مجلة الرسالة/العدد 290/رسالة العلم

مجلة الرسالة/العدد 290/رسالة العلم

ملاحظات: بتاريخ: 23 - 01 - 1939



قصة العلم التجريبي

الذروة التي بلغها البحث العلمي

للدكتور محمد محمود غالي

يعتمد العلماء اليوم على منابع أربعة للتجديد العلمي: الميراث العلمي، والبحث النظري، والبحث التجريبي، والتعمق العقلي في حقائق الأشياء ووضعها في قوانين لا تتعارض مع النتائج النظرية والتجريبية

ولن أتناول بالبحث في هذه المقدمة الميراث العملي فقد أشرنا إلى الدرجة التي وصل إليها من العظم حتى أصبح غير ميسور لباحث أن يتعرف في فرع واحد من العلوم كل ما ينشر فيه. أما البحث النظري فقد أصبح من القوة بحيث لا يستطيع المشتغلون بالعلوم التجريبية والذين تستنزف التجارب بين جدران المعامل كل أوقاتهم، الاستغناء عن تتبع التطورات التي تحدث في كل عام من الناحية النظرية، وإن أعمال إينشتاين وبلانك ودي بروي وشرودنجر ما يدل على ما للطبيعة النظرية من القوة اليوم

أذكر أني طالعت منذ عشرة سنوات إحدى صحف الصباح بباريس أن لويس دي بروي وكان عمره في ذلك الوقت حوالي خمسة وثلاثين عاماً حاز جائزة نوبل في الطبيعة وكان كل ما بلغه من منصب علمي وظيفة محاضر في السوربورن وفي مساء نفس اليوم حضر كعادته للمعمل الذي كنت أعمل فيه بالسوربورن الأستاذ موتون، وهو عريق في منصب الأستاذية فأردت أن أُلمَّ بشيء عن دي بروي فقال لي: (لا تظن أني أعرف عنه أكثر مما تعرف)، وبعد سبع سنوات من هذا التاريخ، وقُبيل وفاة الأستاذ موتون ذكر لي وهو طريح الفراش من مستشفى معهد باستير، وكنت أطالع له عملي: (لم يصبح لدينا من الوقت ما يكفي لتتبع دي بروي وفرانسيس بران ولا أنصحك أن تنفق وقتاً كبيراً لتتبعهم، ولكن يظهر لي أن عالم التخمين لم يصبح أقل أهمية من عالم التجارب)

أما البحث التجريبي في العلوم الطبيعية فقد بلغ ذروة تدل عليها التطبيقات التي تمت داخل معامل الأبحاث وخارجها مثل الاختراعات العديدة التي أصبحت تتداخل في جزء من حياتنا اليومية

ولنضرب الآن أمثلة من التقدم في دائرة معامل البحث ونشير إلى شيء من المقدرة التي أبداها العلماء في القيام بالتجارب العلمية. ولعل في إشارتنا ما يجعل جماعة ممتهني العلوم الكيميائية والطبيعية الذين يشبهون في حياتهم كيميائي القرون الوسطى - وهم كثيرون بيننا يستفيدون من الرجوع لهذه المقالات. ويقيننا أنهم إذا طالعوا بإمعان ما تتضمنه مقالاتنا سيطفئون مشاعلهم التي أفسدت الجو بدخانها ويفارقون بوادق صهرت الكثير من نقود أصحابها ويوقنون أن قصة المعامل اليوم تخالف قصتهم وأن العلماء اليوم متجهون اتجاها آخر في مباحث بلغت من القوة شأوا حمل الناس على الإيمان بها والتسليم بسموها وعظمتها.

خذ مثلاً من العلم التجريبي كان النجاح فيه لأستاذين لازمناهما وجاورناهما في معاملهما طويلاً هما كوتون وموتون، ففي سنة 1906 استطاعا بإنارة معينة للجسيمات الميكروسكوبية أن يكتشفا ما نسميه اليوم الألتراميكروسكوب وهو ميكروسكوب عادي إلا أن الجسيمات المراد فحصها تضاء بطريقة تسمح برؤية الجسيمات المتناهية في الصغر والتي لا يكشفها الميكروسكوب أو على الأقل تسمح برؤية مواضع هذه الجسيمات، خذ النتائج السريعة لمثل هذا الاكتشاف العلمي فقد استطاع جان بران في سنة 1908 أن يتتبع حركة جسيمات صغيرة جداً كالجسيمات المعلقة مثلاً في نقطة من الحبر وهي حركة مبنية على قوانين الصدفة إلا أنها نوع من الصدفة المنظمة - أما سبب حركة هذه الجسيمات فهو حركة دائمة في جزيئات الماء نفسه التي تتصادم مع هذه الكرات المعلقة في السائل فتحركها معها، وهذه الحركة الدائمة في كل سائل هي التي تسبب ضغط السائل على جدران الإناء. وقد استطاع بيران (بإدخال حسابات قام بها العالم المعروف أينشتاين) أن يدرس نظام توزيع هذه الجسيمات الصلبة داخل السائل واستنتج من ذلك نتائج علمية عظيمة الأثر منها تحديده لعدد جزيئات الغازات في حجم محدود ومنها معرفته لشحنة أصغر جسيم كهربائي أو وحدة الكهرباء (الإلكترون

وللإلكترون أهمية كبرى ويكفي أن يعرف القارئ أن العلماء يتجهون الآن إلى تحديد كل ما نراه وحصر كل ما يكون العالم في أربعة أنواع من الجسيمات المتناهية في الصغر هي الإلكترون والبوزتون والنيترون والفوتون. وسنأتي في مقالاتنا القادمة على شرح كل واحد من هذه الجسيمات الأولى الأربعة المكونة للخليقة وعلى الظروف التي أدت إلى اكتشاف كل منها، وإنما أردنا أن ندل القارئ على أن اكتشاف الألتراميكرسكوب واكتشاف الإلكترون كانا عملين أحدهما مساعد للآخر. ومما يجدر بالذكر أن الالتراميكروسكوب لعب دوراً كبيراً في تجارب مليكان الخالدة التي فصل فيها جسيما واحداً يحمل إلكترونا حرا واحداً، هذه التجارب التي آمل أن أفصلها يوماً لقراء الرسالة ولكن لا أترك الإلكترون دون أن أعطي القارئ فكرة عن حجمه أو كتلته

تصور أنك تدخن سيجارة وأنت جالس في الشمس وتصور أن تركت أطراف السيجارة على إصبعك بعض آثار الورق المذهب بحيث أن أشعة الشمس تساعدك عند النظر لإصبعك أن تكشف بالعين أحد هذه الجسيمات البراقة المتناهية في الصغر والتي تركتها السيجارة. إذا تصورت هذا وأردت أن تتصور الإلكترون فاعلم أن حجم هذا الجسيم الصغير يحوي ملايين المرات حجم الإلكترون الواحد، فإن نسبته لهذا الجسيم البراق الصغير جداً كالنسبة بين الأخير وبين المكتب الذي أكتب عليه الآن هذا المقال

يمكنك أن تتصور أيضاً أنك تأكل تيناً وأنه قد أصاب إصبعك إحدى أشواكه الصغيرة - إنه يلزمك في العادة ملقاط لإخراج هذه الشوكة التي إذا خرجت تراها بصعوبة بالعين المجردة، إن هذه الشوكة ربما تحوي من الإلكترونات قدر ما تحوي شجرة التين من الشوك. هذا هو الإلكترون الذي استطاع مليكان أن يفصل جسيما واحداً يحمل إلكترونا حرا واحداً ويرى موضع هذا الجسيم بل ويرفعه ويخفضه كما يشاء

إلى هذا الحد وصل العلم التجريبي في سنة 1909 أيام تجارب بيران ومليكان. أما اليوم وقد مضى ثلاثون عاماً على هذه التجارب فماذا أقصه عليك في هذه المقدمة التي أرجو من ورائها للقارئ إيماناً علمياً يشبه إيمان العوام. ولهذا أكتفي بالتنويه بثلاثة موضوعات كأمثلة جديدة في العلم التجريبي الحديث

الموضوع الأول:

تصل إلينا أشعة يسمونها اليوم الأشعة الكونية سأجعلها موضوع مقال خالص في أعداد الرسالة القادمة.