مجلة الرسالة/العدد 287/من برجنا العاجي

مجلة الرسالة/العدد 287/من برجنا العاجي

ملاحظات: بتاريخ: 02 - 01 - 1939



هاأنذا أهبط إلى برجي العاجي مع الشتاء، في الوقت الذي يهبط فيه (الأب نويل) مع عيد الميلاد. إني أرى لحيته الطويلة البيضاء تمتد لتلتف حول الكوكب الأرضي. لقد كان طرفها بالأمس في بلاد الجليد، فإذا هي اليوم في بلاد الشمس والهلال. لقد طفت بالمدينة فرأيت عجباً. لقد انقلبت القاهرة رأساً على عقب. أنوار وأعلام، وزينات وأفراح، والناس جميعاً مشغولون بإعداد سهرات العيد. الشرقيون قبل الغربيين يتسابقون إلى الاحتفال بعيد ليس عيدهم، ولكنهم يريدون تقليد الأجانب. بل إني لأعرف بيوتاً وأسراً شرقية مسلمة تقيم في منازلها (شجرة الميلاد) أسوة بالأوربيين. نعم. لقد ذهبت أعياد الشرق فلم يعد أحد يأبه لعيد الأضحى أو الهجرة أو ليالي رمضان. إن أعيادنا تقبل علينا فلا نبسم لها ولا نخرج لاستقبالها. إنما نحبس أنفسنا في بيوتنا كأننا نخجل منها ومن أنفسنا. فإذا جاءت أعياد الأجانب أسرعنا فخرجنا لها باشين مهللين. نحن في بلادنا نشارك الأجنبي في أعياده، وهو على أرضنا لا يشاركنا في أعيادنا. وبذلك أفهمناه وعلمنا آلنا وأطفالنا منذ الصغر ازدراء ما هو شرقي واحترام ما هو غربي. وهكذا أثبتنا للعالم أن مجرد وطء أقدام الأوربي أرضنا كاف أن يزلزل حصوننا المعنوية. نعم ما كان الغربي يتصوَّر أن الشرقي ينبذ من أجله حتى أفراحه التاريخية العريقة بألوانها الزاهية وطابعها الأصيل. إني ليخيل إلي أن الغربي ذاته، ذلك الضنين بتقاليده، الحريص على تجميل خرافاته، يدهش لرؤيته وجه الشرقي قد انطمست ملاحمه بهذه السهولة، وضاعت معالمه من الرؤوس والنفوس، وزال رسمه الحقيقي إلا من تلك الصفحات الرائعات التي سطرها أمثال بييرلوتي وجيراردي نرفال من الأوربيين أنفسهم الذين أعجبوا بالشرق يوم كان الشرق يحتفظ برداء شخصيته فلا يخلعه ليجري عارياً كالشحاذ خلف الغرب. إني لم أر قط باعتنا المتجولين يصيحون (بعرائس مولد النبي) في الطرقات ولكنهم صاحوا البارحة بنداء شق الفضاء: (الأب نويل بقرش أبيض! الأب نويل بقرش أبيض!). وبهذا تم لذي اللحية البيضاء غزو الشرق

توفيق الحكيم

الشريف الرضي وخصائص شعره

للأستاذ عبد الرحمن شك الشريف الرضي لا يضارع ابن الرومي في تحليله المعنى وتقصيه إياه، ذلك التقصي الذي ساعد ابن الرومي على إجادة الوصف سواء أكان وصفاً لهمسات النفس وخطراتها أو لأوجه الطبيعة والمرئيات. ولا يضارع الشريف أبا تمام فيما يتقنه من فلتات الصنعة النادرة التي تأتي بالأبيات الفذة الخالبة الآخذة بمجامع القلوب والتي تستهوي القلوب وتشعل الخيال. ولا يضارع الشريف المتنبي وأبا العلاء المعري، ولا سيما المعري في التفكير في النفس والحياة، وأخلاق الناس. ولكن للشريف نصيباً لا يستهان به من هذه المميزات؛ وهو مع ذلك قد اختص بالشعر الوجداني. ولهؤلاء الشعراء جميعاً ولغيرهم شعر وجداني، ولكني أحسب أن الشريف بزهم جميعاً في هذا الضرب من الشعر. وهو قد أمن ما يعتور ابن الرومي في بعض الأحايين من الفتور بسبب ما قد يبدر منه من الإفراط في التقصي والتحليل وتتبع الجزئيات؛ وأمن الشريف زلل المبالغة في الصنعة الذي قد يقع فيه أبو تمام إذا أفرط في حبه للاختراع والتوليد وإتيان ما لم يأت به أحد من التشبيه أو غيره من صيغ الصنعة؛ وأمن الشريف المبالغة غير المقبولة والمعاظلة كما في بعض شعر المتنبي؛ وأمن أيضاً ما قد ترى في ديوان سقط الزند للمعري من مبالغات المتأخرين التي لا تعبر عن وجدان صادق. ولو قارنت بين شعر الشريف وشعر معاصريه لوجدت فرقاً كبيراً في الأسلوب والذوق، فإن الصنعة كانت قد انتشرت في عصره وغالى الشعراء فيها من إبعاد في التشبيه ومغالاة في المعنى من غير سيل دافق من العاطفة والوجدان يلبسها لباس صدق الإحساس، ومن ألاعيب لفظية ومعنوية. وحسبك أن حكيم الشعر العربي المعري التزم ما لا يلزم في لزومياته مجاراة لصنعة عصره، ويولع أحياناً بالجناس وغيره من المحسنات اللفظية التي لا تناسب ما هو فيه من التفكير والحكمة والجد. ولا عبرة بما يقوله بعض المطلعين على الشعر الأوربي من أن الشاعر العالمي الإنجليزي شكسبير يفعل ذلك ويغري أحياناً بتلك الألاعيب اللفظية، فإن شكسبير يفعل ذلك في غير موضع الجد المؤثر، وعلى لسان أناس من طوائف خاصة، أو لهم صفات خاصة. والشريف يترفع عن أساليب هذا التلاعب بالألفاظ. ولعل هذا هو ما ينبغي أن يكون، لأن الشريف شاعر الوجدان، والتلاعب بالألفاظ يتلف أثر الشعر الوجداني في النفس إذ لا يستقيم معه. وإن أطرب التلاعب باللفظ بعض الناس طرباً سطحياً إلا أنه ليس طرب الوجدان والعاطفة.

وهذه الألاعيب اللفظية هي نزهة ولعب يلهو به الذكاء في استنباطها واختراعها ومقارنة معانيها؛ والذكاء من العقل، فلا غرو إذا قبله المعري شاعر العقل لأنه كان سائداً في عصره، وإن كان هذا الهزل ضد جده. ولا عبرة بما يقول القائل من أنه أراد أن يلفت بعبثه هذا الناس عن حرية القول والفكر والعقيدة في بعض شعره كما فعل رابليه الكاتب الفرنسي في تغطيته نقده لعقائد رجال الدين في قصصه بالعبث الصاخب، وإن كان عبث رابليه مجوناً لا يطيقه المعري. ولا عبرة بقول من يقول إن المعري أحس من مرارة نفسه أن الحياة والخليقة وإن كانت مقدسة تدعو من أجل قداستها إلى مرارة النقد، إلا أنها مهزلة أيضاً؛ فهي مهزلة مقدسة كما سماها دانتي الشاعر الإيطالي، ومن أجل أنها مهزلة أباح هزل الألاعيب اللفظية في أثناء جد الفكر

ومن أجل أن الشريف شاعر الوجدان كان أقرب شعراء عصره إلى الأقدمين، وكان بدوي النزعة وإن كان قد أخذ بنصيب من الصنعة العباسية لإعظام أثر المناجاة أو النداء أو الاستفهام أو النفي الوجداني في شعره، فإنه يستخدم هذه الصيغ البيانية ويتعرف وسائل الصنعة في تكرارها وموقعها. ولكنها صنعة طبيعية لا تحسُّ أنها صنعة. وهي لا تنافس الوجدان بل تقوي أثره. وإذا قرأ القارئ له غزله أو رثاءه أو إخوانياته أو تحسره على انحسار الشباب أو مناجاته الديار ظهرت للقارئ آثار هذه الصيغ في إشباع الوجدان وإقناعه، فإن الشريف الرضي يشبع الوجدان ويقنعه ويطربه ويستميله بالنداء الوجداني، أو الاستفهام والسؤال، أو النفي أو الإخبار بصيغة التحقيق والتأكيد، أو الأمر أو المناجاة بأساليب أخرى. . ويفعل الشريف كل ذلك حتى ليخيل إلى القارئ أن لأدوات هذه الصيغ في شعره معنى ليس لها في شعر غيره؛ وهو إذا رأى تلك الأدوات والحروف مثل (يا) أو (الهمزة) للاستفهام أو النداء أو (أين) أو (كيف) أو (لن) أو (قد) عرف أنه يجيد استخدامها لأغراض الشعر الوجداني أكثر من إجادة غيره استخدامها، ففي رثاء أحبابه وأودائه ينادي الدهر فيقول:

(يا) دهر رَشْقاً بكل نائبة ... (قد) انتهى العتب وانقضى العجب

(رُدَّ) يدي ما استطعت عَن أَرَبي ... (لَمْ) يبق لي بعد موتهم أرب

ففي هذين البيتين استخدام النداء والإخبار بالتحقيق والأمر والنفي كلها بصيغة وجدانية تؤثر في النفس. فهذه هي الصنعة اللفظية المحمودة لا الجناس والألاعيب اللفظية التي أولع بها معاصروه.

ويخاطب وينادي النظرة ويسأل مع النفي في قوله:

ذكرتكمُ ذكر الصبا بعد عهده ... قضى وطراً منه وليس بعائد

(فيا) نظرة لا تملك العين أختها ... إلى الدار مِنْ رمل اللوى المتقاود

(أمَا) فارق الأحباب قبلي مفارق ... ولا شيَّع الأظعان مثليَ واجد؟

ففي هذه الأبيات استخدم الإخبار ثم النداء ثم الاستفهام المنفي، وهذه صيغ لفظية وصنعة لفظية لا يحسُّ القارئ أنها صنعة؛ وهي صنعة الطبع التي تُقْنع الوجدان، ويتفنن الشريف ويفتن في مناجاته ومناداته الوجدانية فينادي وقفة الأحباب فيقول: (يا وقفة بوراء الليل أعهدها الخ) وينادي بؤس القرب القصير من الأحباب الذي يعقبه الفراق الطويل فيقول:

فيا بؤس للقرب الذي لا نذوقه ... سوى ساعة ثم الفراق مدى الدهر

وينادي نفسه ويشجعها على تحمل آلام الحياة ومتاعبها فيقول:

يا نفس لا تهلكي يأساً ولا تدعي ... لَوْكَ الشكائم حتى ينقضي العُمُرُ

وينادي الشباب فيقول:

فمن يك ناسياً عهداً فإني ... لِعَهدِكَ يا شبابيَ غير ناسي

فإن العيش بعدك غير عيش ... وإن الناس بينك غير ناس

وينادي بؤس نفسه في الغزل فيقول:

يا بؤس مقتنص الغزال طماعة ... ذهب الغزال بلب ذاك القانص

كالدرة البيضاء حان ضياعها ... مِنْ بَعْدِ ما ملأت يمين الغائص

ما كان قربك غير برق لامع ... وَلَّى الغمام به وظل قالص

أغدو على أمل كحبك زائد ... وأروح عن حظ كوصلك ناقص

وينادي الحبيب صاحب القلب الصحيح الخالي من الهوى فيقول:

يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفى ... ألم الجوى من قلبيَ المصدوع

ولاحظ أنه لم يكتف بصيغة النداء في (يا) بل قرن إليها صيغة الاستفهام المنفي في قوله (أَمَا). وهي ألفاظ إذا جاءت في كتب النحو كانت ميتة، ولكنها هنا تثبت حياة كالسمك عند إخراجه من الماء. ويخاطب الشريف السرحة ويرمز بها إلى من يحب فيقول:

إسْلمي يا سرحة الحي وإن كنت سحيقَهْ

أَتمنَّى لك أن تبقَيْ على النأي وريقَهْ

ثَمرٌ حَرَّمَ واشيكِ علينا أَن نذوقَهْ

وينادي بالهمزة في قصيدته المطربة فيقول:

أمعيني على بلوغ الأماني ... وشفائي من غلتي واشتياقي

وينادي طائر البان في قصيدته المشهورة فيقول:

يا طائر البان غِرِّيداً على فننٍ ... ما هاج نوحك لي يا طائر البان!

(هل أنت مُبْلغُ من هام الفؤاد به. . . الخ)

فانظر إلى أثر (يا) و (ما) و (هل)، وإلى تلك الصنعة اللفظية التي تقنع الوجدان كل الإقناع. وقد يُقْنع الوجدان أيضاً بالمناجاة من غير أدوات النداء فيناجي الموطن والدار فيقول:

سكَنتُكِ والأيام بيضٌ كأنها ... من الطيب في أثوابنا تتقلَّبُ

ويُعجبُنِي منك النسيمُ إذا سَرَى ... أَلا كلُّ ما سَرَّى عن القلبِ مُعْجِبُ

ويقول:

كأنك قدمةَ الأمل المرَّجى ... علَيَّ وطلعة الفرج القريب

ويقول:

وأهجركم هجر الخليِّ وأنتمُ ... أعزُّ على عينيَّ من طارق الكرى

ويقول:

وإني لأقوى ما أكون طماعةً ... إذا كذبت فيك المنى والمطامع

ويقول في قصيدة مطربة:

فإنْ لم تكن عندي كسمعي وناظري ... فلا نظرت عيني ولا سمعت أذني

وإنك أحلى في فؤادي من الكرى ... وأعذب طعماً في فؤادي من الأمن

ويناجي أيضاً مناجاة وجدانية فيقول:

أنت الكرى مؤنساً طرفي وبعضهم ... مثل القذى مانعاً عيني من الوسن ويقول:

فقلت نعم لم تسمع الأذن دعوة ... بَلَى إن قلبي سامع وجناني

وتراه يستخدم الاستفهام استخداماً وجدانياً مطرباً كإطراب ندائه الوجداني فيقول:

هل تذكر الزمنَ الأنيقَ وعيشنا ... يحلو على مُتَأَمِّل ومذاقِ؟

ولياليَ الصبوات وهي قصائر ... خطف الوميض بعارضِ مبراق؟

ويستفهم بأين ويناجي في قصيدته في ديار الحيرة، وهي من الوصف الوجداني المؤثر، ومن الشعر الذي ينبغي أن يختار له كلما اختير له شعر وجداني ويقول في مطلعها:

أين بانوك أيها الحيرة البي ... ضاء والموطئون منك الديارا؟

(للمقال بقية)

عبد الرحمن شكري