مجلة الرسالة/العدد 290/رسالة الفن

مجلة الرسالة/العدد 290/رسالة الفن

ملاحظات: بتاريخ: 23 - 01 - 1939



الجمال المصري القديم في النحت

للدكتور أحمد موسى

(سل من شئت من المصريين عن تاريخ مصر الفني، وعما في تراث الأجداد من مميزات، وعن الناحية الجميلة الممتعة فيه؛ بل سل أغلبية الناس في مصر ممن زار أهرام سقارة، وممن تطرف في حب مشاهدة الآثار المصرية وسافر إلى الأقصر، وشاهد معبد الكرنك وطيبة ووادي الملوك والملكات، وتمثال ممنون. . . سل كل هؤلاء عما شاهدوه وعما استفادوه، وعن ناحية الجمال فيما عاينوه، فلا تسمع إلاّ تخبطاً يكاد لا يختلف عما تسمعه من أمي يعيش بجوار هذه الآثار

ثم شاهد مدينة القاهرة - على اعتبارها عاصمة القطر وأهم مدينة فيه - وما فيها من ضروب الخروج على أبسط مبادئ الذوق العام واخطر في أحسن شوارعها يستوقفك شذوذ الانسجام في مبانيها، وظاهرة انحطاط الذوق في كل ما فيها. ثم تفلسف قليلاً لمعرفة السبب في ذلك تجده ولا شك ينحصر في جهل الناس معنى الجمال، ومعنى الذوق، ومعنى الفن. وهم في ذلك سواء، يستوي الجاهل مع العالم، والفقير مع الغني

بيوت عالية شاهقة، وأخرى واطئة حقيرة، كلها متجاورة. وإذا صادفت عشر عمارات كبار الواحدة ملتصقة بالأخرى، ترى لكل منها شكلاً ولكن منها منهجاً؛ كل هذا بجانب دكاكين كتب على أعلى مداخلها باللغة الفرنسية مرة وبالإيطالية أخرى وبالأرمنية ثالثة، دكاكين كتب في أعلى مداخلها بالعبرية حيناً وبالإغريقية حيناً آخر، كما تصادفك أخرى كتب عليها بالعربية لغة الوطن، لغة البلاد!

تأمل كل هذا. وتأمل بعض الناس وهم يتهافتون على شراء تماثيل من الجص الرخيص، تماثيل لا تمت للفن بصلة وتسجل على مشتريها قلة الذوق وعدم الفهم والجهل بأبسط مظاهر الجمال تأمل كل هذا ثم عرج على آثار الأقدمين ترها منسجمة كلها من طراز واحد سمي الطراز المصري القديم، له طابع وله انسجام وله أثره في فنون الغير، يعطيك صفته دون حاجة إلى دقة الفحص ودون حاجة إلى سابق الدرس.

كل هذا لأن الذين قاموا بالعمل الفني كانوا من المصريين الصميمين لم يكن لهم وسي للتهريج أو الدجل، كما أن الذين أشرفوا عليهم وعملوا على تشجيعهم كانوا من أبناء البلاد

بهذا التمهيد بدأنا مقالنا الأول عن الفن المصري على صفحات (الرسالة) ومنه نرى أن تاريخ الفن قد سجل للمصريين الأقدمين ذوقاً عظيماً ووحدة فنية ظاهرة لكل متأمل.

وإذا كنا اليوم نكتب عن الجمال المصري القديم، فإننا نريد بذلك الكتابة في الفن البحت، وليس في تاريخ الفن، بالقسط الذي اعتدنا أن نتناول به سابق الأبحاث.

ولا يكاد يختلف اثنان في تقدير الفن المصري القديم وخلود عظمته بل والتأكد من أنه أصل الفنون جميعاً، أثر فيها إلى حد بعيد جعل من علماء الفن والآثار من يشتغل بتحديد الصلة بين الفن المصري وبين ما جاء بعده من فنون الإغريق وغير الإغريق؛ فأخذوا يقولون بأن الإغريق هم أول من اقتبس من المصريين، كما أخذوا يدللون على ذلك بمقارنات قياسية بين تصميم المعابد المصرية ونظيرها عند الإغريق، كما أنهم قارنوا بين منحوتات المصريين ومنحوتات الإغريق في أول عهدهم، ثم تراهم يعرجون بعدئذ على قواعد غاية في الدقة تؤكد صدق قولهم، منها تناسب الأعضاء وتشابه المجموع الكلي وتناظر الإنشاء الشكلي.

وكل هذا قد يكون صحيحاً غاية الصحة، ولكن الذي يجب علينا أن نعلمه هو أن الفن المصري فن مبتكر، بدأ ونما وازدهر ثم انحط واندثر دون أن يصل في مرحلة من مراحله إلى المثل الأعلى بمعناه الغني؛ لأنه لم يمثل الحقيقة تمثيلاً يدل على التقليد البحت ولا جعل من الحقيقة ملهماً للخيال السامي، ولا اتخذ منها ما يرتفع بالتصوير الفني إلى درجة الروعة.

كان هذا ولا يزال معدوداً من القصور الحتمي الذي لم يكن للتخلص منه بد، لأنه نجم عن طبيعة البلاد المصرية ونفسية الشعب، إلى جانب بساطة الطبيعة وصفو السماء وسهولة العيش. لذلك ومع أن الفن المصري قطع مرحلة تبلغ ثمانية أضعاف المرحلة الزمنية التي استغرقها الفن الإغريقي؛ فإنه للأسباب الطبيعية المذكورة لم يصل إلى ما وصل إليه الإغريق.

وإذا كنا لا نزال نذكر ما قلناه عن بعض منحوتات أكروبوليس أثينا ومعبد بارتنون وما كانت عليه تلك القطع الخالدة التي مثلت الحياة أروع تمثيل، لأنها وصلت إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه الفن إطلاقاً، أمكننا أن نعرف بالمقارنة مدى ما وصل إليه المصريون في هذا المضمار معرفة تقرب إلى الحقيقة العلمية.

ولعله جدير بالذكر أن نوضح شيئاً عن الكيفية التي سار عليها المصرييون في تلوين منحوتاتهم، بل وكل ما تركوه بمقابرهم وأهرامهم ومعابدهم من غير المنحوتات بألوان معدنية وصناعية اتخذوا بعضها من الأرض.

حصل هذا التلوين عندما كانت منحوتاتهم من الحجر الجيري أو الرملي؛ أما عندما كانت من حجر الجرانيت الوردي أو الأسمر أو حجر البازلت أو السربنتين فقد تركت بدون تكوين اكتفاء باللون الطبيعي.

على أنه قد وجدت تماثيل خشبية أو حجرية قابلة لامتصاص الألوان ولكنها تبدو كما لو كانت غير ملونة، وهذا في غالب الأحيان لزوال اللون منها أو لأنها تركت قبل تلوينها لظروف طارئة.

هذا بيان لابد من إيضاحه قبل تأمل النحت المصري الذي يمثل جمال المرأة المصرية على اعتبارها ممثل الجمال الإنساني غالباً. وإذا كان الجمال في جوهره متلخصا في تناسب التكوين وانسجام المظهر، فإن قياس الجمال رهين بالزمان والمكان، كما أنه راجع إلى نفسية الحاكم وبيئته وثقافته ومدى تأثره.

ولذلك فلا يهمنا في القرن العشرين أن نقارن بين جمال المرأة المصرية وجمال غيرها، وإنما يهمنا أن نتخذ من آثار الأقدمين وسيلة لفهم الجمال المصري القديم وفيم كان منحصراً وكيف كان تعبير الفنان المصري عنه.

وبالنظر إلى أن تاريخ الفن المصري قد استغرق قروناً، فإنا سنحاول تأمل الإنتاج الفني في هذا المجال تأملاً تاريخيا إلى جانب التأمل الفني الذي يمهد لنا سبيل التقدير الإستيتيكي.

فإذا تأملنا رأس (نفريت) التي يرجع تاريخ صنع التمثال الخاص بها إلى أقدم الأسرات، رأينا أن ملامح الوجه تدل على النعمة والبعد عن الكفاح مع توافر النبل، لا سيما إذا راعينا أن هذا من أقدم التماثيل المصرية التي تمثل جمال المرأة. أنظر إلى العينين والحاجبين وإلى الطريقة التي اتبعها المثال في التأنق لإخراجها بغاية النظام والعناية. ثم تأمل الطريقة التي اتبعت في تصفيف الشعر وقصه عند الكتفين وتثبيته من أعلى بطوق من الذهب محلى بنقوش له الطابع المصري. كما تغطي العنق بحلية زادته جمالاً وزانت الصدر بما فيها من ألوان وزخارف. أما المميز الخاص الذي انطبع على الوجه فهو أميل إلى الصمت والسكون من إلى الحياة والحركة. ولا نزال نرى الكثيرات من المصريات على جانب مماثل لهذا الجمال. وربما أضيف هنا أني أردت منذ حين التوفيق بين الجمال المصري القديم والجمال المصري المعاصر، وحاولت عمل المقارنات الدقيقة، إلا أني للأسف صادفت مصاعب، منها عدم إمكان تصوير السيدات اللواتي جمعن إلى جمالهن طابع الجمال القديم

أما تمثال (حرم العمدة) وهو مصنوع من الخشب فقد أعطانا فكرة صحيحة عن قوام المرأة في تلك الحقبة إلى الوقت الذي فيه نستطيع بمقارنة الوجه من جانبه ومن أمامه أن نعرف شكل الأنف المصري وطريقة تكوينه واستقامته. أنظر إلى الفم وقارنه بفم (نفريت) تر أن هذا الأخير اكتسب شيئاً من الحياة بالنظر إلى تلك الابتسامة الهادئة التي ارتسمت عليه. والغريب في الشعر هنا أنه ليس مجدولاً كشعر نفريت كما أنه تميز بتدرج نهايته السفلى، فكان أشبه بثلاث طبقات تعلو الواحدة مها الأخرى، فزادته رونقاً. نعم كان التمثال الأول ملوناً فظهر الكحل في العينين على حين كان الثاني من الخشب دون ألوان ظاهرة. أما التشابه بين السيدتين فظاهر من حيث امتلاء الوجه واستدارته.

أما والدة إخناتون فهي على هيئة عجيبة لها طابع مميز على غاية القوة، كما يبدو لأول وهلة أن لونها كان أسمر مما يؤيد أنها كانت من مصر العليا. وعلى ما يظهر كان الفنان حريصاً على إخراج الوجه مليئاً بالحياة، فتكاد العينان تنطقان. وقد بدا الفم غريباً في تكوينه وفيما يدل عليه. أنظر إلى استدارة الخط الفاصل بين الشفتين واتجاهه إلى أسفل تر أن هذا الوجه لم يكن فقط ليعطي الناظر هيئة صاحبة التمثال؛ وإنما عبر خير تعبير عن النفسية وما هو دفين فيها. ولعل غطاء الرأس بالسهم المثبت في وسطه يذكرنا جيداً بالخوذات الحربية الألمانية قبل الحرب

وتمثال موتنوزميت أم حورمحب (ش 4) يعطي مثلاً سليما لنفس الجمال، مع ملاحظة أن الرأس أصبح مزيناً بغطاء ذي نقوش رفيعة توسطتها أعلى الجبين الأفعى المصرية.

وإذا تأملنا بشيء من الدقة التمثالين (5، 6) وجدنا فيهما تشابهاً شديداً من حيث التكوين المجموعي إلى جانب التفاصيل الإنشائية؛ فأنت ترى أن القوام متشابه وأن وضع اليد اليسرى كان على الصدر بفارق بسيط، كما أن اليد اليمنى ممتدة في كليهما إلى أسفل، وتقدمت الساق اليسرى في كليهما إلى الأمام. نعم نجد الشعر مجدولاً بشكل مخالف في كليهما، كما أنه مختلف من حيث التصفيف وطريقة القص. أما القوام فهو المثل الأعلى لوقتنا الحاضر، كله رشاقة وكله جمال. ومن الغريب أن نرى أن أحدث طريقة لصف الشعر هي إظهار الأذنين، ونجد أن المرأة المصرية قد اتبعت هذه الطريقة منذ خمسة وعشرين قرناً.

أما تمثال أوابرا (ش 7) فهو يمثل امرأة جلست وقد سرت جسمها بملابسها الرقيقة بطريقة استطاع الفنان أن يظهرها في أجمل وأروع هيئة. تأمل الذراعين واتكاءهما على الركبتين ثم لاحظ النبل الذي ارتسم على الوجه، وانظر إلي خط التحديد للتمثال كله، وفكر ولو قليلاً في الكيفية التي استطاع بها الفنان المصري التعبير عن الجمال.

نلاحظ طبعاً كبر الأذن، كما نلاحظ صمت التمثال وركونه إلى السكون؛ ولكن هذا لا يمنع مطلقاً من الإعجاب في أجلى مظاهره بالكيفية التي سار عليها الفن في عصر يبعد عن عصرنا بألفين وخمسمائة سنة.

والخلاصة أننا نرى أن الجمال المصري القديم كان نبيلاً عريقاً خالياً من الدخيل، صافياً نقيّاً، غير ممتزج بغيره، جمع بين الصفة المميزة وبين الطبيعة البريئة الوديعة.

والسلوة الوحيدة التي نتعزى بها، هي أننا نرجو أن نحسن الفهم على الأقل لفن تركه الأجداد ولم نعن بدراسته والعمل على نشره حتى بين أبناء البلاد.

وإذا كنا ندين بنتائج الحفريات ومعرفة اللغة الهيروغليفية لعلماء الأجانب، فإننا على الأقل يجب أن نعني بفهم الفن المصري ودراسته، حتى نستطيع أن نخرج عن المباهاة بما في بلادنا من آثار وندخل دور الاستمتاع بها، فتكون لنا روح وطنية صرفة لها أثرها قفي توجيهنا لمجاراة الشعوب الناهضة.

هذا مقال لا يخرج عن كونه احتيالا على القارئ لتفهيمه صفحة رائعة من صفحات آثار أجداده بطريقة التكلم عن الجمال في أسلوب بسيط بعيد عن الجفاف العلمي.

احمد موسى