مجلة الرسالة/العدد 287/فيض الخاطر

مجلة الرسالة/العدد 287/فيض الخاطر

ملاحظات: بتاريخ: 02 - 01 - 1939



مجموع مقالات أدبية واجتماعية للأستاذ أحمد أمين

للدكتور إسماعيل أحمد أدهم

وهذه مقالات بعضها نشر في مجلة (الرسالة) وبعضها نشر في مجلة (الهلال)، والبعض الأخير لم ينشر في هذه ولا تلك؛ جمعها كاتبها أحمد أمين الأستاذ بكلية الآداب بالجامعة المصرية، في كتاب إجابة لدافع غريزة حب البقاء، لأنها - مجموعة - أدل منها متفرقة، وفي كتاب أبين منها في أعداد.

والأستاذ أحمد أمين من كبار المؤرخين المعاصرين في العربية، يدين له تاريخ الحياة العقلية في القرنين الأول والثاني للهجرة بأحسن ما كتب في دراسته من سبل التحقيق في التاريخ. غير أن كتابة الرجل وإن ظهرت عليها مسحة من التدبر العلمي في استقصاء الأسباب وربط النتائج لها كمظهر تحليلي، فان التقرير دون التحليل هو طابع دراساته. ولكن تقرير الحوادث والوقائع عنده خاضع لمحكمة النقد العليا التي تستنزل أولياتها من المنطق التاريخي، ومن هنا جاء ما لدراسات الرجل من قيمة.

والرجل يمتاز بكل سمات العالم في بحثه، من سلامة النظر وسعة الاطلاع والنزاهة وهدوء الطبع. غير أنه ينقصه التحليل في عمقه. وطابع التقرير يوقفه كثيراً عند ظواهر الأشياء دون أن يستجلي بواطنها. ولا أدل على ذلك من نظرة سريعة لموضوعات مقالاته التي نشرها بعنوان (فيض الخاطر)؛ فهو في المقال الأول يتكلم عن (الرأي والعقيدة)، ويرى الرأي شيئاً والعقيدة شيئاً آخر، وهو يذهب في كلامه مولياً وجهة من النظر تذكرنا بوجهة الفنان توفيق الحكيم في المقال الأول من كتابه (تحت شمس الفكر).

يرى الأستاذ أحمد أمين مكان الرأي الدماغ؛ أما العقيدة فمكانها القلب. والواقع أن هذه التفرقة اعتبارية محض، فضلاً عن أن القسمة غامضة، فنحن لا نعرف من القلب معنى غير الشعور والإحساس الباطني، ومثل هذا الشعور والإحساس الباطني ليس الرأي ببعيد عنه. وكم من رأي هو وليد الشعور الباطن والإحساس الداخلي.

وفي هذا المقال يرى الكاتب أن الإيمان بالشيء يستتبع العمل على وفقه لا محالة؛ غير أننا نلاحظ أن الإيمان شيء والعمل شيء آخر، وليس الإيمان بالشجاعة أو الكرم من الأسباب التي تجعل المرء كريماً أو شجاعاً؛ فالكرم عادة وخلة تغلب على الطبع، والشجاعة قوة للتغلب على المكاره مردّها النفس، وليس للعقيدة دخل فيها، وإن كانت العقيدة تتلون بها.

وفي المقال الثاني يتكلم الكاتب عن (الكيف والكم) ويقدر أن تقدير الأشياء بالكم شيء يرتبط بالطفل في نشأته والأمة في طفولتها. ولما كان كل إنسان مر في طور الطفولة، والأمم جميعها مرت بهذا الطور، لهذا علق بالذهن الإنساني تقدير الأشياء بكمِّها. وهذا كلام صحيح ولكن يغلب عليه التقرير دون التحليل، لأن التحليل يستلزم النظر في أسباب ارتباط تقدير الأشياء بكمها بطور الطفولة عند الإنسان.

وفي المقال الثالث عن (صديق) تجد الكاتب يولي وجهة من التقرير للأمور، فيبدع في عرضه وتصويره، ولكنه لا يتناول ببحثه وجه تحطم صديقه من التناقض الذي في نفسه. هذا. . . وهل يمكن أن يوجد إنسان ليس له وحدته النفسية إلاّ ويكون منحلاً شخصية إلى شخصيات، وإذن كان الوجه التحليلي في هذا الموضوع أن يتناول الكاتب ببحثه تداخل الشخصيات التي انحل إليها شخص صديقه، ويبين أثر هذا التدخل في إيجاد الاضطراب في نفسه حتى انتهى إلى تحطيمه.

وفي المقال الرابع كلام عن (أدب القوة وأدب الضعف) ظاهره جميل، ولكن أدب الضعف الذي يلمسه الكاتب في الأدب العربي أليس صورة صادقة من الحياة العربية؟ إذن ماذا يطلب الكاتب؟ أيريد من الخراف أن تلبس جلد الأسود؟ هذا يخرج بالمسألة عن الصدق، والصدق أساس الأدب عند الكاتب. . .

أظن هذه أمثلة وإن كانت سريعة موجزة خطوطها إلا أنها كافية لتثبت أن الكاتب يقف عند حدّ التقرير فيما يكتب. لكن سلامة النظر وسعة الاطلاع وهدوء الطبع تجعل التقريرات التي يقررها الكاتب تتسم بميسم الصدق والواقع في العموم. وهذا لا يمنع أن يتسرب في بعض الأحيان بعض الخطأ إلى تقريرات الكاتب، غير أنها قليلة في المجموعة، نذكر منها قوله إن العالم خاضع للمنطق، وأن له غرضاً يسير إليه وليس يسير حسبما اتفق، وأنه محكوم بقوانين ثابتة لا تتغير.

أما كون العالم محكوماً بقوانين لا تتغير فهذا صحيح، وكونه خاضعاً للمنطق صحيح؛ أما أن يستخلص من ذلك أن العالم له غرض يسير إليه وليس يسير حسبما اتفق فهذا مما لا نوافق الكاتب عليه. فيصح أن يكون العالم سائراً حسبما اتفق وليس له غرض، ومع ذلك تراه خاضعاً للمنطق محكوماً بقوانين ثابتة لا تتغير.

أما بيان ذلك فقد استوفيناه من بحث سابق منشور بعدد أغسطس سنة 1937 من مجلة (الإمام) وفي مقال كتبناه بعدد مارس سنة 1938 من مجلة (المقتطف).

والكاتب يمتاز أسلوبه بإشراق الديباجة ودقة التعبير، غير أن أسلوبه ينقصه السرعة والهزة التي تجذب النفس، فمن هنا لا يمكن اعتباره أسلوباً أدبياً

وللكاتب في المجموع دراسات قيمة تمتاز بوجه عرضها للموضوع الذي يبلغ به الكاتب أحياناً منزلة الجودة الفنيَّة، نذكر من هذه الموضوعات (سلطة الآباء) و (من غير عنوان) و (منطق اللغة).

أبو قير

إسماعيل أحمد أدهم