثم الذود عن مصالحهم عند الحكومة، لأنهم جهلة، لا يستطيعون قضاء مصالحهم، أو حل مشكلاتهم بأنفسهم لقلة خبرتهم. والذي يقوم بأداء هذا كله الشيخ وابنه.

معلومات عن قبائل شمر وعددها

وهي مستقاة من ابن شيخ المشايخ:

قبائل شمر مكونة من مجموع قبائل: (1) زوبع (2) السناعيس (3) أهل الحية (4) أولاد علي.

وكل ما يعلم عن قبائل شمر أنها متنوعة ومتفرقة جداً، ولا يكاد المرء يحيط بها لكثرتها. والقبائل المذكورة اختلطت فروعها بعضها ببعض

نبذة عن قبائل شمر - من اطلاعي الخاص تنقسم قبائل شمر إلى قسمين، قسم منها يقطن جنوبي العراق ويسمى (شمر الطوقة) وقد صاروا من القبائل المتحضرة.

ويسمى القسم الآخر (شمر الجربة) وهو يتألف من القبائل الساكنة في شمالي العراق في الجزيرة بين دجلة والفرات. وقد هاجرت هذه القبائل من جبل حائل في منتصف القرن السابع عشر.

أما الأرض التي تقطنها شمر الجربة في الجزيرة، فتمتد من شرقي دير الزور شمالاً إلى هور (عقرقوف) جنوباً، ومن الفرات غرباً إلى الموصل شرقاً، وتراها قد احتفظت بالبقعة الخصبة الواقعة في شمال شرقي الخابور، ولاسيما حوض وادي جنجغ الفياض.

وتعيش شمر على حالة البداوة، وتسكن بيوت الشعر، وتنزل أحياناً، بين شهري أبريل ومايو في شمال جبل سنجار، وتنتشر إلى جوار نصيبين ووادي السويدية.

أما في الأشهر الأخرى فتنزح إلى الجنوب، وتتحول في المنطقة الواقعة في جنوبي جبل سنجار.

وهي من أقوى العشائر مشاجرة، ولا تزال في خصام مستمر مع قبائل دليم وبقارة، وعشائر علي الكردية.

والعداء القديم متمكن بينها وبين قبائل عنزة، وهذه تملك أحسن الجياد وأكثر الجمال. ويبلغ عدد نفوس قبائل شمر من 50 إلى 65 ألف نفس.

زينب الحكيم